ديمقراطية "المحافظين الجدد" في العراق المحتل!!
محمود كعوش
بعد ثلاثة أعوام ونصف العام من غزوه واحتلاله من قبل الولايات المتحدة وربيبتها الأوروبية بريطانيا في أكبر عملية قرصنة عسكرية في التاريخ الحديث، رسمت تقارير تداولها الإعلام الأميركي على نطاق ضيق صورة مظلمة جداً للعراق. فقد وصلت دراسة مولتها إحدى أشهر الجامعات الأميركية وأكثرها ارتباطاً بوزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون" وقام بها أطباء تحت إشراف جامعة أميركية أخرى لا تقل شهرة عنها إلى تقدير عدد العراقيين الذين قتلوا منذ غزو العراق في آذار 2003 بحوالي 655 ألف شخص.
وهذا الرقم الكبير من العراقيين الذين سقطوا ضحايا آلة الفتك والتدمير الأميركية والعنف الطائفي والمذهبي الذي جلبته سلطة الاحتلال معها لم يفاجئ أحداً من المهتمين بتطور الأحداث العراقية والمتابعين لها باستثناء الرئيس الأميركي جورج بوش وأركان إدارته الذين بادروا على الفور إلى التشكيك بصحة هذا الرقم وصدقية من وقفوا وراء الدراسة!!
وفي الوقت الذي اعترفت فيه "حكومة نوري المالكي" العميلة والمعينة من قبل سلطة الاحتلال بأن بغداد التي كانت توصف حتى لحظة احتلالها بمدينة السلام لم تعد كذلك بعدما تحولت إلى حاضرة للعنف والاقتتال والتهجير الطائفي، حذرت منظمة الأمم المتحدة من أن العنف في هذا البلد الجريح خرج عن نطاق السيطرة وأصبح مشاعاً أمنياً، لكن الوقائع المؤلمة في العراق التي يقر بها البعيد قبل القريب والعدو قبل الصديق لم تثن بوش عن عزمه وإصراره الوقحين على استمرار العدوان على هذا البلد وأهله المسالمين، برغم حديثه المتواصل عن ما أسماها "الأوقات الصعبة والعصيبة التي تمر بها الولايات المتحدة وقواتها فيه"، من هنا جاء إعلان أحد جنرالاته الكبار عن عزم سلطة الاحتلال على البقاء في العراق حتى عام 2010.
كما أكد مركز دراسات مرموق في الولايات المتحدة أن حظوظ النجاح في حفظ الأمن وتعزيز الاستقرار في العراق لا تتجاوز 50 في المائة. واستدل على ذلك بما حصل أثناء قيام المجلس الوطني العراقي الذي تتنازع السيطرة عليه كل من واشنطن وطهران بإقرار قانون تقسيم العراق الذي اصطلح على تسميته "قانون تشكيل الأقاليم"، إذ لقي 25 عراقيا حتفهم وأصيب العشرات بجروح وقتل ثلاثة جنود أمريكيين في منطقة الأنبار السنية، كما استدل على ذلك بسقوط 150 آخرين نتيجة العنف المذهبي في ثلاثة أيام فقط.
الدراسة التي قامت بها جامعة "جون هوبكنز" في بلتيمور بولاية ميريلاند الأميركية ونشرت نتائجها مجلة "لانست" الطبية البريطانية في 11 الجاري قدرت حصيلة القتلى من العراقيين منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة بحوالي 655 ألف قتيل. ويعني هذا أن معدل الوفيات أرتفع بنسبة ثلاثة إلى واحد مقارنة بما كان عليه الحال قبل الغزو. وقال جيلبرت بورنهام معد الدراسة والأستاذ في كلية بلومبرج للصحة العامة بالجامعة "هذا بوضوح عدد يفوق الذي يفكر فيه كثيرون".
وكشفت الدراسة أن 654965 عراقيا "بالتمام والكمال" لاقوا حتفهم منذ بدء الحرب ، مما يعني أن نحو 2,5 في المائة من الشعب العراقي قتلوا نتيجة الحرب العدوانية على بلادهم دون مبررات أو مسوغات إنسانية أو قانونية، وهو إذا ما طبقنا قانون النسبة والتناسب على عدد السكان في كل من العراق والولايات المتحدة يوازي 40 مليون أميركي!! ووفقا للدراسة فقد ارتفع معدل الوفيات الناجمة عن أعمال العنف في العراق من 3,2 حالة وفاة في كل 1000 شخص في العام الأول للاحتلال إلى 12 وفاة لكل 1000 شخص في الفترة الممتدة بين حزيران 2005 وحزيران 2006.
وطبقا لدراسة جيلبرت بورنهام فإن أغلب الوفيات التي أعلن عنها في الدراسة هي لرجال في سن حمل السلاح، وشكل الصبية والرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و44 عاما نحو 60 في المائة من الوفيات الزائدة، والأعيرة النارية هي السبب الرئيسي للوفيات الناتجة عن العنف . وتم تأكيد الوفيات في 92 في المائة من الحالات بشهادة وفاة، وفي حوالي نصف العائلات التي أشارت إلى حالة وفاة لم يكن هناك يقين بشأن من المسؤول!!
وكان الباحثون ومن بينهم بورنهام قد أطلقوا صيحة جديدة بالدعوة إلى تشكيل هيئة دولية لتقييم الزيادة في حجم الوفيات في العراق، وقال بورنهام "رغم أن مثل هذه المعدلات للوفيات قد تكون شائعة في أوقات الحرب فإن الجمع بين طول المدة وعشرات ملايين المتضررين يجعل من هذه الحرب الصراع الدولي الأشد فتكا في القرن الحادي والعشرين".
ومن جانبه أكد الخبير والمحلل في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" في واشنطن انتوني كوردسمان "أن حظوظ الجيش العراقي الذي تعول واشنطن على بنائه في حفظ الأمن والاستقرار في العراق لا تتجاوز 50 في المائة"/ واستبعد أن تستقر الأوضاع في العراق المحتل قبل العام 2012 إن لم يكن 2015، وهو ما ذهب إليه أيضا رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال بيتر شوميكر الذي أكد بدوره على "أن مستوى القوات الأمريكية في العراق سيبقى كما هو إلى حين حلول العام 2010".
وتشير إحصاءات وزارة الهجرة والمهجرين في الحكومة العراقية العميلة إلى أن نحو 750 ألف عراقي هاجروا إلى الأردن و500 ألف آخرين هاجروا إلى سوريا و90 ألفا إلى إيران. ونشرت صحيفة "المشرق" "العراقية" في الأسبوع الماضي إعلانا مدفوع الثمن لشركة تدعو فيه العراقيين والفلسطينيين الراغبين في الهجرة لدوافع إنسانية إلى بلدان مثل كندا وألمانيا والسويد واستراليا لقاء دفع أجور زهيدة مراجعتها لإجراء اللازم.
وكان مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية يان إيجلاند قد أعلن في وقت سابق من هذا الشهر عن أن قرابة مائة شخص يقتلون يومياً في العراق نتيجة "العنف الوحشي والفظ الذي خرج عن نطاق السيطرة"، وقال إن ثلاثة آلاف شخص قتلوا في العراق خلال الشهور القليلة الماضية، وأضاف أن "العنف الطائفي والميليشيات المسلحة وفرق الموت خلقت وضعاً حيث تبدو أعمال القتل الثأرية خارجة عن نطاق السيطرة تماما، فالكثيرون قتلوا بإطلاق الرصاص عليهم أو تم تعذيبهم حتى الموت". وأشار إلى أن "ألف شخص على الأقل يهجرون بيوتهم بصفة يومية، وتعرض نحو 1,5 مليون شخص للتشرد الداخلي على مدار الستة أو الثمانية أشهر الماضية، ويعيش ما بين 1,2 و1,5مليون عراقي في دول الجوار، ويعبر قرابة ألفي عراقي الحدود إلى سوريا يوميا، وفقدت الجامعات والمستشفيات نحو 80 في المائة من هيئاتها المهنية".
وفي تعليق له على الأرقام التي أوردتها دراسة جيلبرت بورنهام، قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة "إن هذه نزعة متصاعدة للهجرة الجماعية... نحن بحاجة لوقف هذا التيار بالحفاظ على مستوى الخدمات وتعزيز العمل الإنساني الذي يصعب جدا القيام به في ظل بيئة غير آمنة".
وفي ما يمكن اعتباره خطوة متقدمة على طريق تقسيم العراق وسلخه عن محيطه العربي، وافق "المجلس الوطني العراقي المنتخب" بإرادة سلطة الاحتلال على "قانون يحدد آليات تشكيل مناطق فيدرالية في العراق"، وأقر القانون بأغلبية اللاهثين وراء إقامة دولة انفصالية في الشمال ومنطقة حكم ذاتي في الجنوب الغني بالنفط. ولم يشارك النواب من "تيار الزعيم الشاب مقتدى الصدر" و"حزب الفضيلة" الأصغر حجما في الاقتراع، ما أظهر أن الدعم وسط الائتلاف الموحد للفيدرالية لم يكن بالإجماع. وقد أعاد "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" في العراق أكبر "أحزاب الائتلاف الموحد" الذي يتزعمه "عبد العزيز الحكيم" مطالبته بدمج تسع من محافظات العراق الثماني عشرة في منطقة واحدة ذات حكم ذاتي بجنوب العراق الذي يغلب على سكانه الشيعة، في الوقت الذي يكرر السنة مطالبتهم بإدخال تعديلات على "دستور بريمر" لضمان اقتسام عائدات النفط.
لا شك أن الجهة التي أصدرت الدراسة هي موضع ثقة المؤسسات الرسمية الأميركية التي عُرفت بصلاتها الوثيقة بها وإنجازها الكثير من أعمالها البحثية وبالأخص الاستراتيجية، وعندما قامت بهذه الدراسة الهامة والمثيرة للجدل، لا بد أنها اتبعت المعايير العلمية السليمة والدقيقة للتوصل إلى النتائج المرجوة، وقد أثبتت الدراسات والأبحاث التي أجرتها في مناطق مختلفة من العالم شفافيتها ومصداقيتها العاليتين. ولأنها كذلك ولأنها كشفت عن هول الكارثة التي أحدثها الاحتلال الأميركي الغاصب في العراق ووضعت الرأي العام العالمي بما فيه الأميركي أمام "الحقيقة العارية" التي تؤكد أن كل ما تطرحه إدارتهم هو مجرد شعارات فارغة وجوفاء، غضب الرئيس جورج بوش وخرج عن طوره، وكذلك فعل أركان إدارته المتمسكين بدبلوماسية الطائرات والقاذفات الصاروخية نهجاً واستراتيجية لهم في التعاطي مع الشعوب وقضاياها.
ولا أرى أن ثمة مجال للنظر إلى دراسة جيلبرت بورنهام في غير السياق الذي أراده لها، فهي على ما أرى خطوة على الطريق الصحيح ولبنة تضاف إلى مثيلات سبقتها إلى النشر ستؤدي في وقت ليس ببعيد إلى إماطة اللثام بشكل فاضح وصريح عن الأذى الذي ألحقته إدارة المحافظين الجدد اليمينية المتطرفة في واشنطن بالعراق والعراقيين والعرب أجمعين ، وقبل هؤلاء جميعاً بالمصالح الأميركية على جميع المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية.
وحتى لو سلم الناس جميعاً بأن الأرقام التي قدمها بورنهام في الدراسة مبالغ فيها "كثيراً أو قليلاً" كما ادعى الرئيس بوش وأركان تلك الإدارة ، هل يجرؤ أحد منهم على الادعاء أنه يرى في عراق اليوم شيئاً غير الفوضى العارمة والدمار والخطف والسحل والقتل والاقتتال والتهجير والاغتصاب والاعتداء على الحرمات والأعراض؟!! هل هذا هو العراق الديمقراطي الذي أراده بوش وعصابته نموذجاً للشرق الأوسط الجديد!!