المقاومة العراقية تطيح برامسفيلد

ياسر سعد

بدا الرئيس الأمريكي المتغطرس والمتعالي جورج بوش في موقف يقارب الانهيار والاعتراف بالهزيمة وهو يعلن على الملأ في مؤتمره الصحفي عن إقالته لوزير دفاعه المتعجرف والمغرور رامسفيلد بعد أيام من تصريح لبوش والذي أعلن فيه عن ثقته الكاملة برامسفيلد وعن تمسكه به وبغض النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية.

تلك النتائج والتي جاءت بمثابة صفعة حادة على وجه الرئيس الأمريكي وسياسته وعلى مجموعة المحافظين الجدد والذي تبنوا نظرية الحروب الاستباقية والتي أدت إلى كوارث بشرية كبيرة وخسائر إنسانية فادحة بالإضافة إلى توريط الولايات المتحدة في مستنقعات دامية ومهينة يبدو الخروج منها مع الاحتفاظ بماء الوجه أمرا صعبا وعسيرا.

بوش الذي استهل مؤتمره الصحفي بالتشديد على أنه سيتعاون مع زعيمة الديمقراطيين نانسي بولوزي - الذين فازوا بمجلس النواب بعد الانتخابات النصفية التي عرفتها البلاد -، دعا إلى تجاوز الخلافات غير أنه وجد نفسه في موقف مهين ومحرج للغاية وهو يرد على سؤال يتعلق بالكيفية التي سيقبل بها التعاون مع بولوزي التي وصفته بالكاذب والخطير، فما كان منه إلا التأكيد على أنه ينبغي التعاون لأنّ الشعب يريد ذلك، مشيراً إلى أنّ بولوزي أعربت له في اتصال هاتفي رغبتها في التعاون معه "وهذا ما أريده".

كانت بولوزي قد صرحت بعد الإعلان عن فوز "الديمقراطيون" بالحاجة إلى رحيل رامسفيلد وتغيير السياسة الأمريكية في العراق معتبرة أنه "لقد حان الوقت لحلّ المشكلة، وأن لا نبقى فصلا أخر في العراق". ومع أنها أكدت رغبتها بالعمل مع بوش كفريق إلا أنها في مؤتمرها الصحفي في (الكابيتول هول) أوضحت بأنّ العراق هو القضية الرئيسية، وأن بوش هو أكثر الناس الذي تحدّث عنها في الحملة الانتخابية، لكنه حصل على أقل الأصوات للحزب "الجمهوري" وتقول إن الولايات المتّحدة تحتاج للبدء بإعادة ترتيب سحب القوّات من العراق، محذّرة بأن الوضع الحالي هناك "هائل" (بمعنى خطير أكثر من جداً).

استجابة جورج بوش السريعة والخاطفة لمطلب نانسي بولوزي بإقصاء رامسفيلد قد تعقبها استجابة أخرى لمطلبها التالي بإعادة ترتيب سحب القوات من العراق بما يتماشى مع توقعات الكثيرون بقرب الهروب الأمريكي الكبير من العراق.

هزيمة بوش الساحقة وإقصاء رامسفيلد لم يتم على يد الناخب الأمريكي، بل تم الأمر بأكمله على يد المقاومة العراقية والتي غيرت مجرى الأحداث وصنعت ببطولاتها المميزة وصمودها الكبير هزيمة بوش وفي عقر داره. فلقد كانت معظم إن لم نقل جميع استطلاعات الرأي الأمريكية تشير إلى تأييد ساحق للرئيس بوش في غزوه واحتلاله للعراق في بداية الأمر والذي تخيله العسكريون الأمريكيون بمثابة نزهة خصوصا وأن الشعب العراقي قد أثقلته أوزار الحروب السابقة وخنقته العقوبات الاقتصادية الجائرة والحصار الظالم. أضف إلى ذلك الدور الاستخباراتي الصفيق لفرق تفتيش الأمم المتحدة والتي كشفت للولايات المتحدة عن خبايا الشأن العراقي وعرت خفاياه العسكرية وعوراته الأمنية.

من حق المقاومة العراقية أن تحتفل ببوادر الانتصار الكبير بإذن الله، هذه المقاومة والتي انطلقت بما يشبه الأسطورة وبشكل قياسي وصمدت أمام أضخم آلة عسكرية في التاريخ والتي تعاملت معها ومع الشأن العراقي بوحشية شديدة وقسوة بالغة.

من واجب العالم بأسره، بغربه وشرقه توجيه الشكر والتقدير لتلك المقاومة والتي استطاعت ببطولاتها البارعة وتضحياتها الجسام أن تلجم التوحش الأمريكي والذي تعامل مع العالم وقوانينه الدولية باستخفاف واستهتار. لقد كسرت تلك المقاومة عنجهية الرئيس بوش وزمرته المعبأة بالحقد على العرب والمسلمين وأنهت غطرسة وصفاقة رامسفيلد والذي كان يتعامل في مؤتمراته الصحفية وفي تصريحاته مع العالم بشكل عام بفوقية واستعلاء.

حين وصل بوش للحكم في ولايته الأولى معلنا وقبل أحداث سبتمبر عن استئناف تجارب الصواريخ البالستية, اعترض وزراء دفاع أوربة على الأمر فما كان من راسفيلد إلا أن سخر منهم ومن "القارة العجوز" التي ينتمون إليها.

وحين تحدثت تقارير إعلامية عن مصالحة وشيكة بين عراق ما قبل الاحتلال والكويت هزأ رامسفيلد من الأمر مشبها الكويت بالفأرة في علاقتها مع جارها العراق والذي مثله بالقط.

تصريحات ومواقف رامسفيلد والتي خلت من اللباقة والذوق في مجملها شكلت علامة بارزة في مسيرة الرجل ومجموعته من "المحافظين" والذين أرادوا أن يجعلوا من القرن الحادي والعشرين - حسب دراسة لهم - قرنا أمريكيا، تكون لأمريكا فيه كلمة الفصل واليد الطولى، لها قواعد عسكرية في كل أنحاء العالم، تحاسب الدول والحكومات على نواياها وبحسب القراءة الأمريكية وتشن الحروب الاستباقية ولتنشر ثقافة الصدمة والترويع!!.

انتصار المقاومة العراقية غير المباشر على إدارة جورج بوش وفي الأراضي الأمريكية، سيليه وبشكل تلقائي انتصاراً مباشراً على الأراضي العراقية وتحرير العراق من احتلال إجرامي دمر البلاد ونهبها وفتك بالعباد وأذلهم وأهانهم.

أمريكا ما قبل غزو العرق ليست أمريكا الآن، فأمريكا والتي كانت تنصب من نفسها قاضية على دول العالم في مسائل حقوق الإنسان وحريته موجهة التوبيخ للمنتهكين بزعمها والإشادة للملتزمين لم تعد تقنع أحد بعد (أبو غريب) و(القائم) و(حديثة) ومأساة (عبير) وغيرهم الكثير مما ستكشفه الأيام القادمة.

أمريكا انهزمت وبشكل كبير في الميدان الأخلاقي والمبدئي، هذه الهزيمة هي مقدمة منطقية للهزيمة العسكرية الأمريكية وفي غير جبهة وميدان.