صرخة من "بيت حانون"...
أين أنتم يا عرب؟!
محمد العبد الله/كاتب من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
ثلاثة أيام مرت، والمجزرة الوحشية الصهيونية تتصاعد على أرض بلدة "بيت حانون" أو كما يسميها أهل "غزة" (عروس الشمال)، فأمطار "غيوم الخريف" العسكرية تتساقط كتلاً من القذائف والرصاص على الشعب والأرض. إنها المرحلة المتقدمة من "أمطار الصيف" و "رجل المطر"، فهي الحلقة الجديدة من الجرائم المتدحرجة التي عرفها شعبنا منذ عشرة عقود من الزمن. هَطَلت الأمطار النارية مع إعطاء إشارة البدء الأمريكية، فالمتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "شون ماكومارك" علّق على تصريحات حكومة العدو التي مَهَدَت للعدوان بقوله - نقلته الوكالات قبل بدء المجزرة بساعات - (إن "إسرائيل" دولة تتمتع بالسيادة، وهي لا تحتاج إلى إذن الولايات المتحدة للتحرك دفاعاً عن النفس... وهي ليست بحاجة إلى إذن، نحن لا نعطي ضوءاً أحمراً أو برتقالياً أو أخضر). مع الساعات الأولى ليوم الأربعاء بدأت المذبحة، بعد أن أصدر المجلس الوزاري، الذي أضافت له أفكار وخطط العنصري الفاشي "أفيغدور ليبرمان" ما يحتاج من الهمجية والوحشية. لقد انطلقت وحدات من لواء "غولاني و جفعاتي" ومن فرقة المدرعات وسلاح الهندسة المدعومة من الطائرات، في عملية عدوانية جديدة، يحددها المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أليكس فيشمان بأنها (عملية موضعية، مع أهداف محددة، ولفترة زمنية محدودة، لكنها يمكن أن تكون متداخلة مع عملية أخرى في جبهة أخرى، نحن في مسيرة تدريجية، نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق في غزة).
جاءت المجزرة الجديدة كمحاولة لإعادة "المجد المفقود" للمؤسسة العسكرية، التي تَكَشَفَت هشاشة بنيتها، وضعف أدائها، في أثناء عدوانها على لبنان في تموز / يوليو الفائت. وهو ما أكدته افتتاحية صحيفة "هآرتس" في اليوم الثاني للعدوان (لقد تحولت العملية إلى جزء من صراع البقاء غير المشروع، الذي يقوده أولئك الذين أداروا حرب لبنان). إن القتال البطولي الذي يخوضه المقاومون في شوارع وأزقة بيت حانون،في ظل إمكانيات محدودة، وحصار شامل، دفع بالعدو للاعتراف بصعوبة المهمة التي يسعى لإنجازها. وهو ماأشارت له صحيفة "هآرتس" يوم 2/11 في خبرها الرئيسي عن معارك غزة (لقد اصطدمت بمقاومة فلسطينية شديدة، تضمنت نار الصواريخ المضادة للدبابات، وتفعيل عبوات ناسفة وإطلاق نار من سلاح خفيف) واصلت باقتدار أسطوري إطلاق الصواريخ على المستعمرات الصهيونية، مما يثبت عجز القوات المتقدمة عن تحقيق أحد أهدافها، على الرغم من التفوق التقني الكبير، وارتفاع عدد الشهداء بشكل متسارع - ثلاثون شهيداً - وما يزيد عن مائة وسبعين جريحاً، معظمهم من المدنيين في عدة مناطق من القطاع الصامد. فالمجازر التي تتوسع في كل ساعة، استهدفت المساجد والمستشفيات وبيوت المواطنين التي تعرضت للتفتيش والتدمير، إضافة لإطلاق الرصاص من الرشاشات الثقيلة باتجاه المظاهرة النسائية السلمية التي انطلقت من عدة أحياء داخل " بيت حانون "، لتخفيف الضغط على المقاتلين، وهو ما أدى لسقوط العشرات منهن بين شهيدة وجريحة. وحتى الإعلاميين لم ترحمهم رصاصات الغزاة فقد سقط الصحافي الفلسطيني "حمزة العطار" جريحاً وهو يقوم بتغطية المظاهرة النسائية، فالجريمة يجب أن تتم دون شهود! إنها العقلية "الديمقراطية" الحريصة على حرية التعبير، التي يتعامل من خلالها جنود وضباط الغزو في كل من فلسطين والعراق مع الإعلاميين.
لقد كشفت المذبحة الحالية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني مجدداً زيف الإدعاءات الحكومية الدولية حول حماية المدنيين. إن العالم "الليبرالي والديمقراطي" يغض الطرف ويتعامى عن إرهاب الدولة المنظم الذي تمارسه قوات الاحتلال" قتلاً وحصاراً "، بل إنه يصم أذنيه عن النداءات التي يطلقها المواطنون من داخل الأراضي المحتلة، وهم يستغيثون لتأمين العلاج للجرحى الذين تُمنع سيارات الإسعاف من الوصول إليهم. إن جرائم القتل المنهجية، وسياسة الأرض المحروقة، التي تمارسها حكومة العدو، تستند إلى "صمت القبور" الذي يلف العالم الآن. فمؤسسات المجتمع الدولي واللجنة الرباعية غير معنية بما يحصل في بيت حانون وجباليا والشجاعية وخان يونس ورفح ونابلس وجنين وبيت لاهيا، لكنها تستنفر كل طاقاتها لإطلاق سراح عسكري صهيوني، وقع في الأسر أثناء عملية عسكرية، بينما يقبع أكثر من تسعة آلاف معتقل فلسطيني "رجالاً ونساءً وأطفالاً" خلف قضبان المعتقلات الصهيونية. وإذا كانت لامبالاة الحكومات العالمية "الديمقراطية!" غير مقبولة، فكيف يمكن لنا أن نتقبل الصمت العربي؟! فـ"الحرارة" مازالت تسود العلاقات بين بعض النظم "العربية" ودولة العدو، من خلال السفارات ومراكز التمثيل التجاري والشركات، التي لا تعدو كونها مراكز للتجسس والتآمر.
إن حرارة الدماء الطاهرة التي تنزف في كل ساعة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، يجب أن تدفع بقوى العمل الوطني إلى ضرورة التوحد حول برنامج المقاومة والصمود، خاصة مع الوحدة القتالية التي سطرها المقاتلون في ساحات المواجهة المحتدمة مع العدو. فقد كشفت المجزرة الجديدة أن العدو ماضٍ في سياسة التدمير، ليس للإنسان والأرض فقط، بل ولكل الاتفاقيات التي تم توقيعها معه. إن كياناً سياسياً قام على طرد أصحاب الأرض الأصليين، واستمر في ملاحقتهم وتصفيتهم، لا يمكن التوهم بإمكانية "السلام" معه.
إن المهمات الراهنة على الصعيد الوطني/ القومي والأممي تتطلب العمل الفوري من أجل وقف المجزرة، وفك الحصار عن الشعب، وهذا لن يتم إلا ّ بوحدة وطنية حقيقية، تجمع كل القوى المؤمنة بحقها بالمقاومة والاستقلال، على برنامج المواجهة الشاملة المستند إلى بنية مجتمعية متماسكة في وجه كل الضغوط.