العراق: فخ أمريكي جديد غطاؤه المفاوضات
عوني القلمجي
يبدو أن
موضوع المفاوضات بين المقاومة العراقية والمحتل أو أطراف منها، أصبح ساخنا هذه
الأيام، جراء الإشاعات والأخبار المتداولة بين الناس، وكلها تتحدث عن وجود مثل هذه
المفاوضات، مرة تتهم حزب البعث العربي الاشتراكي، وأخرى "الجيش الإسلامي" وثالثة
مجموعة من فصائل المقاومة، يذكرون عددها دون ذكر أسمائها، وكان آخر هذه الأخبار تلك
التي تحدثت عن لقاء مغلق تم في مبنى السفارة العراقية في عمان، بين الأمريكيين
و"الجيش الإسلامي" في العراق، الذي قيل انه يفاوض باسم أطراف مسلحة أخرى. لكن البعض
فسر ذلك، بأن إدارة بوش هي من سرب هذه الإشاعات لكسب أصوات الأمريكيين، قبيل
الانتخابات النصفية للكونغرس التي ستجري بعد يومين، وفعلا تحسن وضع "الحزب
الجمهوري" وكسب أربع نقاط إضافية، ويبدو أن هذه الأطراف فضلت عدم الرد على هذه
الأخبار كونها لعبة مكشوفة، وتركت أصحابها يدفنونها بعد انتهاء الغرض منها.
وبصرف النظر عن ما قيل ويقال، فأن بعض الرواة يقولون والعهدة عليهم، بأن ما جرى من إشاعات كان لها غرض آخر، غير انتخابات الكونغرس، يتم قضاؤه بالكتمان، حول مفاوضات جدية تجري بين الأمريكيين وأطراف من المقاومة، لوضع ترتيبات لانسحاب القوات الأمريكية من العراق بما يحفظ لها ماء الوجه. وعلى الرغم من أن هذه الأخبار لا تستند إلى دليل، وأن برنامج المقاومة العراقية واضح وجلي، خلاصته: أن لا مفاوضات مع المحتل قبل أن يعلن استعداده للانسحاب دون قيد أو شرط، فإن الواجب يتطلب منا أن نذكر، بأن مبدأ المفاوضات ليس مرفوضا، لكن للمفاوضات قوانين تحكمها وأساليب لإدارتها وتوفر ظروف ملائمة تخدمها وتوقيتات يجب حسابها بدقة، ومعرفة بقوى الخصم والأهداف التي ينوي تحقيقها، إضافة إلى التأكد من مصداقيته، لأن دخول أي طرف من أطراف المقاومة أو عدد منها في مفاوضات مع المحتل، دون امتلاك هذه المعرفة أو الأسلحة، سيؤدي إلى نتائج تلحق بالمقاومة أضرارا بالغة.
أول ما يتبادر إلى الذهن، هو القوانين العامة التي تحكم أي مفاوضات بين طرفين، ومنها أو على رأسها، حساب موازين القوى بينهما، فهي التي تتحكم، ليس بالمفاوضات وحدها، وإنما بنتائجها أيضا، صحيح أن التفاوض يدخل ضمن إطار عملية سياسية لها قوانينها وظروفها، لكنه في نفس الوقت يعد جزءا لا يتجزأ من الصراع الدائر بين المقاومة وقوات الاحتلال، ولذلك فإن المفاوض من كلا الطرفين يستمد قوته من الجهة التي يمثلها، فالقوي يستطيع أن يحصل على ما يريد، والضعيف يعطي دون مقابل يستحق الذكر، فليس غريبا والحالة هذه أن يلجأ المهزوم أو من هو على أبواب الهزيمة، إلى طلب المفاوضات، في حين يرفض المنتصر أو من هو على أبواب الانتصار، التفاوض قبل أن يتأكد من أن الخصم قد فقد القدرة على الصمود نهائيا، وأصبح على استعداد لتلبية كافة الشروط مقابل بعض المكاسب المحدودة التي تحفظ له ماء الوجه، وواقع الحال، إن كل الدلائل تشير إلى أن ميزان القوى العسكري والسياسي والقانوني وحتى الأخلاقي والإنساني، يميل بشكل واضح إلى جانب المقاومة العراقية الباسلة، فأمريكا اليوم تعاني أشد حالات الضعف، وتبحث وبكل الوسائل عن حل لإنقاذ مشروع الاحتلال من السقوط، ومن ضمن هذه الوسائل اللجوء إلى سلاح المفاوضات، باعتباره أهم أسلحة المحتل لتدمير المقاومة، وذلك من خلال إقناع المقاومة بالتخلي عن سلاحها، وإدخالها في نفق المفاوضات المظلم، ولنا في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية خير دليل على ذلك، والمقصود هنا المفاوضات التي بدأت في أوسلو، وانتهت إلى اتفاق خسرت فيه منظمة التحرير كل شيء، حيث تحول الاتفاق على إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة الكيان الصهيوني، وهو بحد ذاته تنازل كبير واعتراف بـ"دولة اسرائيل"، إلى دويلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم إلى حكم ذاتي، ثم إلى تنازع السيطرة على معبر رفح.
وضمن هذا السياق فانه من الخطأ القاتل أن تبادر المقاومة وتعلن استعدادها للتفاوض، لأن ذلك يعد رسالة خاطئة للعدو، توحي بأنها ليست في وضع يسمح لها بالاستمرار في المطاولة في الجهاد، في حين أن النهج الصائب هو عدم تقديم مبادرة للعدو، بل الاستمرار بعمليات إنهاكه وإجباره على طرق أبواب المقاومة، فلا نقارب عدونا كل المقاربة فنغريه بتوهم ضعفنا . أما المصيبة الكبرى فهي: إذا قررت جهة أو طرف من المقاومة، الدخول في مفاوضات منفردة مع المحتل، لأن ذلك يشكل خطورة بالغة، كونه يعطي الذريعة والمبرر والتشجيع لآخرين للهرولة باتجاه المحتل كل على انفراد، وهذا يهدد وحدة موقف فصائل الجهاد والمقاومة، ويتيح للعدو القدرة على تمرير دسائسه وخلق أجواء الانقسام في الخندق الوطني المقاوم، مما يعيد إلى سياسة الخطوة خطوة التي ابتكرها كيسنجر لتفكيك القضايا الوطنية.
ترى ما هو ميزان القوى المتحقق على الأرض ولصالح من يميل هذا الميزان؟
يضع كلاوز فيتز أشهر عسكري ألماني في القرن التاسع عشر أربعة شروط لنجاح واستمرار حروب المقاومة الشعبية: الأول أن تدار العمليات من داخل البلاد، والثاني أن لا تعتمد الحرب الشعبية على معركة واحدة، والثالث أن يمتد مسرح العمليات إلى مساحة واسعة، والرابع أن تحظى الحرب بمساندة شعبية، وكل هذه الشروط متحققة دون شك أو تأويل. وبعد ذلك يرسم كلاوز فيتز شروط العمليات القتالية من قبل المقاومة فيقول: يجب عدم استخدام المسلحين ضد القوّة الرئيسية للعدو، حتى ولا ضد وحدات كبيرة الحجم، يجب عدم محاولة سحق قلب الجيش المعادي في البداية، بل يجب الرمي والتركيز على المؤخرات والمجنبات، يجب احتلال القطاعات التي لم يدخلها العدو بقوات كافية واسترجاع هذه المناطق كليًا من قبضته، يجب أن تستمر هذه السُحُب العاصفة المشكَّلة على أجنحة الجيش ومؤخراته حتى تستنزفه، وعلى هذه الوحدات الصغيرة يجب أن تشعل نار الحرب الشعبيّة لأن الانتصارات الصغيرة للقوات الشعبيّة تنمي الشجاعة والحماسة لدى الأهلين فتزداد المقاومة والنضال حتى يصلا إلى الذروة التي تقرر جميع النتائج وهذا ما يحصل فعلا.
ويرى كلاوز فيتز أن الصفات المميزة الشعبيّة والتنظيميّة لمجموعات المدنيين المسلحة تشكل سلاحًا للدفاع الاستراتيجي... إلا أنه يجب بشكل عام أن تكون أعمال العصابات الشعبيّة المسلحة تكتيكيًا انتقاميًا يستهدف قوات العدو بالإغارات المداهمة، والكمائن، ووخز العدو في كل موضع من جسمه حتى تشل قواه ويصبح غير قادر على القتال، وبالرغم من أهميّة الدفاع عن المواضع الحصينة إلا أنه من الأفضل التفرّق بعد كل التحام أو الانسحاب من موضع، استعدادًا لشن هجوم معاكس من موضع آخر وهذا أفضل بالطبع من حفر خندق دائم والاستعداد به لعمل جديد، أليس هذا ما تفعله المقاومة؟ وبعد نصف قرن من الزمن أكد ماو تسي تونغ ما قاله كلاوز فيتز في كتابه " المشاكل الاستراتيجية لحرب العصابات".
ترى هل قرأ المقاومون العراقيون كلاوز فيتز أم لا؟ أعتقد أن قادتهم قد فعلوا ذلك، وإن لم يفعلوا فأن ما تقوم به المقاومة العراقية هو صورة طبق الأصل لما قاله هذا العسكري الألماني قبل أكثر من مئة عام. ثم الم تكن النتائج مطابقة لما وصل إليه الغزاة من وضع محرج وسيء ينبئ بالهزيمة عاجلا أم آجلا؟ ثم أليست قوات الاحتلال هي المهزومة على ارض الواقع ؟ ان احترام عقل القارئ، يحتم علينا ألا نعيد الأدلة والبراهين لإثبات هذه الحقيقة، خاصة وأن بوش نفسه قد تخلى عن الحديث حول الانتصار، وتحول إلى مجال البحث عن الحلول التي تجنبه الهزيمة المنكرة، ولجنة بيكر - هاملتون خير دليل على ذلك.
إذا كان ذلك صحيحا وهو صحيح قطعا، فلماذا لا نصدق بأن أمريكا قد حسمت أمرها، وأنها تسعى فعلا إلى إجراء مفاوضات مع المقاومة، لترتيب خروجها من العراق بما يحفظ لها ماء الوجه، وفي هذه الحالة فانه ليس مهما من يبدأ بالمبادرة؟
من اهم واجبات الوطنيين العراقيين وعلى الرغم من إيمانهم المطلق بانتصار المقاومة العراقية، فأنهم ملزمون بان يكونوا عيونا ساهرة لحماية مسيرة المقاومة من أي ضرر يقع عليها، وان يكونوا عونا لها، وان يضعوا بين يديها ما لديهم من خبرات وحقائق، لا أن يتزلفوا لها ويحرموا انتقادها أو حتى توجيه النصائح المخلصة لها . وفي هذا الصدد يجب التذكير بأهداف المحتل التي جاء بها، وفيما إذا كانت قابلة للتنازل، او التخلي عنها طواعية في هذا الظرف بالذات، الذي لا يزال فيه المحتل، يمتلك من الإمكانات العسكرية والسياسية ما تساعده على الصمود فترة إضافية، أو تجنبه الهزيمة على وجه السرعة. وهذا يندرج في إطار ضرورة فهمنا لتلك الأهداف، وإذا كان المحتل مستعد للقتال من اجلها، وتقديم أغلى التضحيات لتحقيقها، والحديث هنا يتصل تماما بمئات الأدلة والبراهين التي تؤكد على أن الإدارة الأمريكية تعتبر هزيمتها في العراق هزيمة لمشروعها الإمبراطوري الكوني، والذي يعد العراق فيه حجر الزاوية، ليس هذا فحسب، وإنما سيصبح بإمكان أي دولة مهما كانت صغيرة أن تقول لا لأمريكا في أي شأن يخصها، بعد أن تفقد هيبتها وسمعتها كأكبر قوة في التاريخ، وخلاصة القول فأنه المبكر الدخول في مفاوضات مع المحتل، قبل أن يقتنع بان لا جدوى في بقاء قواته في العراق.
ولكن ليس هذا كل شيء، فهناك اعتبار آخر يجب وضعه بالحسبان، وهو أن القرار الأمريكي لم يعد قرارا أمريكيا خالصا، منذ الساعة التي دخل فيها بوش الصغير البيت الأبيض، فالصهيونية العالمية وكيانها في فلسطين المحتلة أصبح لهما حصة الأسد في صناعة القرار الأمريكي، وخاصة فيما يتعلق الأمر بالعراق. ومعلوم مدى الحقد والكراهية الشديدة التي يضمرها هؤلاء للعراق وشعب العراق. ولهذا فليس من الحكمة أن نستعجل النصر قبل أوانه، أو تحقيق نصر مثلوم، فالدماء كانت غزيرة والتضحيات التي دفعها العراقيون جسيمة، والحكمة إلى جانب السلاح أمر في غاية الأهمية، ولا يساورنا ادني شك بأن المقاومة سائرة بثبات على طريق تحقيق النصر الأكيد، والتذكير بثقل المهمة واجب كل وطني عراقي، يتطلع إلى اليوم الذي يرى فيه بلده محررا من رجس المحتلين.