الاستهانـة مكلفة!
نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين المحتلة يقيم في الأردن
حين يعلن الرئيس جورج بوش معارضته تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات فمعنى ذلك أنه يستشعر النية في إحداث هذه الكارثة. وحين يعلن ما يسمى "مجلس شورى المجاهدين" قيام أو "إنشاء دولة العراق الإسلامية" في محافظات عراقية بعينها (بغداد والأنبار وكركوك ونينوى وديالى وأجزاء من بابل وواسط) فأن هذا الإعلان يجب أن يقابل بكثير من الجدية.
الاستهانة والاستخفاف من شأنهما أخذ الإنسان بغفلته. إن مسألة تمزيق العراق وتقسيمه إلى ثلاثة أقاليم أو دويلات وعلى أسس عرقية ومذهبية، تجد منافذها إلى التطبيق عبر ما يمارس اليوم من تطهير عرقي في كركوك ومن عمليات تهجير قسرية مذهبية في عدد من محافظات العراق، إضافة إلى عمليات القتل على الهوية. عليه فأن استقبال التسابق على تمزيق العراق باستهانة واستخفاف تدل على عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية أو القومية.
لقد شهد البرلمان العراقي لعبة تمشية قانون (الفدرالية) الخاص بالمحافظات بالرغم من مقاطعة عدد من التيارات والأحزاب الشيعية والسنية على السواء، وهناك من يريد (قيام فدرالية الوسط والجنوب) إلى جانب فدرالية كردستان - ذات العلم المميز والإدارة المستقلة عن بغداد - لتبرير قيام فدرالية ثالثة في الوسط والغرب والشمال الغربي. أي أن اللعبة - المؤامرة ترسم لتمزيق العراق إلى ثلاث فدراليات كردية وشيعية وسنية، في هذا الإطار فإن إعلان (المجلس) المذكور خطوة إن كانت اليوم مشروعاً في التصور والتمني فإنها تصب في المجرى المرسوم صهيونياً منذ أكثر من قرن من الزمان، ضرورة تقسيم العراق وتمزيقه لكي لا يكون مركز تهديد للمشروع الصهيوني بالدولة (الكبرى) الممتدة من النيل إلى الفرات.
إن أخذ الإعلان مأخذ الجد هو الطريق الميداني إلى وأده وإلحاق الهزيمة به، هؤلاء الذين أعلنوا إنشاء (دولة العراق الإسلامية) استندوا إلى فرضية قيام (إقليم الجنوب) لذا فإن نياتهم تتقاطع مع المشروع التقسيمي الصهيوني، وتتلاقى بالمشروع الذي ترحب به قوى ودول إقليمية يهمها ليس فقط إضعاف العراق بل إنهاء (الدولة العراقية) التي دمر كل أسسها الاحتلال الأمريكي المجرم لهذا البلد العربي.
كل ما يجري في العراق اليوم يؤكد أن المشروع التمزيقي له دعاة وله مريدون من الأطياف الثلاثة الرئيسة المكونة للنسيج العراقي الذي صمد موحداً عير التاريخ بالرغم من الاحتلالات والحروب التي شنت على وادي الرافدين. وإذا كان ثمة من يلام - إضافة إلى الاحتلال الأمريكي - فاتهم أولئك الذين رأوا في الاحتلال الفرصة السانحة لتنفيذ أجنداتهم الخاصة الملتقية حتى التلاحم بأجندة الاحتلال الصهيوني. ولكن إذا كان العذر أقبح من الذنب فإنه ينطبق بحذافيره على أولئك الذين أعلنوا ما أعلنوه عن (دولة العراق الإسلامية) حيث كشفوا بدورهم عن أجندة (تمزيقية وطائفية ومذهبية) مغرقة في الرجعية ومتلاقحة مع التخطيط الجهنمي القائم على تمزيق الأقطار العربية إلى دويلات طائفية متصارعة.
إن الواجب القومي، وواجب ومسؤولية الدفاع المشروع عن النفس، يحتم أن تنهض الأمة بما تمليه عليها القيم والطموحات النبيلة العربية.
إن ما يجري تنفيذه على أرض العراق بأرواح مئات الآلاف من أبناء العراق الأبرياء ليس إلا عينة مما يراد ترتيبه للأقطار العربية كلها. والصورة ستبدو أكثر وضوحا مع قراءة للمشهد الفلسطيني والمشهد اللبناني والمشهد السوداني والمشهد الصومالي. هل نظل ننفخ في قربة مثقبة ونحن ندعو إلى فعل عربي ينطلق من توصيف دقيق لجملة المخاطر المحدقة بالمصير العربي؟ أم ينتظر الجميع حتى يقع (الفاس بالراس) ويعض من يدرك متأخراً أصابعه ندماً.
نقول أخيراً: خذوا كل ما يجري وما يعلن مأخذ الجد قبل أن يندم الجميع بعد ضياع حلم العرب في الاستقلال والتحرير والتوحد، أما من يبغي تمزيق العراق تحت شعارات الإسلام، فإننا نقول (الإسلام يوحد ولا يمزق ويجمع ولا يفرق).