في الذكرى الثانية لرحيل ياسر عرفات:

هل يبقى قاتل الزعيم الفلسطيني متوارياً!!

محمود كعوش

بعد عامين من رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لا تزال أسباب موته لغزاً محيراً، في ظل اقتناع الفلسطينيين مسؤولين ومواطنين عاديين بأنه قضى مسموماً وشكهم بقيام "إسرائيل" بدس السم له بتشجيع ومباركة من حكومة الولايات المتحدة أو تواطؤ منها، بالنظر إلى التهديدات العديدة بالقتل التي سبق أن تعرض لها من قبل رئيس الحكومة "الإسرائيلية" السابق أرئيل شارون وبعض معاونيه والحصار الخانق الذي فرض على مقره في رام الله من قبل تل أبيب وواشنطن معاً.

فيوم فشلت سياسة "العصا والجزرة" الأميركية في ثني الراحل الكبير عن مواقفه الوطنية الثابتة من القضية الفلسطينية وقضية الصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي" عندما كان يترأس الوفد الفلسطيني في مفاوضات (كامب دافيد) عام 2000، كان متوقعاً أن تتخذ إدارة الرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون في حينه موقفاً عدائياً منه ومن القضية الفلسطينية على حد سواء، وكان متوقعاً أن ينتقل ذلك الموقف من كلينتون إلى خليفته جورج بوش بشكل تلقائي.

وبعد أن استأثرت الولايات المتحدة بالقطبية العالمية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي إلى جمهوريات ضعيفة ومتهالكة، أصبح من غير المألوف أو المقبول من وجهة النظر الأميركية أن يقول زعيم أو قائد في العالم مهما علا شأنه ويلغ نفوذه كلمة "لا" للإدارة الأميركية ورئيسها، .فكيف تجرأ ياسر عرفات، وهو في ذلك الحصار الخانق الذي فُرض عليه في (كامب دافيد) أن يقول "لا" بالفم الملآن لرئيس أكبر وأعظم دولة، بل الدولة العظمى الوحيدة في العالم، ولكل طاقم إدارته الذي كان يشرف على المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" ويدعي رعايته لها؟ وطالما أنه فعل ذلك كان لا بد أن يدفع الثمن غالياً!!

أثناء تلك المفاوضات الشاقة والعسيرة حافظ "الختيار" على صلابته وتماسكه وظل متمسكاً بالثوابت الفلسطينية وبالأخص سيادة الفلسطينيين على القدس المحتلة عام 1967 بما فيها المسجد الأقصى المبارك. وكما كان عهدنا به دائماً وأبداً لم ينحن لكل الضغوط الأميركية والدولية والعربية التي مورست عليه وعلى الوفد الفلسطيني الذي كان برفقته والتي كانت فوق طاقتهما على الاحتمال، خاصة عندما تأكد لهما أن الرئيس بيل كلينتون قد انتقل من دور الوسيط الذي يفترض أن يتسم بالنزاهة والحيادية إلى دور الشريك الكامل للوفد "الإسرائيلي" الذي كان يرأسه آنذاك رئيس الحكومة أيهود باراك وأصبح لا هم له غير تنفيذ الأجندة "الإسرائيلية" على حساب القضية الفلسطينية والحقوق الفلسطينية المشروعة التي أكدتها القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة وفي مقدمها 181 و194 و242 و338 و"مرجعية مؤتمر مدريد" ومبدأ "الأرض مقابل السلام".

وفي ظني إن جميع الذين تابعوا تلك المفاوضات يتذكرون حجم الإساءة التي وجهتها وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة كلينتون حينذاك مادلين أولبرايت عندما رفعت صوتها بعهر وفجور في وجه الرئيس الفلسطيني مذكرة إياه بنبرة تهديد أنه "في حضرة رئيس أكبر دولة في العالم" متناسية أنها كانت هي ورئيسها  في حضرة زعيم وقائد واحدة من أشرف وأنبل الثورات التي عرفها التاريخ على مر العصور.

وبقدر ما كان لموقف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الوطني والتاريخي من أثر إيجابي على نفوس الفلسطينيين سلطة وطنية وشعباً باعتبار أنه شكل ضربة قاسمة للسياسة الأميركية المنحازة "لإسرائيل" والعاجزة عن القيام بدور الوسيط النزيه في "عملية السلام" المرجوة، فإنه مثل (القشة التي قسمت ظهر البعير) في موقف الولايات المتحدة وإدارة الرئيس بيل كلينتون من الرئيس الفلسطيني.

فبيل كلينتون الذي كان يطمح إلى تتويج ولايته الثانية بإنجاز سياسي دولي من النوع الثقيل مثل توقيع اتفاقية سلام بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" دون ما اعتبار من قبله لماهية تلك الاتفاقية أملاً في الحصول على جائزة نوبل للسلام، راعه أن يحرمه الرئيس الفلسطيني الراحل بذلك الموقف المبدئي من الأمل في تحقيق حلمه!!

لكن الوقائع دللت على أن موقف الرئيس الفلسطيني ذلك لم يكن السبب، لا المباشر ولا غير المباشر، في تضاؤل أمل بيل كلينتون في الحصول على الجائزة المبتغاة بقدر ما كانت الخديعة التي أوقعه في شركها شريكه وحليفه أيهود باراك، عندما أقنعه بأن الظروف كانت ناضجة لإجراء تلك المفاوضات وأن السلطة الفلسطينية "بلغت من اليأس وقلة الحيلة درجةً باتت معها على استعداد للقبول بأي حل"!!

من هنا جاءت الدعوة المرتجلة فيما بعد ل "مفاوضات الدم" التي جرت في مدينة "شرم الشيخ" المصرية في ظل المجازر التي كانت قوات الاحتلال "الإسرائيلي" قد شرعت بارتكابها ضد الفلسطينيين بعد الاقتحام الشاروني الهمجي للمسجد الأقصى المبارك بتدبير من باراك وحماية من حكومته.

وكما كان متوقعاً، فقد أفشل باراك تلك المفاوضات مثلما أفشل مفاوضات (كامب دافيد)، فحرمت نتائجهما كلينتون من جائزة نوبل للسلام وحرمته هو من العودة إلى السلطة بعد خسارته في الانتخابات العامة "الإسرائيلية" أمام زعيم "حزب الليكود" آنذاك الإرهابي آرئيل شارون.

ومع يقين الرئيس بيل كلينتون وإدراكه لمسؤولية باراك الكاملة عن فشل مفاوضات (كامب دافيد) و(شرم الشيخ) في ما بعد وقناعته التامة التي لا يلتبسها أي شك بحسن نوايا الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وسعيه الصادق والأمين وراء "السلام العادل والمشرف"، إلا أنه ظل على موقفه المعادي لعرفات والذي انتقل بناءً لتوصيته في ما بعد إلى خليفته جورج دبليو بوش، الذي عمل بنصيحة "المحافظين الجدد" والمسيحيين الصهيونيين في الولايات المتحدة والإرهابي آرئيل شارون فنفى عنه بشكل اعتباطي وأهوج صفة الشراكة في مفاوضات السلام المتعثرة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، يومها مثل ذلك الموقف "كلمة السر" "الإسرائيلية" - الأميركية فيما يخص مستقبل الرئيس الفلسطيني "الجسدي"!!

ومن سوء طالع "الختيار" أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 جاءت لتمثل فرصة "ذهبية ونادرة" للإرهابي آرئيل شارون الذي استغلها أحسن استغلال بتأييد ودعم المحافظين الجدد والمسيحيين الصهيونيين في ظل تردي النظام الرسمي العربي، فتفنن في ممارسة الضغوط تلو الضغوط على السلطة الفلسطينية وبالأخص عليه. ولطالما تمنى له الموت وعمل من أجله عندما كان جنرالاً ومن ثم وزير دفاع وبعدما أصبح رئيساً للحكومة.

بعدما شرّف الزعيم الخالد ياسر عرفات العرب بتفجير الثورة الفلسطينية المباركة في عام 1965 وزادهم شرفاً بنصر "الكرامة" وهم في ذروة هزيمتهم،كان لا بد وأن يتحول إلى هدف صعب لجميع جنرالات "إسرائيل" وفي مقدمهم الجنرال الإرهابي آرئيل شارون،ومثله كذلك إخوانه في قيادة حركة التحرير الوطني "فتح"،لا جدل في ذلك.

وبما أن المقام لا يتسع لسرد جميع محاولات الاغتيال التي تعرض لها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات "أبو عمار" ونحن نُحيي ذكرى عامينٍ على غيابه، فإنني أذّكر فقط بأعداد الجواسيس الذين حاول جنرالات "إسرائيل" بمن فيهم شارون زرعهم بين ظهرانيه واستطاع بحسه الأمني ويقظة المحيطين به اكتشافهم وإحباط محاولاتهم الدنيئة، وأذّكر كذلك بالمحاولات الإجرامية التي نفذها الطيران "الإسرائيلي" مستهدفاً أماكن تواجده بأوامر مباشرةٍ من الإرهابي آرئيل شارون الذي كان وزيراً للدفاع خلال حصار بيروت الذي استمر ثلاثة أشهرٍ متواصلة.

وهل استهدفت جريمة الإغارة على حمام الشط أحداً غير القائد الذي أقض مضاجع "الإسرائيليين" بمن فيهم الإرهابي شارون؟! وهل لغير "الإسرائيليين" وعلى رأسهم شارون ألف بل مليون مصلحة في غيابه عن مسرح العمل السياسي وعن الحياة أيضاً؟

جميع الأدلة والوقائع والأحداث السياسية التي جرت منذ قام ياسر عرفات بتفجير ثورته حتى لحظة ترجله ورحيله الغامض "في الساعة الرابعة والنصف من فجر يوم الخميس الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 2004 " وبالأخص في فترة حصاره في مقر الرئاسة، أشرت بأصابع الاتهام في مقتله إلى جنرالات "إسرائيل" وبالأخص رئيس وزرائها آنذاك الإرهابي آرئيل شارون.لقد افتروا عليه في حياته وكذلك في مماته!!

نعم كان "الوالد" مُفترى عليه في حياته، لأنهم جعلوا من الإرهابي شارون "داعية سلام" واعتبروه هو "عقبة في طريق السلام"!! وهو مُفترى عليه الآن وهو موارى الثرى، لأن "العقبة" اغتيلت ومر على اغتيالها عامان كاملان ولم يُقم الإرهابي القديم "داعية السلام" ولا خليفته من بعده الإرهابي الجديد أيهود أولمرت بأي سلام، بل على العكس من ذلك فقد عاث الإثنان في الأرض فساداً.

نعم وألف نعم: الراحل الكبير مُفترى عليه من إخوانه وشعبه وأمته قبل الجنرالات وكبيرهم وخليفته والمتواطئين معهم والمتسترين عليهم، طالما أن رحيله بهذه الطريقة ما يزال لغزاً بدون حل!!

آلاف من المقالات والتحليلات التي كُتبت حول رحيل الرقم الفلسطيني الصعب ياسر عرفات خلال العامين المنصرمين اتفقت مع الفلسطينيين في الاقتناع بأنه مات مسموماً والشك بأن "إسرائيل" وقفت وراء قتله، بتشجيع ومباركة من الولايات المتحدة أو تواطؤ منها.لكنني سأتجاوز جميع هذه المقالات والتحليلات وأقف عند المقال الذي كتبه "الإسرائيلي" يوري أفنيري قبل عامين من الرحيل،وهو المقال ذاته الذي وقفت عنده في الذكرى الأولى لترجل الفارس العربي الكبير. 

قال يوري أفنيري، الكاتب في صحيفة "معاريف" منذ عام 1993 وأحد مؤسسي "غوش شالوم" وأحد المدافعين عن مشروعية قيام دولة فلسطينية إلى جانب "إسرائيل" وأول "إسرائيلي" أقام علاقات متواصلة مع الرئيس الفلسطيني الراحل منذ حصار بيروت في العام 1982 وحتى وفاته، في مقاله الذي نُشر باللغة الإنكليزية في 24 سبتمبر/ أيلول 2002 وحمل عنوان "متى تقرر قتل عرفات؟":

وأنا أكتب لا يزال عرفات حياً، لكن حياته معلقة بخيط رفيع، عندما زرته لآخر مرة في مقر المقاطعة المهدم في رام الله، حذرته من أن شارون اتخذ قراراً بقتله، ومن يعرف شارون يعرف جيدا أنه لا يتردد في القتل، ولا يتراجع عن قرار اتخذه، وإذا ما فشل في تحقيق هدفه في المرة الأولى فإنه يحاول مجدداً ومجدداً، ولم يصدف أن تراجع عن قرار بالقتل.

في بيروت المحاصرة حاول أن يقبض عليه، وكلف عشرات الكتائبيين من عملائه بالبحث عنه في شوارع بيروت الغربية، لكنه نجا بنفسه مثلما نجا من محاولات عديدة لاغتياله قبل وبعد حصار بيروت، واليوم شارون مقتنع بأنه قادر على قتل عرفات، وهو لا يحتاج إلا لموافقة جورج بوش. هذه الموافقة يمكن أن تكون رسمية أو خطية، إشارة أو غمزة عين منه تكفي، وسيكون من السهل الانتقال إلى التنفيذ.. حادث عرضي ما يكفي!!!".

وباعتبار أنه عارف ببواطن الأمور "الإسرائيلية" وشاهد من أهل البيت، لم يتردد أفنيري في إنهاء مقاله بتحميل شارون ووزرائه مسؤولية عملية اغتيال الراحل الكبير قبل حدوثها في قوله: "إذا حصلت هذه الكارثة فإن حكومة شارون سوف تتحمل المسؤولية كاملة عنها، ولن يغفر التاريخ لأي وزير تواطؤه في القتل، ولن يسامح "الإسرائيليون" أحداً من الذين شاركوا في المؤامرة أو الذين سكتوا عنها، كلهم مسؤولون، إنها الدقيقة الأخيرة المتبقية لكي ننهض جميعاً ونقول بصوت عال: لا!!!

هذا جزء مقتطف من مقال يوري أفنيري وغيض من فيض ما جاء فيه. وأفنيري "الإسرائيلي" هذا لم يتردد أيضاً في كشف حقيقة ما جرى في مفاوضات (كامب دافيد) وتفنيد الأكاذيب الأميركية - "الإسرائيلية" ليبين كم افترت الإدارتان الأميركيتان السابقة والحالية على الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إرضاءً لعيون "إسرائيل" ورؤساء حكوماتها الضالعين في الإرهاب والملطخة أياديهم بالدم الفلسطيني البريء، الذي كان آخره ما أخذ شكل الشلالات المتدفقة والمرعبة في "بيت حانون".

سيبقى الراحل الكبير.. الزعيم.. القائد.. الوالد... الختيار مُفترى عليه حتى يُنصف في غيابه بالكشف عن سر عشائه الأخير، ويلقى الذين ارتكبوا جريمتهم بحقه أشد العقاب.دمه في أعناق الذين أحبوه قبل الذين كرهوه،  حتى يتم الكشف عن اللغز الذي أحاط برحيله.

نعيد ونكرر: ترى من قتل الزعيم الفلسطيني؟ وهل سيبقى الجاني متوارياً مدة أطول!! ألف رحمة عليك يا من كنت أباً للجميع.. لأبناء "فتح" ولأبناء جميع فصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى، ألف رحمة عليك أيها الغائب الحاضر، الغائب عنا بجسدك والحاضر بيننا بروحك ويا من ستبقى حاضراً في قلوب أبناء شعبك الأوفياء إلى الأبد.

kawashmahmoud@yahoo.co.uk