ياسر عرفات.. تشتاق إليك فلسطين

سليمان نزال

لم تتكسر اللغة السياسية الفلسطينية، قدرة على التشخيص، جراءة في البوح و التحديد، كما تكسرت وتشظت بداية من 11-11-204 تاريخ استشهاد رمز الكينونة الفلسطينية، "مالىء الدنيا و شاغل الناس" الزعيم التاريخي الكبير"ياسر عرفات".

كأنما السم الذي وصل إلى جسده - عن طريق المحتل المجرم وأعوانه – أخذ يسري في جسد الثوابت الوطنية الفلسطينية، وبدأ يأخذ طريقة إلى الخطاب السياسي الفصائلي والسلطوي، فانعكسَ ذلك في الانتخابات الفلسطينية ونتائجها.. وما أعقبها من صراعات دموية داخلية، خاصة، بين حركتي "فتح" و"حماس" يُضاف إلى هذا التمزق والتيه، جرائم ومجازر الاحتلال الصهيوني وربما آخرها المجزرة الوحشية في "بيت حانون"، تلك المعبر عنها "كخطأ فني" نتمنى أن يصدره أبطال ونسور المقاومة، على دفعات ورشقات ضد القتلة من جنود الصهاينة.

بعد رحيل "أبو عمار" قيل الكثير عن غياب المؤسسات، لكن الراحل الشهيد كان حقا مؤسسة كبيرة بذاته وقدراته على إرضاء الجميع، منطلقا من معرفة دقيقة بالواقع الفلسطيني وبخريطة التجاذبات والتموضعات، عشائريا ومناطقيا وفصائليا.. وإن كانت هذه الحالة لا تلبي الطموحات، ولا تستجيب مع ضرورات تشكيل مؤسسات فاعلة وجمعية وحديثة وقوية، فما هي المؤسسات التي بناها من أتوا بعده في السلطة السلطة؟

***

اليوم، تمر الذكرى السنوية الثانية لرحيلك، وتتفتح زهور الذكرى في نشيد المواجع، يحتفل بك "شعب الجبارين" وتعقد المقارنات على حرقة في ما يشاهد شعبك من ويلات ومذابح وحصار طويل..

كم كنت كبيراَ في العطاء والرؤيا، مسيرة نضالية قاسية، انتهت بأن وضعتَ فلسطين الحبيبة على الخريطة السياسة الدولية، رغم كل مساوىء "أوسلو" وكأنما الخطأ الذي لا نتجاوزه، أراده الآخرون أن يبقى جاثما على صدورنا في مفاسد.. فإذا بالبعض ينجح في "كسر رؤوسنا" دون أن يفلح في كسر الحصار..

نحتفلُ بكَ شهيدا شهيدا، ونحن نراجع أيامنا الفلسطينية العربية في صرخات.. ونقول: ظلمناك، ولم نسكت عن ثغرات في عهدك، ولا نسكت عنها في عهود أخرى؟

سنحيي ذكراك العطرة بكل الحب والوفاء، وأنت الجذر البهي الذي تشابك مع تربة انتسابه الوطني والقومي، دون أن يتخلى عن سنديان الثوابت الوطنية.

ذكراك باقية، وشعبك لا ينسى من حملَ تضاريس الجراح والملاحم والبطولات والتناقضات والنواقص وقال: من هنا تبدأ فلسطين، فليتسع هذا الحلم، فمن يتصدى لتكبير صورة البلاد، لتشمل الهضاب والجبال والمياه والحدود والقدس الشريف والممتلكات السليبة؟

***

يا أبا عمار، ما زلت مع شعبك، تقود المسيرة بالرجال الرجال الذين لم تلوثهم المصالح ولم تسرقهم غواية الفساد، فيبدلون البلاد بما حوت جيوبهم وخزائنهم من أموال عامة مسروقة.

ما زلت تنقل المعاني الجليلة، من جذع زيتونة حتى تفاصيل العناد والثبات العربي الفلسطيني. أيها الرمز العربي الفلسطيني الكبير.. ما زلنا نحبك: رغم كل العوسج الانتهازي الذي كان يحيط بك.. رغم العثرات..

لقد استطالَ وانتشرَ العوسج حتى صار مدرسة شهيرة للفساد يتخرج منها كل زنيم لئيم، يبيع كل قضية شعبه بقطعة من تنك!

تمر ذكرى غيابك وأنت تمتد في الحضور، آفاقا، أعماقا.. فيذكرك رفاق و أخوة الطريق، يذكرك بكل الود، من اتفق معك ومن اختلف مع سياساتك.

كم تشتاق فلسطين لرجل في مثلك مزاياك وخصالك.. كم تشتاق فلسطين لقيادة حكيمة شجاعة.