(توصيات بيكر) ومأزق بوش القاتل في العراق

بقلم: محمود القصاب/البحرين

هذه الأيام يدور الكثير من التكهنات وتعج الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى بالعديد من التحليلات والتنبؤات حول ما تسرب من (توصيات) أو (الخيارات) التي ستقدمها "مجموعة دراسة العراق"، وهي لجنة أمريكية تتمتع بصلاحيات واسعة، شكلها الكونجرس الأمريكي لتقديم "بدائل للسياسة الأمريكية في العراق"، وتصفها بعض الدوائر السياسية والإعلامية بأنها يمكن أن تشكل صفعة جديدة لسياسة (بوش) وزمرته في العراق، وهي السياسة التي يجري تلخيصها بأنها سياسة (العناد والمكابرة) وسياسة (الإصرار رغم الفشل).

ويرأس هذه اللجنة وزير الخارجية الأمريكية الأسبق (جيمس بيكر) المقرب جداً من بوش، ويتمتع بمكانة سياسية كبيرة بحيث لا يمكن تجاهل رأيه، كما تضم هذه اللجنة أيضاً عدداً من أعضاء الكونجرس من (الجمهوريين والديمقراطيين)، وقد شكلت بعد أن وجد بوش نفسه محاصراً في العراق، وبعد أن انعدمت أمامه كل الخيارات، وصارت هزيمته حقيقة شاخصة بعد أن استطاعت المقاومة العراقية إحكام الطوق حول قواته المحتلة، ولم يعد هناك من ينكر هذه الحقيقة سوى هذا "الرئيس المكابر" وعصابة المحافظين من الصهاينة في إدارته من الذين ورطوه ودفعوا به إلى مستنقع العراق القاتل، والذي لا يدري كيف السبيل للخروج منه. لذا جاء تشكيل هذه اللجنة على أمل أن تمد له (حبل النجاة) أو ترسم له (طريق الهروب) قبل أن يقترب سيف المقاومة من عنقه ليطيح بها، ويعيد للولايات المتحدة (كابوس فيتنام) وصور الهروب من أسطح المنازل، والرئيس بوش هو فعلاً يعيش هذا الهاجس منذ فترة ليست بالقصيرة، ويبدو ذلك جلياً على تقاطيع وجهه وطريقة إلقائه خطاباته التي تتسم بالعصبية والتكرار الممل والفارغة من أي مضمون، حتى صارت هذه الخطابات موضع تهكم وسخرية الكثير من المحللين والمتابعين في داخل أمريكا وخارجها، وهو يعيد الاسطوانة المشروخة ذاتها عن "الإرهاب" والانتصار عليه، وعن "إكمال المهمة في العراق"، وقد أقر بوش قبل أيام بوجود تشابه بين الحرب في العراق والحرب في فيتنام.

المهم أن ما تسرب من (توصيات بيكر) إلى أجهزة الإعلام تتحدث عن ثلاثة خيارات، الخيار الأول هو خيار الهروب العاجل والاعتراف بالهزيمة، والثاني هو ما أطلق عليه خيار (الانسحاب والاحتواء) أي الانسحاب على مراحل والتمركز في قواعد قريبة من العراق، أما الخيار الثالث فهو (خيار الاستقرار) والذي يتحدث عن إشراك إيران وسوريا في ضبط وتأمين الأوضاع في العراق.

ونحن هنا لا نريد أن ندخل في مسألة تحليل كل هذه الخيارات المطروحة، كما لا نريد البحث في جدواها أو مدى قدرتها على إنقاذ بوش وقوات الاحتلال من مأزق العراق خاصة أن بعض الأوساط السياسية والإعلامية ترى في أن هذه التسريبات وفي هذا الوقت بالذات لم تكن مصادفة، بل إنها عملية (مقصودة وبمثابة بالونات اختبار) ورسائل موجهة إلى أكثر من طرف داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها.

فهذه (التوصيات) تخاطب أولاً الداخل الأمريكي، خاصة أن أمريكا على أبواب الانتخابات النصفية للكونجرس في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر، وأن الإدارة الأمريكية تسعى إلى امتصاص غضب واستياء الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يتذمر ويتحول في موقفه نتيجة سياسات حكومته في العراق، وأصبحت الأصوات المطالبة بالانسحاب في تزايد مستمر، وقد كشف آخر استفتاء بأن أكثر من 65% من الأمريكان يعتقدون خسارة أمريكا للحرب في العراق.

لذلك، فإن إدارة بوش تريد أن تقول عبر هذه (التوصيات) إنها جادة وعازمة على إجراء تغيرات أساسية في سياساتها في العراق، وهي سياسة كارثية بكل معنى الكلمة، لم تنفع معها كل العناوين الكاذبة والشعارات الزائفة حول الديمقراطية في إخفاء الصورة المأساوية التي خلفها المحتل وعملاؤه في وضع العراق وانعكاس ذلك على سمعة وهيبة الولايات المتحدة، ويبدو أيضاً أن (الحزب الجمهوري) نفسه لا يريد أن يرث إرث بوش المثقل بالفشل والهزائم، وهو يرى سمعة هذا (الرئيس) تصل إلى الدرك الأسفل. من جهة ثانية هذه (التوصيات المسربة) قد تكون رسالة موجهة إلى دول وحكومات المنطقة، خاصة الدول العربية الحليفة والصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، والتي هي في الواقع في حالة غياب كلي بالنسبة إلى الوضع العراقي وهي تتفرج على المأساة العراقية من دون أن تستطيع أن تحرك ساكنا أو تسكن متحركا، بل إن الأقطار العربية في وضع لا تحسد عليه من العجز والضعف وانحسار دورها في العراق، في الوقت الذي ترى أن هذا البلد ينزلق نحو قاع التفكك والتمزق، وترى غيرها من الأطراف الإقليمية خاصة إيران تلعب دوراً تخريبياً يخدم أمنها ومصالحها عبر أجهزة مخابراتها المنتشرة هناك، ومن خلال القوى الموالية لها الحاكمة والمتحكمة اليوم في الوضع العراقي.

من جهة ثالثة هناك من يرى أن هذه الأجزاء المسربة من (تقرير بيكر) هي رسالة موجهة إلى عملاء أمريكا داخل العراق على مختلف أشكالهم ومستوياتهم، ولكن هي بشكل خاص وعاجل رسالة إلى (حكومة المالكي)، هذه الحكومة التي صارت عنواناً للخيبة والفشل، وباتت مفرخة للنكسات والإخفاقات. جاءت جميعها وبالاً على إدارة بوش وقواته المحتلة، وهو ما دفع هذه الإدارة إلى إرسال إشارات تحذيرية إلى هذا العميل الصغير الذي يتآمر ويشارك الأمريكان في قتل أقرب حلفائه من جماعة الصدر لكسب رضا المحتل عنه، والذي تكشفت كل أوراقه واتضح حجم ضعفه وخوائه رغم تظاهره بالقوة والمقدرة على السيطرة، ومحاولاته الدائمة الاحتماء أو الاستقواء بالمراجع الدينية لإخفاء عجزه وفشله، لذلك ليس من باب المصادفة أن تتحدث بعض الصحف الأمريكية عن عزم إدارة بوش تحديد جدول زمني (لحكومة المالكي) وبالتزامن مع تسريب (توصيات بيكر) المزعومة.

وبالرجوع إلى الخيارات الثلاثة التي يجري الحديث عنها في (تقرير بيكر) المنتظر، هناك في الواقع خيار آخر يقال أن فريق المجموعة يدرسه أيضاً بعناية ولا يستبعد تقديمه كمقترح نهائي للخروج من العراق، وهو خيار (تقسيم العراق) والذي قد ترى فيه اللجنة مخرجاً مناسباً لخروج القوات الأمريكية بأقل الخسائر. وبالرغم من أن الإعلام لا يركز كثيراً ولا يبرز هذا السيناريو عند الحديث عن (خيارات بيكر)، فإن الحقيقة تقول وكل الشواهد تُؤكد أن هذا الخيار هو الهدف الواضح الذي بدأت قوات الاحتلال في تنفيذه على الأرض منذ اليوم الأول للعدوان والغزو، باعتباره يمثل هدفاً رئيسياً واستراتيجياً للإدارة الأمريكية - وأن كل ما قام ويقوم به المحتل من ممارسات إجرامية وما ينفذه من قرارات بصورة مباشرة أو عن طريق عملائه من القوى السياسية الطائفية والانفصالية - كل ذلك يصب في خدمة هدف التقسيم على أسس مذهبية وعرقية، ولعل آخر هذه القرارات الإجرامية والذي لا يمكن أن يكون مصادفة من حيث توقيته - هو الاستعجال المفضوح الذي جرى فيه إقرار ما يسمى بـ(قانون الفيدرالية) وارتفاع حدة الصراخ المسعور حول هذه المسألة من قبل القوى العميلة الموالية لإيران في (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) وميليشيات (منظمة بدر)، إضافة إلى القوى الكردية الانفصالية والتي هي في الواقع ماضية في إجراءات ومخططات (فصل شمال العراق) تحت حراسة حراب قوات الاحتلال واستشارة قوى (الموساد) الصهيونية التي تسرح وتمرح في هذا الجزء من العراق.

ونحن في الحقيقة لا تداخلنا أي أوهام حول نيات الاحتلال ولا تنتابنا أي شكوك بأن (خيار التقسيم) هذا الذي سيوصي به (بيكر) يمثل خياراً نهائياً ومفصلياً في سياسة زمرة المحافظين الصهاينة في إدارة واشنطن، وهو هدف ينسجم مع نظريتها المعروفة بـ(الفوضى الخلاقة) في إعادة رسم الخرائط الجغرافية والسياسية لدول المنطقة، والتي تقوم على تصعيد الخلافات والصراعات المذهبية والعرقية بين مكونات المجتمع، والمضي قدماً في تعميق وترسيخ هذه الصراعات بكل الوسائل والسبل وصولاً إلى حالة الاقتتال الطائفي والانعزال، واستحالة التعايش بين الطوائف والأعراق، وبذلك تخلق الأرضية العملية والنفسية لقبول التقسيم كخيار وحيد للخروج من دوامة العنف والقتل والتصفيات المتبادلة كما يجري اليوم على أرض العراق.

لذلك فإن الذين يتحدثون أو يعتقدون بأن ما يحصل في العراق هو مجرد أخطاء ترتكبها قوات الاحتلال هم في الحقيقة إما أغبياء وسذج وإما هم شركاء في هذه الجرائم، فالإدارة الأمريكية الحالية تعتبر التقسيم كما قلنا هدفاً استراتيجياً لأنه يمزق دولة عربية كبرى وأساسية في معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني، كما أن مصالحها النفطية مضمونة أكثر من خلال تقسيم العراق، وبذلك هي تحقق أهداف عدوانها وحربها على العراق، وهما النفط وأمن الكيان الصهيوني.

وفي كل الأحوال، أياً تكن الأهداف التي تتوخاها (لجنة بيكر)، الخفي منها والمعلن، وأياً كانت الجهات أو الأطراف المستهدفة بهذه التوصيات، وسواء كانت الإدارة الأمريكية راغبة فعلاً في إحداث تغيير في سياساتها في العراق أو أنها كاذبة كعادتها دائماً في اللجوء إلى أساليب الخداع والمناورات، إنه من المؤكد أننا سوف لن نرى من التقرير سوى ما تسمح به أجهزة المخابرات الأمريكية، والشيء الآخر المؤكد هو أن أي خطوة سوف تقدم عليها الإدارة الأمريكية سوف تأتي في سياق تحرك أكبر للاحتلال الذي يحاول (شراء الوقت) والبحث عن ثغرة تنقذه من محنته المدمرة في العراق، كما أنه سيحاول عبر أدواته الإعلامية المعروفة تهيئة الأرضية لسياساته المحتملة، وكذلك تمرير أكاذيبه المتواصلة عن طريق إرساله إشارة هنا وإشارة هناك، فهو تارة يطلق إشاعاته حول (إجراء مفاوضات مع بعض أطراف المقاومة المسلحة)، وتارة يرسل (بالونات اختبار) حول عزمه تخفيض قواته وتسليم مسؤولية حفظ الأمن إلى قوات الحكومة العميلة التي يعرف عجزها وفشلها التام، وتارة ثالثة يعطي الضوء الأخضر لنشر بعض التقارير والتصريحات التي توصي بعزم الإدارة الأمريكية بإعادة النظر في سياساته الحالية كما هو حاصل مع زوبعة (تقرير بيكر).

ما يهم في كل هذه المناورات والمحاولات اليائسة التي أصبحت معروفة، ويلجأ إليها الاحتلال الأمريكي بين الحين والآخر، هو أنها سوف لن تكون قادرة على إنقاذ بوش وإدارته وقواته في العراق من المصير الذي خطته المقاومة، وهو الفشل والهزيمة المنكرة، فقد أثبتت الأحداث والوقائع على الأرض طوال ما يزيد على ثلاثة أعوام من عمر الاحتلال، إن المقاومة العراقية المسلحة هي (الرقم الصعب) والحاسم في الصراع الجاري على أرض العراق وأنها (المقاومة) قد استطاعت إفشال كل أساليبه ومناوراته العسكرية والسياسية، واستطاعت أن تسقط كل مخططاته الإجرامية، وقد باتت اليوم قريبة جداً من حسم المعركة لصالحها والقبض على ناصية النصر المعقود لها بإذن الله تعالى وبسواعد أبطالها المقاتلين، فالمقاومة العراقية الباسلة التي اجتازت كل المحن والصعاب عبر التمسك بالبندقية كخيار وحيد في مواجهة الاحتلال تدرك جيداً أبعاد ومرامي ما يُروِج له المحتل من أكاذيب، كما أنها واعية جداً لكل محاولات وتلفيقات هذا العدو الذي يريد التغطية على انتصارات المقاومة وهزائم قوات الاحتلال.

لذا، فأنه في سياق هذا التحليل للوضع العراقي وما يفرزه من تداعيات، وفي ضوء فهمنا لموقف كل الأطراف اللاعبة على الساحة، فإن التقييم الموضوعي (لتقرير بيكر) ودوافعه، وكذلك لغيره من الخطوات المتمثلة في عقد لقاء في هذه الدولة أو (مؤتمر) في تلك، فإن عمل ذلك في الحقيقة يأتي بالتزامن مع اشتداد طوق المقاومة حول عنق الاحتلال، كما تقدم مؤشرات قوية على أن الإدارة الأمريكية تستعد للهروب من العراق على ما يبدو في نهاية هذا العام أو العام القادم على أبعد تقدير، ويوجد الكثير من الدلائل والبراهين التي تدعم هذا الرأي، وفي المقدمة منها الاعترافات المتتابعة والمقصودة التي تصدر عن أركان الإدارة الأمريكية نفسها، وكذلك ما يصدر عن بعض الخبراء والمسئولين الحاليين والسابقين والقادة العسكريين، والتي جميعها التصريحات تتركز حول سبل البحث عن مخرج من العراق، وتزايد القلق من الخسائر البشرية والمادية التي تتصاعد أرقامها يوماً بعد آخر، وكما هو معروف فقد كان شهر أكتوبر من أكثر الأشهر دموية بالنسبة إلى جيش الاحتلال من حيث حجم القتلى.

ويمكن هنا أيضاً أن نورد عدداً من التصريحات والتقارير الصادرة من عدة جهات وجميعها تمثل عامل ضغط إضافيا على إدارة بوش للانسحاب من العراق، وقد أسهمت في إرباك قوات الاحتلال، وجعلت خياراتها في العراق محدودة جداً. من ذلك على سبيل المثال ما أورده الصحفي الشهير (بوب وود وارد) في كتابه (حالة إنكار) الذي فضح فيه أكاذيب بوش وإدارته، وبأن أركان هذه الإدارة قد ضللوا الشعب الأمريكي والكونجرس بشأن الحرب واستمرارها، وكذلك ما نقله عن قائد قوات الأطلسي بأن حرب العراق هي هزيمة كاملة للجيش الأمريكي، وأن الانسحاب بات مسألة وقت ليس أكثر.

وهناك أيضاً تقرير (الاستخبارات الوطني) والذي يضم معلومات 16 جهاز استخبارات أمريكيا، أكد أن المجاهدين والمقاتلين في العراق زادوا عدداً وانتشاراً جغرافيا، وهو ما يناقض إدعاءات بوش المستمرة حول حربه وهزيمته لما يسميه بالإرهاب، إضافة إلى هذا وذاك تقرير الأمم المتحدة الذي كتبه (خبراء في الإرهاب) ذهبوا إلى العراق وعادوا وقالوا: "إن حرب العراق توفر للقاعدة مركز تدريب ومتطوعين جددا، في الوقت الذي يواصل فيه (بوش) تصريحاته الفارغة حول كسب الحرب"؟ وأن "أمريكا أصبحت أكثر أمناً". وفي هذا السياق لا يمكن تجاهل حملة الغضب والاستياء التي يطلقها عدد من الجنرالات الأمريكان على وزير الدفاع رامسفيلد وتطالب بعزله بسبب فشله، كما يجب ألا نقلل من أهمية تصريحات قائد الجيش البريطاني (رتشارد وانات) الحليف والشريك الأكبر للاحتلال الأمريكي والتي طالب فيها بسحب القوات البريطانية في أسرع وقت، وقوله بأن وجود هذه القوات يؤدي إلى تفاقم المشاكل الأمنية في العراق وفي العالم.

ويأتي قبل كل ذلك عامل أساسي وحاسم في إجبار المحتل على التعجيل بالهروب كما أوردنا وهو العمليات العسكرية النوعية للمقاومة، والتي كان آخرها تفجير مخازن العتاد الذي تعرضت له (قاعدة سكانيا) الأمريكية قرب مدينة الدورة في بغداد، والذي يعد ثاني أكبر عملية نوعية تتعرض لها قوات الاحتلال بعد تفجير (قاعدة الغزلاني) في الموصل في منتصف عام 2004م، عندما انهمرت صواريخ المقاومة على القاعدة وأصابت المطعم الذي يتناول فيه الجنود الأمريكان غذاءهم فيه، وأدى إلى قتل ما يزيد على 130 عسكرياً أمريكياً، ناهيك عما تتعرض له القواعد الأمريكية الأخرى من هجمات يومية ويتعمد المحتل إخفاء خسائره فيها. ويقترن هذا التصاعد في أعمال المقاومة مع انتفاضة شعبية سياسية صارت رديفاً ومسانداً للمقاومة، وتتمثل في قيام العديد من القوى السياسية الوطنية وقادة العشائر وعلماء الدين بالتحرك، وتجديد التأييد للرئيس صدام حسين والمطالبة بإطلاق سراحه، لأنه الرئيس الشرعي للعراق، ولأنه يمثل الأمل الأكبر في عودة الأمن والاستقرار إلى العراق.

إن جميع هذه المؤشرات التي أوردناها وهي وقائع لا تقبل الشك لا تترك أمام الإدارة الأمريكية سوى الاعتراف بالهزيمة والشروع في ترتيب خطوات انسحابها من العراق الذي بات مسألة وقت على رأي (بوب وودوارد). ولكن علينا في مقابل ذلك أن ندرك أن إدارة بوش وقواتها المحتلة لن تترك العراق (دون ثمن) لذلك هي تريد وتعمل على أن يكون انسحابها من هذا البلد (ملغوما)، بمعنى أن الانسحاب أصبح أمراً حتمياً، ولكنها لا تريد قبل ذلك إلحاق أكبر الأذى والضرر بالعراق وبالشعب العراقي الذي خذلها ولم يستقبلها بالورود كما خدعها عملاؤها بذلك. كما أنها تريد أن تسحب البساط من تحت أقدام المقاومة وتحويل «نصرها« إلى هزيمة أو نكسة، لذلك نحن والعالم كله يشاهد ما يحصل اليوم على أرض العراق من فوضى واقتتال طائفي، وتكرار مناظر وأخبار الجثث المجهولة، وتزايد الأعمال الإجرامية التي تستهدف المدنيين الأبرياء في الأسواق والمدارس والمساجد والمآتم، وإطلاق يد (ميليشيات الموت) التي تنشر القتل والدمار في أنحاء العراق، وإتباع سياسة حرق الأخضر واليابس، وفوق هذا وذاك التظاهر بالعجز أمام القوى الإرهابية والتكفيرية وما تقوم به من جرائم قتل وترويع الناس الآمنين.

ولإتمام هذا المخطط الإجرامي من قبل المحتل يتم الإيعاز إلى القوى العميلة والخائبة بسرعة التحرك وتنفيذ مشاريعها التقسيمية التي تزيد نار الفتنة الطائفية اشتعالاً، مثل (مشاريع الفيدرالية) وإثارة مسألة العلم العراقي، والتهديد بالانفصال من قبل القوى الكردية العميلة.

في كل الأحوال إن هذه الممارسات التي يقوم بها الاحتلال الأمريكي وعملاؤه هي من دون أدنى شك آخر الأوراق التي يلجأ إليها عادة كل محتل لتأخير إعلان هزيمته، ومحاولة سرقة نصر المقاومة، خاصة عندما تنجح هذه المقاومة في وضع المحتل المغرور والمتغطرس، وكل ما يملكه من قوة في وضع حرج، وتكشف ضعفه وفشله في مواجهة المقاومة، ويزداد مأزق الاحتلال عمقاً عندما يرى العالم كيف تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وتستجدي التفاوض مع المقاومة، وأنها تبحث عمن يمد لها حبل النجاة وإخراجها من الورطة العراقية، حتى إن كابر (بوش) واستمر في إطلاق خطبه وتصريحاته المسرحية حول "إكمال المهمة" وتقدم قواته ونجاحها في العراق كما يزعم.

ترى هل تقدم (توصيات بيكر) طوق النجاة إلى الرئيس بوش وعصابته في البيت الأبيض؟ رغم أن هذه الإدارة تعرف جيداً أن الصراع في العراق قد حسم استراتيجياً وعسكرياً وسياسياً لصالح شعب العراق ومقاومته المسلحة الباسلة، وإن احتلالها للعراق قد وصل إلى مأزقه القاتل، وأن مهلة الشهرين التي منحها سفير الاحتلال في العراق (خليل زاده) إلى حكومة العميل المالكي قد شارفت فعلاً على الانتهاء، لأنها مرتبطة على ما يبدو بالوقت الذي سيطلق فيه (بيكر) تقريره بعد انتخابات الكونجرس الأمريكي في بداية شهر نوفمبر 2006م. وفي هذا الصدد تتحدث تقارير صحفية جديدة (صحيفة نيويورك) عن خطة سوف تقدمها الإدارة الأمريكية إلى حكومة المالكي تحدد له فيها جدولاً زمنياً ، قبل نفاد صبر بوش وإدارته كما صرح في المؤتمر الصحفي الأخير في واشنطن وقبل أن تحين ساعة الهروب الكبير، ويبدأ العد التنازلي لإعلان الهزيمة الكبرى، ويبدأ حينها التاريخ بكتابة آخر فصول المأساة العراقية التي خلفها الاحتلال الأمريكي وعملاؤه، وسيرى العالم كيف استطاعت المقاومة العراقية البطلة إفشال مخططات المحتل الأمريكي الصهيوني وأذنابه الذين أرادوا تدمير العراق شعباً وهوية، وكيف حولت المقاومة أرض العراق الطاهرة إلى مقبرة لأحلام كل الغزاة الطامعين القادمين من الغرب والشرق على حد سواء، وأن تدفع بالقوة والغطرسة الأمريكية إلى قاع الحضيض.