الغرائز في خدمة السياسة

سوسن البرغوتي/محررة وناشرة موقع مبدعون عرب

هل يمكن أن نبرر الحروب وما تخلّفه من دمار ودماء، وإشاعة الرذيلة والفوضى، والقبول بها على أنها حرية فردية..؟

المصيبة الكبرى أن ما أصاب المجتمعات العالمية بهذا الداء محكوم بالغريزة من رأس الهرم حتى القاعدة، أمّا المثل الأخلاقية والأدبية والإنسانية فقد أصبحت استثناءات، وتعيش في دوائر العزلة والحيرة في صراع داخلي بين الانجراف إلى ذلك التيار المصبوغ بحب التملك والأنانية ولغة الجسد، والمصلحة الشخصية بما يفوق مصلحة بناء مجتمع سوي. وبين العض على النواجذ، وما أصبح وسط هذه البدائل المحدثة كجمر يقبض صاحبه عليه، مرضاة لضميره الإنساني الذي فطره الله عليه.

علينا أن نعترف بأن مجتمعاتنا العربية تأثّرت بهذه الهجمة لأنها الساحة الأكبر المستهدفة في حومة الصراع العالمي الدموي، وأصبحت من أكثر المجتمعات قبولاً واستعداداً للوقوع في تيار الريح البدائية، بسبب الفقر والجهل، والوضع الاقتصادي والأمني الضاغط على المواطن بشكل عام، وانتهاك حقوقه ومواطنته.

وقد تكون محاولات خلق مجتمعات جديدة على فرضية الحداثة قد شكلت معاني مشوهة للقيم الأخلاقية، وإقصاء إشغال الفكر بواقع الاحتلال العام وليس الخاص لفكر الإنسان، ولم يعد هناك ما يميز البشر عن باقي الكائنات.

وهذا بطبيعة الحال ليس من التحضر بشيء، بل لإلهاء الفرد بسلوك الانحراف وإضعافه بالأمراض الفتاكة جسدياً وفكرياً، حسب مصلحة النظام السياسي لكل دولة.

لقد أفزعني فعلاً عندما قرأت خبر انتشار وباء "الإيدز" في واحدة من الدول العربية، والتي تُعتبر دولة محافظة، لتصل نسبة الإصابات إلى المليون إصابة!. كما أن الدول العربية المتمسكة ظاهرياً بتعاليم الدين الحنيف، ليست بمنأى عن ما يحدث بالباطن من تداول المخدرات والشذوذ، وبيوت الدعارة المحمية برعاية منقطعة النظير من قبل الشخصيات الكبيرة، والفضائيات تبث ليل نهار أفلام الإثارة والدعارة العلنية.

وبعد تطور الاقتصاد الحرّ في مجتمعاتنا، فُتح المجال للرشاوي، وتصدرت المصلحة الشخصية على حساب الضمير المهني، واختلّ التوازن الأخلاقي الاجتماعي.

ولا يغيب بالطبع دور"الفضائحيات" العربية في تكريس إشاعة الغريزة لإثارة الشباب، ولا الدور الهدام لشركات إنتاج فنية، بتربية تدريجية نحو ما يسمى إباحة أجساد الفتيات العربيات من أجل متعة المشاهد، رغبة في زيادة عدد زوار القناة، ناهيك عن دور شبكة المعلوماتية العربية، وتعمد نشر الكثير من المواقع كنوادي للانحراف الأخلاقي لكلا الطرفين، دون تقديم الحلول، ومن أهم تلك الحلول تشجيع الزواج المنظّم والضابط للسلوك الإنساني بدعم مالي ومعنوي وتربوي للشباب، وتوعية الأسر إلى مراعاة عدم الغلو بالمهور والطلبات، مما يؤدي إلى عزوف الشباب عن الزواج، ويصبح أكثر أفراد المجتمع تعرضاً للسقوط في متاهات العلاقات المشبوهة.

لقد بات الحديث عن "أسرار البيوت" مشاعاً، ومجالاً لتناول قضية بيع القاصرات، على أنها قضية يجب أن تُثار إعلامياً في إحدى القنوات العربية، في حين أن تلك البرامج على نسق وتقليد "أوبرا" تغفل العامل المسبب للدعارة، وهو دور الدولة في إيجاد فرص للعمل، واحتضان المشردين وأطفال الشوارع من الجنسين.

يأتي دور رجال الدين الغائب في ضبط ومكافحة الرذيلة، كجريمة لا يمكن التغافل عنها، لأنها ستقود الجيل الصاعد إلى الانحلال والضياع، والمجتمع إلى الانهيار، خاصة ولا بديل علمي متطور، لتلافي العوامل المسببة لغرق السفينة بنا جميعاً، بحجة أن هذا ليس من اختصاص هذه الجهة أو تلك، وهذا ليس صحيحاً، فكل الشرائع السماوية جاءت لتخلص الإنسان من شرور الغرائز، وتسمو به إلى تحقيق توازن بين العقل والجسد.

لم تكن تلك الغرائز غائبة، وليست ظاهرة مستحدثة، ولكن بغياب تمسكنا بالعادات العربية وتقاليدها الحميدة، وبسبب التفكك الأسري، والفهم الخطأ للحرية والتحرر، يصبح دون أي رادع أخلاقي مسألة عبثية، ودون منهج مدروس للتعامل وفق مبادئ إنسانية، يجعل من التطور الحضاري وسيلة لتحقيق الاتزان والتوازن.

ما يعنينا هو حالنا في الوطن العربي الذي ننتمي إليه، فمما لا شك فيه أن مجتمعاتنا تأثّرت بشكل سلبي من التركيز الإعلامي على الغرائز، وأصبحت كوسيلة للربح السهل على حساب استلاب الوطن منا دون أن ندري، ولا شك أن الخيانة كمفهوم تجاري في جدول الرذيلة، فالمروّج للغة الغرائز مجرّدة من أي قيمة أخلاقية تربوية كمن يمارسها، ويساهم في ضياع وانحلال أفراد المجتمع.

حرية الرأي والتصرف لا تبرر السلوك الخطأ، وإذا فقدنا الانضباط الأخلاقي يصبح الأمل في إنقاذ السفينة المقبلة على الغرق أمراً مستحيلاً.

وإذا اختفت الذمم في مراعاة أن المرأة ليست نديمة أو محرضة للإثارة، بل هي شريك مع الرجل، فليدرك الجميع أن المرأة ليست متاعاً بل هي الأم والأخت والزوجة، وعلى كل فرد أن يضع في حسبانه أن ما يعني غيره يعنيه أيضاً.

الحكيم من يتّعظ بأخطاء غيره، فلنتّعظ باستذكار إمبراطوريات كانت واندثرت بسبب ما نتحدث عنه، فإذا لم يكن الرادع دينياً، فليكن أخلاقياً ومسؤولية وطنية.

فما نفع أجهزة الشرطة ووزارة الإعلام ورجال الدين إذا أصبحت تلك الأوبئة هي السائدة، وتتراكم في عقول أولادنا، ليصبح المجتمع والدولة على حد سواء تحت احتلال أبدي للغة غرائزية؟.

هل نقول هي سياسة منهجية لتفقير وتجهيل واستلاب حقوق الشعوب لصالح القوى الأكبر وبدعم ومساعدة من بعض القادة المنحرفين؟..

وهل يمكن أن نفصل بين الشرف والأخلاق والقيم المثلى وبين أحقية الانتماء إلى وطن حر متحرر من كل سطوة غريبة،أم ترانا نعود عقوداً لنقول بأن "الغاية تبرر أي وسيلة"، والعودة إلى البدائية الغرائزية!؟..