بيونغ يانغ ترتكب أعظم الذنوب!

الرئيس الكوري: مقياس التقدم والتقدمية هو الاستقلال الوطني ومناعة الروح الوطنية ضد الاختراق!

نصر شمالي- سوريا

سواء تحدثنا عن الشعب الكوري أم عن الشعب الايراني، وعن العراقي أم الفلسطيني، فإننا نتحدث عن شعوب مصابها كبير وعميق وخطير، فهي تتعرض على مدى عشرات السنين لأحد مصيرين: الفناء البطيء بالاستسلام للأمريكيين أو الفناء السريع على أيدي قواتهم وعملائهم، وها هو الشعب الكوري كأمثاله يدافع عن وجوده وكرامته في الخندق الأخير، وانه لأمر مفهوم أن يحاول إقامة دفاعاته بما يجدي في مواجهة أسلحة الأمريكيين الهجومية، فإذا كانت واشنطن تمتلك ترسانة من القنابل النووية كافية لإرغام أي كان ممن لا يمتلك مثلها على الخضوع التام صاغرا، وإذا كان التهديد باستعمالها ضدّه واردا، وهي التي استخدمت القنابل النووية وحدها فقط في اليابان، فما الغريب العجيب في أن يحصل شعب مهدد بوجوده على سلاح مواز رادع؟ والحال إن أول من يجب أن تنزع أسلحته النووية هو الدول التي امتلكتها بداية، خاصة الولايات المتحدة التي استعملتها أيضا!

***

لقد كانت واشنطن، بعد الحرب العالمية الثانية، تعوّل على إلحاق الهزيمة بالثورة الصينية المنتصرة، والانفراد بالصين وإخضاعها لأسلوبها الاستعماري الجديد حتى لو أدى ذلك إلى إفناء مئات الملايين من الصينيين وإلى بؤس الأحياء منهم عموما كما كان حالهم على مدى قرنين من الزمان، وبسبب زخم الثورة وفعاليتها الهائلة كان على واشنطن أن تلجأ أولاً إلى محاصرة الصين الحرة وعزلها، وفي هذا السياق تطلعت إلى الحلول محل المستعمرين الفرنسيين في فيتنام، وإلى جعل فيتنام كيانا شبه استيطاني، على غرار الكيان الصهيوني في فلسطين، يقوم بمهام عدوانية لمصلحتها ضد شعوب الهند الصينية وضد الصين الشعبية بالذات، وكان ذلك يستدعي إلحاق الهزيمة بالثورة الكورية، فنشبت ما تسمى بالحرب الكورية، مع أنها في حقيقتها حرب أمريكية استعمارية ضدّ شعب صغير مسالم مظلوم، لا يريد سوى العيش بكرامة وأمان، وليس له ذنب آخر سوى وقوع بلاده على تخوم الصين الشعبية المنتصرة، ولكن من كان يتوقع حينئذ أن الولايات المتحدة التي تملي إرادتها على الأمم الأوروبية جميعها، والتي استسلمت أمامها اليابان من دون قيد أو شرط بعد أن قصفت المدن اليابانية بالقنابل النووية وقتلت بطرفة عين مئات الآلاف من اليابانيين، من كان يتوقع هزيمتها أمام الشعب الكوري الصغير في مطلع الخمسينات، وهي لم تعرف الهزائم العسكرية طوال تاريخها؟!

لقد زجّت الإدارة الأمريكية في الحرب ضدّ كوريا بأفضل قواتها، وكانت الصحافة الفرنسية تصف الجيش الأمريكي في كوريا بأنه: (أجمل جيش في العالم)! وإذا بالمقاومة الشعبية الكورية تلحق الهزيمة بالقوات الأمريكية وتطاردها في تقهقرها عبر الجزء الجنوبي من كوريا، الأمر الذي دفع الرئيس الأمريكي السيء الصيت هاري ترومان إلى التلويح باستخدام القنابل النووية ثانية ضد كوريا مثل اليابان! وهنا توقفت الحرب وظهرت الكوريتان الجنوبية والشمالية، أي تمزق الشعب الكوري والوطن الكوري، حيث احتفظ الأمريكيون بعشرات الألوف من جنودهم في الجنوب حتى يومنا هذا!

لقد أصبحت كوريا الجنوبية منذ ذلك التاريخ قاعدة أمريكية عسكرية واقتصادية وسياسية، ورضخ الكوريون على مضض لنتائج تلك الحرب، وكان عليهم دفن الأعداد الهائلة من قتلاهم، وإعادة بناء قراهم ومدنهم، حيث العاصمة بيونغ يانغ كانت مدمّرة بالكامل نتيجة القصف الأمريكي، فلم يبق منها منتصب سوى بعض الجدران لبناءين أو ثلاثة!

غير أن الأمريكيين لم يتركوا الصين وكوريا الديمقراطية وشأنهما، فالتآمر والتحرش والحصار والعزل مستمر على مدار الساعة، الأمر الذي يعني لجوء المحاصر المظلوم إلى سياسة الاعتماد على الذات كخيار وحيد، وتحمّل ما يترتب على ذلك من علاقات داخلية قاسية، حيث المركزية الشديدة والنظام الصارم!

لقد حققت كوريا الديمقراطية - ليس من دون ثمن باهظ حقا - معجزة لا مثيل لها في عالمنا المعاصر، مستندة إلى سياسة الاعتماد على الذات، فبسرعة قياسية أعيد بناء القرى والمدن، وتحقق الاكتفاء الذاتي، وأنجزت مشروعات صناعية وزراعية عملاقة، فغدت بلدا راقيا نظاما وانضباطا ونظافة وجمالا، غير أن الحصار الأمريكي لم يتوقف، بل اشتد نتيجة للنجاح الكوري رغم العزل، وهذا النجاح صار من أكبر ذنوب كوريا، وصارت تستحق عليه اشدّ العقاب باعتباره مثلا يحتذى من قبل الشعوب الأخرى المظلومة!

في ظل الحرب المفتوحة والحصار المحكم قال الرئيس الكوري الراحل كيم ايل سونغ لسفير الأردن (في 22/6/1978) ما يلي: أقول لك أيها السفير: إن مقياس التقدم والتقدمية هو في مقدرة شعوب العالم الثالث على الاحتفاظ باستقلالها الوطني، وباستقلال إراداتها الذاتية، في المحافظة على روحها الوطنية منيعة ضد الاختراق!

***

اليوم ينطلق الكورال الإعلامي العالمي، الذي يقوده في معظمه مايسترو واحد، عازفا لحن الدمار والموت، بينما تغلق جميع السبل تقريبا في وجه الحقيقة، فينفرد الاحتكار الإعلامي العالمي معمما الصوت الواحد والصورة الواحدة، محاولا خداع الأمم بأن كوريا وايران وفنزويلا والعراق وفلسطين هي الخطر على امن العالم وسلامته! إن الرذيلة تنهض لحماية الفضيلة، واللصوص يهبّون لنصرة الأمانة، والقتلة المجرمون يأخذون على عاتقهم تطبيق القانون!

أنها مرحلة عصيبة تجتازها البشرية جمعاء، وأن اللامنطق هو سدى ولحمة هذه المرحلة العجيبة التي لا يمكن أن تكون إلا مؤقتة، فلا يعقل أن يصبح القاتل المجرم طيبا وبطلا وأن يصبح الطيب المقاوم، المدافع عن كرامته ووجوده، شريراً ومجرماً!