عيد فطر... دام وحزين
ياسر سعد
يمر عيد الفطر السعيد على الأمة العربية المبتلاة في اغلبها بقيادات سياسية محنطة لا تملك من أمرها شيئا، حالها على الساحة الدولية لا يخرج عن إطار التابع والمتلقي للتوجيهات والأوامر فيما تتفرعن على المستوى المحلي لتخنق كل صوت معارض أو ناصح حيث لا صوت يعلو على صوت النفاق والتطبيل والدجل المثير لمشاعر متراكبة من الغثيان والاشمئزاز. يمر العيد فيما شلال الدم العراقي النازف يزداد غزارة يوما إثر آخر والقطر العراق والذي كان واحدا من نتاجات "اتفاقية سايكس بيكو" البائسة يتعرض هو الآخر للتمزيق والتشظي والنهب المبرمج والتدمير المخطط المستهدف إمكانياته الاقتصادية وقدراته البشرية وكوادره العلمية.
في حين يشتد الحصار على الشعب الفلسطيني عقوبة له على اختياره الديمقراطي وكأن المطلوب من الديمقراطيات على الطريق الأمريكية والغربية في بلادنا أن تفرز قيادات تجيد فن التفاوض على سيادة الأمة ومقدراتها بل وحتى على ثوابتها ومعتقداتها. الطابور الخامس الفلسطيني يقوم اليوم بمهمة غاية في الانحدار الأخلاقي، فمناضلي الأمس هم سماسرة اليوم الذين يضغطون ويناضلون من أجل أن تعترف الحكومة الفلسطينية بـ"إسرائيل" فيما حركاتهم وتحركاتهم تتناغم مع الإيقاعات الأمريكية و"الاسرئيلية" وتتجاوب معها. وكما الحال في الوضع العراقي فإن الحالة الفلسطينية بالكاد تلفت انتباه الأمة وقياداتها السياسية المشغولة إما بافتتاح المهرجانات الفنية أو بالإعداد لتوريث الحكم أو بتكديس الثروات والمنافسة على قوائم الأثرى عالميا من الأموال المنهوبة من مقدرات الشعوب وأقواتها.
فيما يشتد الحصار على السودان ويزداد سعار الحملة الأمريكية-البريطانية عليه في سيناريو شبيه بما جرى وحصل لعراق ما قبل الاحتلال دون الشعور بالحرج الأخلاقي أو بالعبء المبدئي من أكاذيبهم العراقية والنتائج الكارثية والنكبات الإنسانية التي أعقبت سياساتهم الإجرامية في ذلك البلد الجريح. الهجوم على السودان يأتي كحلقة في مسلسل متواصل يستهدف على ما يبدو تفكيك دول ودويلات المنطقة العربية والرجوع بها إلى العصر السياسي الحجري والذي تسود فيه ويعلو منطق العشيرة والتقسيمات الطائفية والمذهبية على مفهوم الدولة والوطن، الأمر المستهجن إن الدول العربية كمصر وغيرها والتي يشتد التضييق عليها لاستهدافها لاحقا - كما يرجح - تعيش في عالم أخر من الأوهام وتعاني أعراض غيبوبة سياسية وإقليمية قاتلة. أما الصومال حيث تحارب بعض المليشيات والقوى المحلية نيابة عن المصالح الأمريكية وبتمويل وتسليح وتخطيط مباشر من الأمريكيين، فقد أصبح سقوط العشرات والمئات من القتلى وتدمير ما بقي من مقومات الحياة البدائية وتحويل عيش ملايين الأبرياء إلى عناء مركب، أمرا اعتياديا لا يستحق التوقف عنده ولا يلفت الانتباه إليه.
تدمير لبنان وبنيته التحتية واعتراف "اسرائيل" وبصفاقة عجيبة باستخدامها قنابل فسفورية محرمة دوليا، يأتي هو الآخر ليضيف مأساة جديدة إلى سلسلة من الكوارث التي تحل ببلادنا تباعا لتصبغ أفراحنا وأعيادنا بلون نشأت عليه أجيال كاملة من القسوة والوحشية والهمجية والترهيب والتشريد. كل ذلك يترافق مع حملات إعلامية محمومة تتهم العرب والمسلمين بالإرهاب وتصمهم بأشنع الأوصاف وتحاصر الأيدي الخيرة والتي تستهدف إغاثة الأيتام والأرامل والمشردين من ضحايا الحملات والحروب الصليبية الجديدة.
وإذا كانت الكوارث في غير دولة عربية ناطقة وصارخة، فإنها في غالبية البقية الباقية من تلك الدول العربية صامتة، وان كانت مفجعة هي الأخرى. حيث تقبع الغالبية الكبرى من السكان في فقر مدقع ونقص حاد في الخدمات ومستلزمات الحياة الأساسية وخدماتها جراء الفساد السرطاني المستشري بأنظمة قمعية قائمة على ثقافة النفاق وتقديس الفرد وتمجيد فشله الذريع وتزيين سياساته الفاشلة والبائسة. غياب الحرية والحقوق الأساسية للمواطن وارتباط الوطن بالحاكم الملهم وبعائلته وحاشيته أدى إلى تدهور مكانة دولنا إلى درك القاع إن كان سياسيا أو اقتصاديا أو علميا.
عيد الفطر لم يعد في بلادنا سعيدا، بل غدا ككل مرافق الحياة ومقوماتها منهكا ومثقلا بالأحزان والهموم وتبعات هزائمنا المرة. غير أن هذا لا يجب أن يدفعنا إلى اليأس والقنوط، فالصمود الفلسطيني والمقاومة العراقية يمثلان ركنا أساسيا قد يؤدي إلى تحولات إيجابية تساهم في إسقاط المشروع الأمريكي في الهيمنة والقمع والبطش. إن دعم المقاومة الفلسطينية والعراقية ليس واجبا أخلاقيا ودينيا فحسب بل هو من مستلزمات الأساسية للحياة في حدها الأدنى من مقومات الوجود والكرامة، هذا إذا كانت ما زال لتلك المفردات وجودا في القاموس السياسي لأنظمة عربية ولقوافلها الإعلامية المجبولة على النفاق والتزييف.