في مواجهة التضليل الإعلامي العالمي!
هذا العالم يحتاج إلى تغيير جذري شامل، لا إلى تجميل سطحي مخادع!
بقلم: نصر شمالي - سوريا
لم تتردّد الإدارة الأميركية في الإعلان أن الدعوة لانتخابات نيابية مبكرة في لبنان هي مشروع انقلاب ترفضه، وسرعان ما وافقتها شبكة الإعلام العالمي الخاضعة عموماً لسيطرتها المركزية، وبما أن هناك من اعتاد التلقي من دون تمحيص فقد تجاوب البعض مع الإعلان الأميركي بحكم العادة على الأقل! ويجب الاعتراف أن للاعتياد، أو العادة، قوتها الهائلة عند الملايين وعشرات الملايين من البشر، الذين يتلقون ما تبثه أجهزة الإعلام ويعتمدونه كما هو! إن قوة العادة هي أعظم قوة يعتمد عليها الاحتكاريون في التحكم بتوجهات الكتل البشرية، والعادة هنا هي القبول الأعمى بصياغات المركز الاحتكاري العالمي للمعضلات البشرية، باعتبارها ستتحول إلى وقائع على الأرض حتماً بفعل القوة الغاشمة! أما الصياغة المراد طمسها، وهي غالباً ما تكون عرضاً صحيحاً للمعضلة يقدمه أصحابها، فإن عملاء المركزية، وكذلك الجهلة، يحطّون من شأنها، ويلحقون أفدح الأضرار بها، باستعراض مشوّه يعدّونه للدفاع عنها، فيدفعونها إلى حدود السخافة، وينفّرون الناس منها، وإن مواجهة نفور الناس من الصياغة المشوّهة أو المبتذلة للحقائق، ومواجهة استسلامهم لصياغات الإعلام العالمي المضللة، هما أشدّ صعوبة بما لا يقاس من مواجهة جيوش الاحتكار العالمي في ميادين القتال الناري!
***
إن هيمنة الصوت الواحد والصورة الواحدة هي المدخل الأول لإحكام الهيمنة الاحتكارية العالمية المركزية في جميع قطاعات الحياة البشرية، وهي لا تقتصر على التحكم برؤية الناس للأحداث اليومية بل تتعداها إلى رؤيتهم للتاريخ البشري العام، فعلى سبيل المثال أصبحت الديمقراطية بجذرها الأصلي الإغريقي هي الصورة المثالية للعلاقات الإنسانية، وحجبت عن الناس الحقيقة التاريخية الثابتة التي تؤكد أنه في العصر الذهبي الإغريقي، الذي عاش فيه أرسطو وأفلاطون وهوميروس، كان عدد الإغريق الذين مارسوا تلك الديمقراطية في حدود 35 ألفاً، بينما عدد السكان العام كان في حدود 300 ألف نسمة يعملون كآلات في خدمة الأرستقراطية الديمقراطية، أي كعبيد، أما في العصر الذهبي الروماني فقد كان هناك حوالي 20 مليون سيداً ديمقراطياً يستعبدون 130 مليوناً من المواطنين الرومانيين والشعوب التابعة، فإذا انتقلنا إلى الوضع البشري الراهن فسوف نرى بالأرقام كيف أن وضع العالم في ظل الهيمنة الأميركية الأوروبية هو ذاته في عهد اليونانيين والرومانيين القدامى، وما اعتراض الإدارة الأميركية على انتخابات مبكرة في لبنان (وهذا مثال صغير) إلا الدليل القاطع على ذلك، مثل اعتراضها على نتائج انتخابات فلسطين، فالديمقراطية المعاصرة مكرّسة أيضاً لصالح نخبة عالمية احتكارية محدودة، إذا ما تعدّتها إلى السواد الأعظم من البشر ظهرت الأنياب وبرزت المخالب!
***
ولكن هل بالإمكان الرهان على قوة الأصوات الحرّة في الشمال، في البلدان الديمقراطية الثرية؟ إن التجربة تعلمنا إن هناك حدوداً لحرية الأحرار الديمقراطيين حتى في تلك البلدان، وموقفهم من المأساة الفلسطينية هو أعظم دليل على ذلك، حيث لا يجرؤ أي أوروبي حرّ على تناول هذه المأساة من جذورها، وإلا تعرّض للعزل ولأقسى العقوبات، وحيث التسليم بحق الكيان الصهيوني في الوجود أمر لا يقبل مجرّد الطرح على بساط البحث!
ولتبيان وسائل السيطرة على الأحرار حتى في أوروبا نذكر أنه في الأمس القريب، حسب الإحصاءات الأوروبية، سيطرت الولايات المتحدة على 225 ألف ساعة إرسال إعلامي تبثها 12 محطة أوروبية رئيسة، مقابل 25 ألف ساعة فقط للأوروبيين! وبينما شكلت العروض السينمائية الأميركية في فرنسا نسبة 60% فإن نسبة العروض السينمائية الفرنسية في الولايات المتحدة لم تتعدّ 5%! إن الهيمنة الأميركية الصهيونية في أوروبا تشمل محطات التلفزة والإذاعة والصحف والمجلات، وتتعداها إلى دور نشر الكتاب، بل إلى الجامعات ومراكز الأبحاث المتخصصة أيضاً! أما عن الأحوال الإعلامية والتعليمية والتثقيفية في بلدان جنوب العالم عموماً فإن على المرء أن يتحلى بروح الدعابة السوداوية، المضحكة المبكية، كي يستعرضها!
***
إن مقدار النفوذ الإعلامي والهيمنة الذهنية في العالم يعكس مقدار النفوذ المادي والهيمنة الاقتصادية، فبالنسبة ذاتها تقريباً، المتعلقة بالإعلام والثقافة والتعليم نجد في ميدان المال والأعمال أن 80% من الثروات الطبيعية في العالم تقع تحت سيطرة واستهلاك ما لا يزيد عن 20% من سكان العالم المتواجدين في الشمال بصورة رئيسة، إن جميع دول أميركا الجنوبية، على سبيل المثال، تستهلك كمية من الأسمدة الزراعية تعادل فقط ما تستهلكه هولندا لوحدها! وإن الولايات المتحدة، التي يشكل عدد سكانها نسبة 6% تقريباً من سكان العالم، تستهلك لوحدها أكثر من 35% من الطاقة ومن المعادن المستخرجة في جميع أنحاء العالم. إن معدّل استهلاك الفرد الأميركي العادي من الطاقة خلال أيام يعادل ما يستهلكه لمدة عام مواطن يعيش في بلدان الجنوب، وبالمقابل فإن نسبة ما ينتجه الفرد الأميركي الواحد من مواد ملوّثة للبيئة تعادل ما ينتجه 900 مواطن اندونيسي!
وهكذا فإن مواجهة نظام التضليل العالمي هي المدخل الرئيس لمواجهة نظام النهب والاحتكار العالمي، الأمر الذي يقودنا إلى الاستنتاج المنطقي القائل بأن هذا العالم يحتاج إلى تغيير جذري شامل لا إلى تجميل سطحي مخادع، ولا نبالغ أبداً إذا قلنا أن قسطاً كبيراً من الأمل البشري منوط بنهوض أمتنا وصمود وانتصار مقاومتها.