أزمة ثقة بإيران

د. حسن طوالبة/كاتب وباحث أكاديمي من الأردن

أجمعت تحليلات الكتاب السياسيين العرب والأجانب إن الاجتماع الذي عقدته كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في القاهرة مع وزراء خارجية دول الخليج العربي ومصر والأردن، كان بمثابة حلف أرادته الولايات المتحدة ضد إيران وضد برنامجها النووي. في حين أن الوزراء العرب المعنيين في ذاك الاجتماع أجمعوا أن اللقاء مع رايس ناقش العديد من القضايا العالقة مثار الاهتمام الأمريكي، مثل الوضع في فلسطين والعراق وأهمية تهدئة الأوضاع المضطربة فيهما.

إن التصريحات العلنية للمسؤولين العرب تدعو إلى التهدئة مع إيران، وإشعارها بأنها بلد إسلامي يشكل عمقا للبلدان العربية الإسلامية، ولا تشير تلك التصريحات إلى الدور السلبي لإيران في العراق، إلا في وقت متأخر، ويقول البعض، إن الموقف الناقد للدور الإيراني في العراق جاء بفعل التحريض الأمريكي ولاسيما بعد بروز أزمة الملف النووي الايراني، وبعد اتضاح الدور الخطير الذي تلعبه ايران في العراق من خلال دعم الميليشيات الشيعية التي تدربت في ايران، وتشجيع فرق الموت لممارسة دورها في الانتقام من رموز النظام السابق وخاصة ضباط الجيش والطيارين على وجه الخصوص. وهذا الدور يعيدنا إلى بعض تصريحات رموز النظام الايراني السابق أثناء الحرب بين العراق وايران، حيث قال رافسنجاني الذي كان يشغل منصب رئيس ايران في 26/10/1983 انه حتى سقوط النظام الحاكم ببغداد، سوف تستمر الحرب وبالفعل فبعد أن توقفت الحرب في 8/8/1988 بهزيمة كبيرة للجيش الايراني، وتجرع خميني في حينه (كأس السم) حسب تعبيره، قامت ايران بحرب مكملة للحرب التي قادتها الولايات المتحدة عام ،1991 فما أن توقفت الحرب البرية في 28/2/1991 حتى دخلت القوات الايرانية تحت غطاء "قوات بدر" الأراضي العراقية من محافظات الجنوب، ودمرت البنى التحتية مثل مقرات الحزب والمستشفيات ودوائر الدولة المهمة في أربع عشرة محافظة، وقامت قوات البشمركة الكردية بالدور نفسه في محافظات الشمال. وقد قتلت القوات القادمة من ايران (عراقية موالية لايران وقوات الباسيج) مئات العراقيين وخاصة من البعثيين ورجال الشرطة والجيش وتم قبرهم في مقابر جماعية في الجنوب، تلك المقابر التي نسبت إلى النظام العراقي. وفي العدوان الأمريكي 2003 كان موقف ايران وتوجيهها للقوى العراقية المتواجدة على أراضيها عدم مقاومة قوات الغزو، بل تشجيها لـ"تحرير العراق" وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وبعد تحقيق هذه الأهداف، تتم مطالبة القوات الأمريكية بالانسحاب، ورغم مضي أكثر من ثلاث سنوات، فإن القوى المحسوبة على ايران، لم تطالب بانسحاب القوات الأمريكية المحتلة، بل تضع ايران هذه الورقة بيدها للمساومة عليها مع الإدارة الأمريكية.

الأقطار العربية التي اجتمعت في القاهرة وقفت جميعها إلى جانب العراق في حربه مع ايران، مادياً وسياسياً وإعلاميا، فدول الخليج قدمت الدعم المادي والسياسي والإعلامي للعراق، اعتقادا منها أن العراق يدافع عن دول الخليج في وقت كان الزعماء الايرانيون يوزعون التهديدات بكل الاتجاهات، وعلى سبيل المثال خاطب رافسنجاني في تصريح لصحيفة "الحوادث" اللبنانية بتاريخ 14/10/1983 زعماء دول الخليج بالقول "نقول لشيوخ الخليج الفارسي بأنكم لا تحتاجون إلى من يكون وصيا عليكم، فإن كانت الجمهورية الإسلامية هنا، تستصعبون العيش براحة وهدوء بال"!.

وصرح صادق روحاني بأن "البحرين ستظل جزءا لا يتجزأ من ايران، وهي المقطعة الرابعة عشرة منها"!، وصرح خميني أكثر من مرة بأن "العراق فارسي" وراهنت ايران على وجود مواطنين في دول الخليج ينتمون إلى الطائفة الشيعية التي تأتمر بأوامر آيات ايران، ويمكن تحريكهم متى شاءت ايران، وهؤلاء صاروا بمثابة قنابل موقوتة داخل مجتمعات الخليج، وزاد من أزمة الثقة بين دول الخليج وايران، إصرار ايران منذ عهد الشاه على تسمية الخليج بـ"الفارسي" الأمر الذي قاد دول الخليج العربي إلى تسمية تجمعهم بدول الخليج العربية، نسبة إلى الانتماء القومي، بعيدا عن الانتماء الجغرافي، وزاد من أزمة الثقة إصرار ايران على اعتبار الجزر العربية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى) التي احتلها الشاه عام 1971 جزرا ايرانية، وعدم قبول أية وساطة بينها وبين دولة الإمارات العربية حولها.

أما مصر في عهد أنور السادات، فقد أمدت العراق بقطع غيار للأسلحة الروسية وذخائر لها، في وقت امتنعت القيادة السوفيتية عن تزويد العراق بالأسلحة والذخائر ومن الاتفاقيات الموقعة بنيهما. وقد التزم العراق في حينه بكل بنود الاتفاقيات، وخاصة الحفاظ على أسرار الأسلحة الروسية، ففي ذاك الوقت عرضت الولايات المتحدة على العراق من خلال سماسرة الأسلحة أن تزوده بدبابة (ت 72) وطائرة (سوخوي) المتطورة.

ولكن القيادة العراقية آنذاك رفضت العرض رغم حاجتها للسلاح وقطع الغيار، وقد عوضت مصر في عهد السادات بعض النقص في الذخائر وقطع الغيار من خلال عروض البيع غير المباشرة، وفي ذاك الوقت كانت وسورية التي تملك سلاحا سوفيتيا، تقف إلى جانب ايران ضد العراق، وكان من غير المتوقع أن تزوده بما يحتاجه من السلاح والعتاد. أما الأردن فقد وقف وقفة صارمة وصادقة مع العراق، وقد تحمل الأردن والمرحوم الملك حسين تبعة ذالك الموقف، ولاسيما بعد أن شارك المرحوم حسين بإطلاق إطلاقة مدفع في الجبهة العراقية المواجهة لايران.

وعليه فالدول الثماني التي اجتمعت في القاهرة مع رايس، كان لها موقف واضح في الحرب العراقية- الايرانية (1980-1988)، وتلك المواقف من غير المؤكد أن الحكومة الايرانية يمكن أن تنساها أو تتجاوزها اليوم وغدا.

وإضافة إلى كل تراكمات الماضي القريب والبعيد فأن ايران شكلت حالة قلق للدول العربية، وما زلنا نتذكر قول الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب بأنه (كان يتمنى أن يكون بين العرب والفرس جبل من نار). فقد مارست ايران قديما دورا خطيرا على العرب وبلادهم، وكانت تصفي حساباتها مع الدولة العثمانية على حساب العرب وفوق أرضهم وخاصة العراق، وما زالت الذاكرة العربية حية، بالنسبة إلى المؤامرة التي حاكتها بريطانيا مع ايران عام 1924، لسلب لواء عربستان (الأحواز) وإلحاقه بايران، بعد أن تم خديعة الشيخ خزعل حاكم اللواء آنذاك. وما زال عرب الأحواز يعانون التمييز العنصري من القومية الفارسية الحاكمة، وبإلحاق عربستان إلى ايران، تمكنت من المشاركة في شط العرب، والسيطرة على آبار النفط فيه وخاصة في عبادان، ومنذ ذلك الوقت أطلقت ايران تسمية "الخليج الفارسي" على الخليج العربي، وبتواطؤ غربي بريطاني، تم اعتماد التسمية في منظمة "اليونسكو" وفي الخرائط الصادرة عن دوائر الأطالس والمعاجم.

وجاء الملف النووي الايراني، ليزيد من حدة الشكوك وحدة أزمة الثقة بين العرب وايران، فرغم التطمينات الايرانية من خلال زيارات المسؤولين الايرانيين لدول الخليج إلا أن الخوف من هذا البرنامج صار خوفا قابعا في النفوس والقلوب، وصار التفكير جادا في إنشاء برامج نووية في كل من السعودية ومصر، لإحداث "توازن في الرعب النووي"، والخوف العربي من الملف النووي الايراني آت من سلوك السلطات الايرانية في العراق، ويتضح أن ايران ما زالت تتصرف في العراق من عقلية العقد التاريخية وعقلية الانتقام من الشعب الذي وقف موحدا في الحرب مع ايران، وحقق انتصارا باهرا على دول تفوق العراق بثلاثة أضعاف مساحته وعدد سكانه.

ورغم ما يقال عن الأزمة بين ايران والولايات المتحدة، فإن أهداف البلدين تلتقي في العراق، فكلاهما عملا على إسقاط النظام في العراق، وتدمير الدولة العراقية وتدمير حضارته وثقافته، وعملا على إثارة الفتن الطائفية، تمهيدا لتقسيم البلاد إلى ثلاث دويلات صغيرة قياسا بايران، وهذا التقسيم هو مخطط صهيوني لتفتيت البلاد العربية ليسهل السيطرة عليها، فالسلوك الايراني البرغماتي في العراق ينسجم مع المخطط الأمريكي- الصهيوني التفتيتي.

هذا السلوك يزعج العرب وخاصة في الخليج العربي، ويثير مخاوفهم وشكوكهم في ايران وفي برنامجها النووي، صحيح أن من حق العرب، ولاسيما بعد الذي حدث في العراق، إذ ما زالت القوى العراقية الموالية لايران، تنفذ المخطط الأمريكي وغير مستعدة للمطالبة بانسحاب القوات الأمريكية بدليل أنها تصف المقاومة الوطنية العراقية بـ"الإرهاب" ولا تميز بين الإرهاب الحقيقي وبين المقاومة الشريفة.