بوش لن يعترف بالهزيمة!
عبد اللطيف مهنا/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في دمشق
لعل من بين أخطر ما يعتري الإمبراطوريات من علائم انحسار السطوة والنفوذ، وبالتالي أهم مؤشرات بدء العد العكسي للتراجع، هو فقدان المصداقية السياسية والأخلاقية... وهذا هو تماماً حال الولايات المتحدة اليوم، وهي القطب الكوني الأوحد المتفرد بوضع اليد على قرار العالم خلال العقيدين الأخيرين، لاسيما في زمن الجموح الإمبراطوري الاستباقي في عهد الإدارة الراهنة للمحافظين الجدد وحيث لم يكمل بعد جورج بوش الابن فترته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض... وعندما نقول فقدان المصداقية نعني فقدانها دولياً، وهذا ليس لدى العدو أو الممانع الرافض للهيمنة أو المقاوم للإخضاع والمواجه لمظاهر التسلط الملازمة لهذا الجموح المتغطرس وما يرافقه من حماقات ودموية فحسب، وإنما أيضاً لدى الصديق أو الملتحق أو حتى الحليف الذي بات يخشى على نصيبه المتواضع من الفتات الذي يتركه النهم الأمريكي من غنائم الهيمنة على العالم... كما نعني فقدانها داخلياً لدى قطاعات واسعة وتتسع في الرأي العام الأمريكي، وليس لدى النخب، التي بدأت تتعالى انتقاداتها للإدارة وتحذيراتها من عواقب سياستها فقط، ولا يستثنى من ذلك زعماء في حزب الإدارة الحاكم ذاته "الحزب الجمهوري"، وحتى من قبل بعض الرؤوس المنظرة للاستباقية سابقاً والمعروفة بتصدرها لجوقة المحافظين الجدد ذاتها، انسجاماً مع المأثور القائل بأن الفئران التي تنخر السفينة هي أول من يسارع إلى مغادرتها قبل أن تغرق!
الانتخابات النصفية التشريعية الأمريكية تقترب، بل هي على الأبواب، وربما لأول مرة تغدو السياسة الخارجية الأمريكية شبه أولوية لدى الناخب الأمريكي، بما يعني أن الإدارة الراهنة، أو بالأحرى الحزب الجمهوري الحاكم، سوف يخوضها وهو ينوء تحت ثقل انعدام هذه المصداقية ومخاطر التدني غير المسبوق، بل التدهور، لشعبية سيد هذه الإدارة. والطريف هنا، أو هي واحدة من المفارقات الأمريكية، هو أن الورقة الرابحة التي يطرحها الحزب الديمقراطي المعارض في ملعب هذه الانتخابات هو الرئيس الأمريكي نفسه باعتباره رمزاً فاقعاً لانعدام المصداقية، وإن ورقة الجمهوريين بالمقابل هي انعدام الزعامة الكارزمية لدى الديمقراطيين وبهوت المواقف وعدم الوضوح في طرح السياسات الخارجية البديلة، إذ يقتصر هذا الوضوح، إن جاز التعبير، على تركيزهم على قائمة ما يعتبرونه حماقات بوش أو مسلسل الحصاد المر لسياساته الكونية الكارثية، ومن ثم المراهنة عليها انتخابياً.
لدى بوش في هذا المجال فعلاً قائمة طويلة لا خلاف خارجي أو داخلي عليها، وعلى رأسها ما يلي:
فشل حربه الكونية على العدو اللامرئي المجهول العنوان والممنوع من التعريف المسمى بالإرهاب، بحيث أصبح العالم بعد شنها أقل أمناً وليس أكثره وفق شعاره المفضل الشهير. بل أكثر سجوناً، منها السرية أو المكشوفة أو الطائرة التي قد لا يقل هولها وفضائحها وعارها عن ما لأبوغريب وغوانتينامو من سمعة في هذا المجال.
...و النتائج المترتبة على غزوه لكل من أفغانستان والعراق، أو ما آلت إليه الأمور راهناً ويعاكس ما تشتهيه سفن مشروعه في هذين البلدين المنكوبين بالاحتلال، ففي البلد الأول، ليس أدل على الورطة الأمريكية هناك، أو مخالفة حسابات البيدر الأفغاني لحسابات الحقل الاستباقي الأمريكي، من هذه العودة المدوية لحركة طالبان والتحاق بعض قدامى المجاهدين بركبها، وانحسار أفغانستان الأمريكية أو الأطلسية داخل أزقة كابل وبعض القواعد الحصينة على أطراف قليل المدن، وغرق البلد في الدم وتجارة المخدرات بدلاً من بلوغه الغد الأمريكي الأفضل الموعود. أما في الثاني أي العراق، فتكفي الإشارة إلى تصاعد فعالية وقدرات وجرأة المقاومة العراقية المتسعة باضطراد. يضاف إلى ذلك انتقال الصراع إلى صفوف القوى التي جاءت مع الاحتلال، أو هادنته أو تعايشت معه. وسعي الولايات المتحدة في سياق بحثها عن مخارج من هذه الورطة للتفاوض مع المقاومة، هذا من جانب والضغط على الأصدقاء في المنطقة، وحتى التوجه نحو اللجوء إلى الأعداء الإقليميين الذين كانت تعلق على مشجبهم بعض مسؤولية تعثر مشروعها العراقي، لمساعدتها من قبل الطرفين في آن في إيجاد مثل هذه المخارج المنشودة من جانب آخر.
هنا، ربما ليس هناك ما يشي بالتخبط ويوحي بسريالية معالجات الإدارة الأمريكية للمأزق الذي تواجهه في العراق أكثر من مفارقة تحميل الرئيس الأمريكي لعراقيي "المنطقة الخضراء" مسؤولية التدهور في العراق، بمعنى تحميلهم وحدهم مسؤولية تعاظم مقاومة الاحتلال، ومسؤولية ما تشهده الساحة العراقية مما هو يقارب شكلاً بشعاً من أشكال الاحتراب الأهلي برعاية هذا الاحتلال، وذلك بسبب من تدميره أسس الدولة العراقية عن عمد وسابق إصرار منذ أول أيام الغزو، وبذره المدروس لبذور الطائفية عبر تكريسها في دستور عراق ما بعد الاحتلال، ومظاهر هذه النبتة الشيطانية الميليشياوية التي تعيث راهناً فساداً وتقتيلاً في البلاد تحت بصر وسمع الاحتلال، بل وتشجيعه لها ضمناً عبر غض الطرف عن ما تقترفه باعتباره يصب أصلاً في صالح مشروعه... ليس أدل على ذلك من شبه الجدل الضمني أو التراشق، إن جاز التعبير عبر إلقاء المسؤولية على الطرف الآخر، الذي دار مؤخراً بين الرئيس بوش والمالكي رئيس وزراء حكومة عراق ما بعد الاحتلال... بوش الذي قال معترفاً إن "أحداث الشهر الماضي (في العراق) تقلقني كثيراً"، طالب هذه الحكومة التي لا حول ولا طول لها باتخاذ "إجراءات جريئة" في موعد زمني محدد بهدف الإصلاحات ونزع سلاح الميليشيات، منذراً في وعيد مكشوف بأن صبر الولايات المتحدة "ليس بلا حدود"... باختصار حمّل هذه الحكومة وحدها المسؤولية وبرّأ الاحتلال، فرد عليه المالكي رافضاً تحديد الموعد الزمني المطلوب... المالكي عاد عن رفضه هذا لاحقاً عندما وافق في بيان مشترك مع السفير الأمريكي في بغداد زلماي خليل زاد على ضرورة تحديد هذا الموعد أو الجدول الزمني المنشود... بيد أن أكثر ما عبر عن لا حول ولا طول هذه الحكومة المغلوبة على أمرها والمحاصرة داخل حدود محمية المنطقة الخضراء هو قول المالكي رامياً الكرة مجدداً في ملعب بوش:
" أنا الآن رئيس الوزراء وقائد القوات المسلحة، ورغم ذلك فلا يمكنني تحريك سرية واحدة من دون موافقة التحالف"... وزاد في رد واضح على وعيد بوش وتحذيره من نفاذ صبر الاحتلال قائلاً:
"إن السياسة الأمريكية قد ترتكب خطأ استبدل رئيس وزراء أو حكومة في العراق. إن ذلك يعني إحراق شعاراتهم ... وفشل العملية السياسية برمتها".
... وعودة إلى قائمة إخفاقات بوش، ونكتفي هنا بإضافة سريعة لبعض العناوين التي منها التحدي الكوري الشمالي، أو فشل معالجة الملف النووي الكوري الذي انتهى اليوم إلى دخول بيونغ يانغ عنوةً النادي النووي الدولي باعتبارها العضو التاسع شاء الأعضاء الثمانية المحتكرين لهذه العضوية أم أبوا، وكذا التحدي الإيراني المعروف في هذا المجال والذي يحاول الآن بدهاء الإفادة من الدرس الكوري... واستطراداً التحدي السوداني فيما يتعلق بمحاولات واشنطن تدويل دارفور، وحتى التحدي الصومالي لدول الجوار التي لا تمانع في أن تتطوع لصالح أي تدخل خارجي برعاية الولايات المتحدة لتقرير مصير هذا البلد، هذا الذي على ما يبدو قد أعادوا اليوم اكتشافه بعد أن نسوه كل هذه الفترة الطويلة نهباً للفوضى ولم يتذكروه إلا بعد سماعهم بمحاولته عبر ظاهرة المحاكم الإسلامية تلمس سبيله للخروج منها... وإلى جانب مثل هذه التحديات، لا يمكن تجاهل التراجع الاستراتيجي لركيزة رئيسة من ركائز الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية تحديداً، ونعني هنا تراجع المشروع الصهيوني، ووصول القدرة "الاسرائيلية" على التوسع إلى مداها الأقصى، إثر انكشاف محدودية قدرة قوة الجيش الإسرائيلي رغم امتلاكه لأعتى آلة عسكرية في المنطقة، والتي تكشّفت عنها نتائج الحرب العدوانية الأخيرة على لبنان، وانعكاس كل ذلك على دور ووظيفة "اسرائيل" لصالح المشاريع الغربية في المنطقة، الأمر الذي دفع البعض من النخبة في الغرب وحتى في الولايات المتحدة نفسها للشك أو التشكيك في جدوى مواصلة المراهنة على ذلك الدور وتلك الوظيفة، بل وحتى بدء النظر إلى "اسرائيل" كاستثمار مكلف، باعتبارها مشروعاً قد لاي قوى على حماية نفسه مستقبلاً بدلاً من حمايته المفترضة للمصالح الغربية في المنطقة... كما لا يمكن تجاهل الهموم الأمريكية الاستراتيجية الأخرى التي يفاقمها تنامي طموحات المراكز الكونية الصاعدة كالصين والاتحاد الأوروبي والهند يضاف إليها القطب الكوني السابق والذي يحاول النهوض مرة أخرى روسي، وأسلوب بوش في معالجتها.
... والآن، وعلى ضوء كل ما تقدم، هل هناك ما يوحي باقتراب وشيك لأن يعترف بوش بهزيمة سياسته الخارجية؟!
لعله رجل ليس من السهل مجرد تصور قيامه بمثل هذا الاعتراف، بل إن الهروب إلى الأمام هو أكثر احتمالاً من ذلك، حتى لو وصلت الأمور حد إشعال العالم بأسره، والشاهد على هذا يمكن العثور عليه دونما عناء في حملة بوش المضادة لخصومه الانتخابيين، ولنأخذ العراق مثلاً باعتباره أكثر عناوين الحملة الانتخابية الأمريكية الدائرة موضوعاً للجدل في الولايات المتحدة:
يقول بوش للأمريكيين المطالبين بإعادة الجيوش الأمريكية من العراق: إنني سأعيد الجيش للوطن غداً "لو لم أعتقد أن مهمتنا في العراق حيوية للأمن الأمريكي". وهو إذ لازال يصر على أن "الولايات المتحدة تكسب وستكسب (في العراق) إلا إذا غادرنا قبل إتمام المهمة"، يؤكد أن لا تغيير في الإستراتيجية الأمريكية هناك وإنما في التكتيكات فحسب، إذ يقول أنه "على غرار قيام العدو بتغيير تكتيكاته فإننا أيضاً نغير تكتيكاتنا"، وقد يكون من مظاهر هذا التغيير التكتيكي قوله:
"إن الأمريكيين لا ينوون أن يصبحوا طرفاً في الصراع الطائفي والوقوف وسط إطلاق النار بين الفصائل المتناحرة" ... هل هذا الكلام يعني أنهم سيكونون المتفرجين فحسب، أي المنتظرين حصاد نتائج ما زرعوه في العراق خدمة لإستراتيجيتهم التي لن تتغير؟
الجواب واضح... والآن ما هي هذه الإستراتيجية، أو تلك الأهداف الثابتة التي يسعى لها المشروع الأمريكي في العراق؟
أنها باختصار قواعد عسكرية دائمة في سياق هدف استراتيجي أكبر وأوسع هو الهيمنة على صرة العالم المتمثلة في الوطن العربي والقوس الإسلامي الممتد من آسيا الوسطى وحتى الأطراف الإفريقية، الأمر الذي يكفل، إن تحقق: أولاً، حماية "إسرائيل"، وثانياً وضع اليد على نفط العراق باستباحته من قبل الشركات الأمريكية، إلى جانب الهيمنة بالطبع على منابعه الأخرى وطرق تصديره في الوطن العربي والجوار الإسلامي، وإنجاز مشروع الشرق الأوسط الكبير أو الموسع ثالثاً، هذا الذي يسمح، إلى جانب إخضاع المنطقة نهائياً، بالهيمنة على ما يعرف استراتيجياً بطريق الحرير، بمعنى محاصرة مشاريع المراكز الكونية القادمة والموعودة المتمثلة في الصين والهند، والعائدة أي روسيا، إلى جانب تدجين الممانعات في وجه الهيمنة الأمريكية في المنطقة والقضاء على المقاومات المضادة لها باسم محاربة الإرهاب...
وأخيراً، أما وقد مضينا في تعداد هذه الأهداف، فيبقى علينا طرح السؤال التالي:
على ضوء فقدان المصداقية لدى قوة أعظم أو إمبراطورية هي بالتالي حتام قيد التراجع، وحيث عما قريب سوف تنحسر الانتخابات الأمريكية النصفية كاشفةً عن نتائجها، ماذا لو فاز الديموقراطيون وخسر الجمهوريون؟
ما الذي سيتغير في السياسات الخارجية الأمريكية أو تحديداً يتم التخلي عنه من بين هذه الأهداف المشار إليها؟
إنه من السذاجة بمكان تصور أي تبديل جوهري في هذه الأهداف الإستراتيجية الإمبراطورية لقوة أعظم، والتي لا يوجد ديمقراطي واحد، ولا يجرؤ إن وجد، على الاعتراض عليها... قطعاً ستختلف التكتيكات، وهذا ما يقوله بوش الآن بنفسه... فاقد المصداقية والذي حتى بعد مغادرته البيت الأبيض فلن تخرج الولايات المتحدة على منطق الصيرورة التاريخية للإمبراطوريات التي مرت بها مثيلاتها في التاريخ... بمعنى أن الاستراتيجيات في هذه الحالة الخاضعة لسياق ذات السيرورة لا تملك أن تتبدل وإنما فقط تنتصر أو تهزم... والاحتمال الأخير، وفق ما يجري في العراق وأفغانستان وسائر القائمة البوشية التي تعرضنا لها، حتماً هو الأرجح!