لبنان وفلسطين والمنطقة إلى أين؟

د. فؤاد الحاج

كما في لبنان كذلك في فلسطين المحتلة ألاعيب وتمثيليات متقنة وأدوار يقوم بها أغبياء في السياسة بإشراف ممثلين بارعين في فن الكذب والنفاق خريجي معاهد صهيو-أمريكية أهمها (الجمجمة والعظمة – إيباك – يال – انتربرايز) والعديد غيرهم، وبمساهمة من أنظمة التبعية والذل الناطقة بالعربية بقيادة حكام بلاد نجد والحجاز ونظام مبارك ومن لف لفهم، أن غايتهم الحقيقية من ذلك هي تضييع الوقت ريثما يتم الاستحقاق الأمريكي وانتخاب رئيس جديد لن يكون في أكثر الترجيحات سوى خلفاً لأسوأ سلف ولكنه سيكون على الأقل أقل عدوانية منه مرحلياً.

هذه المقدمة المقتضبة الضرورية برأيي كي أقول أنه لا يمكن لأي مراقب سياسي ومتابع لمجريات الأمور في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج أن يكون بحاجة إلى نعمة النبوءة أو قراءة الكف والمستقبل كما يفعل المنجمون، لمعرفة نتيجة تطور الأوضاع ومراحلها في لبنان وفي فلسطين ليصل إلى أن المستقبل المنظور لهذين البلدين ليس سوى الوصول إلى الفراغ أو الجمود رغم ما تصدره لنا وسائل الإعلام عبر الفضائيات وغيرها عن لقاءات واجتماعات ومؤتمرات وما إلى هنالك من تسميات التي تشكل لجان وترسل مندوبين ومنها "لجنة الوساطة العربية" برئاسة أمين تلك الجامعة المهترئة التي عفا عنها الزمن.

وسبب تأكيدنا على ما تقدم أيضاً لا يدخل في باب الألغاز أو الطلاسم، لأنه في حقيقة الأمر يراد جواب على سؤال كيف يمكن أن يدفع لحل الأزمات في بلاد العرب، من كان ولم يزل، جزءا فاعلا في تأزيم الأوضاع العربية من العراق وصولاً إلى لبنان وفلسطين وموريتانيا والجزائر، بحيث أن كل الأنظمة المذكورة أعلاه تؤيد ما تطلبه إدارة الشر الصهيو-أمريكية وما يأمرها به صندوق النقد والبنك الدوليين؟.

من هنا، نكرر تأكيدنا، بأنه من العبث الحوار لأنه مضيعة للوقت فمنذ أكثر من خمسين عاماً وعرب الجامعة المهترئة يتحاورون ويصدرون بيانات ويعملون بعكس ما يقولون، واليوم تطالعنا الأنباء بأنهم يدعون للحوار من أجل فكفكة وحل عرى المشاكل في فلسطين المحتلة، ونراهم يصمتون عما يقوم به الاحتلال في فلسطين المحتلة، وكذلك دعا أمين الجامعة المهترئة اللبنانيين إلى المزيد من الحوار، بقصد الوصول إلى حالة من التفاهم المشترك حول الرئاسة وحكومة ما يسمونها "حكومة الوحدة الوطنية" في لبنان وكذلك في فلسطين، رحمك الله أيها القارىء العزيز لاحظ كم مرة منذ أكثر من عامين يردد الساسة في لبنان وفي فلسطين كلمة "حكومة الوحدة الوطنية" ومع ذلك لا نرى سوى جعجعة دون أي ذرة طحين!!.

وفي التفصيل إن في فلسطين المحتلة، أو في لبنان ترى أنه ربما قد تختلف التفاصيل حول مفهوم "حكومة الوحدة الوطنية" ولكن المحصلة بالنتيجة واحدة، على الرغم من أن الجميع يقولون أنهم يراهنون على الإرادة الشعبية الحرة الواعية، دون أن يقولوا بأن هذه الإرادة الشعبية قد كفرت بهم وأن من يسير معهم من الشعب إنما يفعل ذلك مقابل الحصول على خمسين دولار يومياً وتنكة زيت وشوال طحين أسبوعياً، وهكذا، مع أن هؤلاء الساسة الأغبياء يعرفون حقيقة وضمير الشعب إلا أنهم يتغافلون عن ذكر هذه الحقائق كما يعرفون أن الشعب يشتمهم في السر وفي العلن خاصة أبناء الأمة الذين تسمح لهم الظروف بالهجرة وترك ديار الآباء والأجداد!

وأيضاً في لبنان وفي فلسطين، يعرف الجميع بأن هناك رموز وحركات وأطراف مدعومة من الخارج، تتنافس فيما بينها على تعميق حالة القطيعة وترسيخ حالة الفلتان الأمني تحقيقاً لتمرير الوقت ريثما يتم انتخاب رئيس أمريكي جديد غير معروف حتى الآن، فهذا مدعوم من إيران وذاك مدعوم من محافل الشر الصهيو-أمريكية الدولية، ويبقى ما تبقى من الشعب المنكوب بالفقر والجوع والمرض والجهل قانعاً بالمفروضين عليه من قادة وقيادات وزعماء تحت أسماء دينية وسياسية مختلفة كلها ودون استثناء في المحصلة رجعية ومتخلفة تحلم بالوصول إلى كرسي رئاسة الوزراء أو إلى كرسي المجلس النيابي ولا يهمها كم من الشعب يموت على عتبات المستشفيات أو في التفجيرات التي تحصد العشرات في فلسطين المحتلة وفي لبنان، مع العلم أننا لم نرى أو نسمع عن إصابة أي من تلك القيادات أو الزعامات أو أي من أفراد عوائلهم إلا من كان نائباً مثلاً كما حصل في لبنان مؤخراً أما أصحاب المعالي والفخامة وأصحاب الألقاب والتشريفات فلا يمكن الوصول لهم لأنهم تحت حراسات مشددة، وإذا حصل وتم تفجير قريب من موكب أحدهم فأن المصيبة تنزل على رؤوس أفراد الشعب وتكون الخسائر باهظة، عندها تتقافز تلك القيادات والمسؤولين والزعماء وتتنطح شاشات الفضائيات يدينون ويستنكرون "الأعمال الإرهابية" ويتهمون فوراً سوريا بتلك التفجيرات حتى قبل أن يصدر أي تحقيق أو بيان من رجال الأمن والاستخبارات والجهات القضائية والمحققين - مع أننا لا ندافع ولن ندافع عن  النظام في سوريا أو أي نظام آخر – ولن نستغرب غداً إذا مات أحد الأشخاص تحت تأثير عملية جراحية في إحدى مستشفيات لبنان مثلاً لنرى جنبلاط أو جعجع وكل جماعتهم يكيل الاتهامات الفورية إلى النظام السوري ويقولوا بأن هذا الدكتور الذي قام بالعملية الجراحية لذلك "الشهيد" هو من صنع النظام السوري وأنه تابع لجهاز الاستخبارات السورية!! لذلك نجد بأن كل هؤلاء الساسة عندما يصاب أحدهم بالزكام أو بنزلة برد مثلاً يأخذ أول طائرة متجهة إلى أمريكا أو فرنسا أو إلى أي بلد أوروبي أو إلى إيران ليكشف عند اختصاصيين تابعين لأجهزة تلك البلد!!

ولكل ما تقدم يمكن التأكيد بأنه مطلوب اليوم تعويم حالة الفوضى والبلبلة والشك والتشكيك والتستر بالذرائع المتهافتة وترسيخ مثل هذه الظواهر لأن ذلك هو وحده ما يمدد الوقت الضائع على حساب المصالح العليا للوطن وللشعب معاً، ريثما تأتي إدارة أمريكية جديدة.

وفي لبنان كما في فلسطين أيضاً، نرى أن لعبة الشد والجذب أصبحت على المكشوف، بسبب الارتهان لإرادة الأجنبي والاستقواء به، ولم يعد أصحاب المعالي والفخامة والقيادات والزعماء يخفون تباهيهم به، على اعتبار أنهم ينفذون إرادة "المجتمع الدولي" أو كما يحلو لهم أن يسموه "الشرعية الدولية"!!.

وفي فلسطين، نرى ونسمع إرغاء وإزباد من الحمساويين والفتحاويين معاً، هذا يحرم الحديث أو الحوار مع "حماس" بذريعة أنها "انقلبت على الشرعية"، وذاك بحجة "أن سلطة أوسلو وأزلام السلطة كانوا يتآمرون ويتجسسون على بعض الساسة العرب لحساب الأجنبي"، ترى ما علاقة "الشرعية الدولية" وما علاقة "المجتمع الدولي" بسلامة الوطن ووحدة الشعب وتأمين مصالحه، ولماذا الآن بدأت تظهر تلك الأقوال مع أننا نعرف أن سلطة أوسلو وقد كتبنا عن ذلك الكثير وقلنا بأنهم هم الذين اغتالوا المرحوم ياسر عرفات وهم الذين كانوا يتجسسون على مكاتب قيادات وطنية في تونس وهم الذين باعوا فلسطين وأنهم هم الذين يتاجرون بدماء الشهداء، كما أن ما تم فرضه على عرفات في أوسلو وتوابعها وفي القاهرة عندما قال له المبارك (وقّع يا كلب) وعندما تم احتجاز عرفات في عهد كلينتون "الديمقراطي" وماذا قالت له العجوز الشمطاء اولبرايت "الديمقراطية"، ترى ألم تكن "حماس" تعرف ذلك! وكذلك قلنا وكتبنا منذ قبل أوسلو بأن "حماس" بالأساس هي صناعة صهيونية جيء بها كي تعمل ضد منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك ومن أجل ترسيخ شق الشعب الفلسطيني، وبعد أن وصلت "حماس" إلى الفوز الساحق بالانتخابات الحرة التي شهدها العالم أجمع تحت "قانون أوسلو" الانتخابي أيضاً كتبنا وقلنا بعد "اتفاق مكة" أنه يتعين على "حماس" إذا كانت فعلاً ترغب في تحرير فلسطين وفي الوصول إلى تحرير القدس وإبقائها عاصمة فلسطين عليهم أن ينسحبوا من الحكم وأن يتركوا السلطة وأن يكشفوا حقيقة المتآمرين المندسين تحت عباءة "فتح" والسلطة، وأن ينشروا ما يملكونه من معلومات، ولكن لم يفعلوا لأنهم يريدون الكرسي والحكم برأينا، ولو أنهم فعلوا ذلك لما وصل الحال في فلسطين اليوم إلى ما هو عليه من ترسيخ لجماعة أوسلو أمريكياً وعربياً رسمياً، ولما تنطح عزام الأحمد وكرر قول "أن حماس صناعة صهيونية"!!.

وأخيراً تقديرنا بأن الأوضاع في لبنان وفلسطين ستبقى على وضعها التعيس المائل للخراب أكثر، بسبب أن إدارة الشر الصهيو-أمريكية برئاسة بوش الصغير بحاجة إلى الوقت الضائع وإبقاء هاتين الورقتين رهينة الجمود والفوضى ريثما تتضح الخيوط البيضاء والسوداء في العراق أولاً بعد الخسائر الكبيرة التي تلحق بقوى الاحتلال الصهيو-أمريكي- الإيراني، لأن بوش ما زال لم يفقد الأمل بـ"انتصاره" في العراق، ولكن المقاومة الوطنية والقومية العراقية ستلقنه المزيد من الدروس لأنه غبي كما تقول عنه والدته وكما نشر في العديد من الصحف الأمريكية، عندها ربما يعرف معنى ما قاله الرئيس الشهيد صدام "أن الأمريكان سينتحرون على أبواب بغداد" على الرغم من أن أمريكا تئن في العراق وتتلوى من المغص الكلوي والمعوي معاً، وثانياً إذا لم تحل إدارة بوش وصبيه المدلل (توني بلير) مندوب "الرباعية الدولية" الجديد الأوضاع بما يناسبهم ومخططات الصهاينة حتى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) حيث تبدأ معركة الانتخابات الرسمية للرئاسة الأمريكية عندها لن يكون بمقدور لا بوش ولا إدارته ولا بلير ولا الرباعية ولا تلك الهيئة الأممية التي يسمونها هيئة الأمم المتحدة قادرين على التدخل الفعلي لحل أي إشكالات لا في فلسطين ولا في لبنان، ولكن سيبقى اللاعب الأكبر هناك إيران وأنظمة الذل والهوان الناطقة بالعربية وجامعتهم، الذين سيحافظون على إدارة الأزمة في لبنان وفي فلسطين، لتقطيع الوقت.