هل ينجح عصيان لا عسكري في لبنان؟
د. عصام نعمان *
العصيان لون من ألوان التمرد، عندما يكون العصيان مسلحا يسمّونه انقلاباً عسكريا، عندما يكون غير مسلح يسمّونه انتفاضة، أين الوضع في لبنان من هذه التسميات؟
إنه أقرب ما يكون إلى عصيان متعدد الألوان والأوصاف، لكنه يتصف، في الغالب، بخصائص عصيان لا عسكري.. أعني بالعصيان اللاعسكري تمرداً مختلطاً، ينطوي على تظاهرات واعتصامات ودعوة للعصيان المدني وشيء من العنف الكلامي والبدني الذي تطرّزه أحيانا تفجيرات غامضة لا يمكن نسبتها إلى عسكريين، كما لا يمكن القطع بأنها من فعل مدنيين متعسكرين أو مخابراتيين، لكن من الممكن دائما نسبتها إلى مجهولين، وحدها السلطات الأمنية والقضائية في لبنان تسمّي الفاعلين مجهولين، الأطراف المتصارعون لا يسمّونهم كذلك بل يحرصون غالباً على اعتبار الفاعلين مجندين سريين لجهات معلومة. أبرز هذه الجهات سوريا بالنسبة إلى البعض و"إسرائيل" بالنسبة إلى البعض الآخر.
لماذا يجري تقديم سوريا على "إسرائيل" في هذا المجال؟
لأسباب ثلاثة: الأول لأن أنصار الرئيس رفيق الحريري، رحمه الله، والمتضررين من تغييبه نسبوا جريمة اغتياله إلى سوريا، وحرصوا دائما وبصورة أتوماتيكية على اتهامها بكل جريمة اغتيال وقعت بعد ذلك على الأراضي اللبنانية.
السبب الثاني لأن للأجهزة الأمنية السورية "صيتاً" و"رصيداً" ساطعين كوّنتهما خلال عملها الدؤوب طيلة ثلاثين سنة في لبنان.
السبب الثالث لأن أجهزة المخابرات الأمريكية والفرنسية تحرصان أيضاً، في سياق حملة سياسية وإعلامية مغرضة، على اتهام سوريا دون غيرها.
انه لأمر لافت ومؤسف في آن أنّ فريقا من السياسيين لا يتوانى عن تبرئة "إسرائيل" من الاغتيالات والتفجيرات التي تقع في لبنان، وعن الجهر بأن "العدو المرحلي" بات سوريا، وهو اتهام ينبىء بأن لبنان، وليس سوريا وحدها، أضحى معرّضا لمخطط إجرامي يستهدف وحدته الوطنية والسياسية.
منذ 14 فبراير/ شباط تُرشّح "قوى 14 آذار" نفسها، كما يرشحها خصومها السياسيون والإشاعات، للقيام بحركة أو عصيان من أجل إزاحة الرئيس إميل لحود. ويتحصّل مما رَشَحَ من اجتماعات "قوى 14 آذار"، واتهامات خصومها، وتقارير وسائل الإعلام إن سيناريو إزاحة لحود، الذي يشبه إلى حدّ ما سيناريو إزاحة الرئيس بشارة الخوري العام 1952، يتضمن الخطوات الآتية:
* إطلاق حملة سياسية وإعلامية واسعة لتبيان شلل رئاسة الجمهورية في ظل لحود وانعدام فعاليتها.
* تنظيم حملة عرائض يوقعها نواب سابقون وحاليون، يصرحون فيها بأنهم تعرضوا لضغوط وتهديدات للموافقة على تشريع قانون تمديد ولاية لحود الرئاسية 3 سنوات في 3 أيلول/ سبتمبر 2004، الأمر الذي جعل القانون المذكور مشوباً بعيب الإكراه وبالتالي غير موجود وكأنه لم يكن، ومركز الرئاسة شاغراً تبعا لذلك.
* استصدار قرار توصية من مجلس النواب، إذا أمكن، برفْع العرائض المذكورة إلى مجلس الوزراء، وإذا تعذّر ذلك رفْع العرائض مباشرةً إلى مجلس الوزراء ومطالبته بدعوة مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
* تشديد حملة مقاطعة لحود سياسيا وبروتوكوليا وعزله في القصر الجمهوري وسط حملة إعلامية وشعبية متصاعدة لإزاحته.
* تطويق ثكنات الجيش وقوى الأمن وحتى القصر الجمهوري، أو محيطه على الأقل، بتظاهرات واعتصامات شعبية، مقرونة بإضرابات عامة ودعوة للعصيان المدني.
* تخويف قيادات الجيش وقوى الأمن الداخلي باحتمال سقوط ضحايا نتيجة التحركات والتظاهرات والاعتصامات الشعبية التي ستحصل وبالتالي تحميلها مسؤولية التصدي لها، كل ذلك بقصد تحييد القيادات والوحدات العسكرية وترك لحود من دون حماية، بما في ذلك الحماية المفترضة من الحرس الجمهوري.
* إقناع قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن الداخلي بتوجيه نداء إلى لحود بالتنحي إذا ما تجاهل التحركات والتظاهرات المار ذكرها.
* محاولة إقناع كل من عاهل السعودية الملك عبد الله والرئيس المصري حسني مبارك بإسداء نصيحة إلى لحود بالاستقالة حقناً للدماء وصونا لوحدة البلاد.
* مبادرة واشنطن إلى إغراء سوريا بدورٍ فاعل في تهدئة العراق وإعادة توحيده لقاء كفّ الضغوط الأمريكية عنها وتطبيع العلاقات معها، شريطة قيامها بالتخلي عن دعم لحود وبالتالي إقناع (حزب الله) بالموافقة على إزاحته.
* تتويج الضغوط على لحود بنداء لبطريرك المسيحيين الموارنة الكاردينال نصر الله بطرس صفير يدعوه فيه إلى التنحي ويسمّي الشخصية المعتدلة التي جرى التوافق على انتخابها خلفاً له.
هل ينجح هذا السيناريو ويُضطر لحود إلى التنحي؟
الجواب يتقرر في ضوء مواقف خمسة لاعبين أساسيين:
أولها موقف الولايات المتحدة.
هل تقرر إدارة بوش أن مقتضيات مواجهة ايران الناشطة لتصبح قوة نووية من جهة ومتطلبات الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من العراق من جهة أخرى تستوجب إعادة استيعاب سوريا وتأهيلها لتلعب دورا مهدئاً في العراق، شريطة موافقتها على ضبط (حزب الله) وتدجينه وحصره نهائيا في المعادلة السياسية اللبنانية؟
ثانيها موقف سوريا.
هل ما زال في وسعها الاستجابة للمبادرة الأمريكية السالفة الذكر والوفاء بمقتضياتها أم أن أوضاعها الداخلية من جهة والتحديات الخارجية البالغة الخطورة من جهة أخرى حسمت موقفها لجهة التحالف مع ايران إقليميا وتعزيز تحالفها مع (حزب الله) في لبنان وحركة (حماس) في فلسطين المحتلة؟
ثالثها موقف حزب الله.
هل يشعر بأن المقاومة الإسلامية في لبنان ستكون بمأمن من أخطار تنفيذ قرار مجلس الأمن 1559 القاضي بتجريدها من السلاح إذا ما رضخ الحزب لمقتضيات التفاهم الأمريكي السوري المحتمل، أم انه سيشعر بأن سلاح المقاومة سيبقى مهددا ودوره السياسي سيكون متراجعا إذا ما قُيّض لائتلاف قوى الأكثرية النيابية (سعد الدين الحريري وليد جنبلاط سمير جعجع) أن يستمر وأن يرفع واحدا من صفوفه إلى رئاسة الجمهورية؟
رابعها موقف العماد ميشال عون.
هل يرضخ للضغوط الداخلية والخارجية فيسلّم بالتسوية الجارية هندستها لإحلال غيره محل لحود في رئاسة الجمهورية وتقليص دوره السياسي تالياً وربما إلغائه مستقبلا، أم يقرر ترفيع تفاهمه مع (حزب الله) إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، ومواجهة الهجمة الأمريكية على لبنان والمنطقة بالتعاون مع سوريا أو من دونها، والعمل على تفكيك ائتلاف قوى الأكثرية النيابية وصولاً إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة تحمله وحلفاءه السياسيين إلى السلطة؟
خامسها موقف البطريرك صفير.
هل يتراخى أمام الهجمة الأمريكية الفرنسية وضغوط القوى المسيحية المعادية لحزب الله وللعماد عون ولسوريا فيدعو لحود إلى التنحي لمصلحة شخصية معتدلة وممالئة لائتلاف قوى الأكثرية النيابية، أم يقرر المحافظة على استقلاليته ودوره الوطني الجامع باعتماد مبادرة منبر الوحدة الوطنية (القوة الثالثة) (سليم الحص ورفاقه) التي تدعو لحود إلى التنحي في إطار عملية دستورية لاعتماد قانون عادل للانتخاب على أساس التمثيل النسبي وإجراء انتخابات مبكرة، فيقدّم لحود استقالته للمجلس النيابي الجديد الذي يقوم بانتخاب رئيس جمهورية بديل عنه، هكذا يتغيّر المشهد السياسي اللبناني في مدى ستة أشهر لا أكثر: قانون انتخاب جديد، وانتخابات نيابية جديدة، ورئيس جمهورية جديد، وحكومة جديدة، كل ذلك يتمّ من خلال توافق وطني جامع، وعملية دستورية ديمقراطية، بأقل تكلفة سياسية واقتصادية ممكنة.
الصراع مستمر ومحتدم ومتصاعد.
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان