الفوضى الخلاّقة من خلقها؟
د. عصام نعمان *
هو جورج دبليو بوش من ابتدع مصطلح "الفوضى الخلاقة"، لكن هل تراه وحده المسؤول عن خلقها ورعايتها ونشرها في ربوع الكون؟
لا شك في أن لبوش وحكومته دوراً رئيساً ووازناً في توليدها وتعميمها والاستفادة منها. فالولايات المتحدة هي الدولة الأعظم في عالمنا المعاصر، والقطب الأول وربما الأوحد بمعايير القدرة العسكرية والاقتصاد القوي والنفوذ الواسع والثراء الوفير والحركة الفاعلة في أربع جهات الأرض، وهي أكبر مستورد ومستهلك للنفط، لذا هي أكبر ملوّث للبيئة. ومع ذلك فهي أبرز الدول الرافضة توقيع "معاهدة كيوتو" لحماية البيئة. وهي أقوى قوة عسكرية وأكثرها انتشاراً في العالم، وأولى الدول في صناعة الحروب وتكثيرها ونشرها والتسبب في النكبات والكوارث والضحايا البشرية، ومع ذلك فهي الدولة الأبرز والأظلم في رفض توقيع اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية.
صحيح أن كل هذه المعاصي مصدرها أمريكا، وأن سلوك صاحبتها يفسد الحياة الدولية على جميع المستويات، لكن، هل كان في وسع “العم سام” أن يرتكب كل هذه المعاصي والحماقات والممنوعات في كل زمان ومكان لولا أن معظم "الأعمام" و"الأخوال" و"الأنسباء" من دول العالم يشاركه فيها بقليل أو كثير أو يسكت عنها دائماً أو أحياناً؟
لنأخذ، مثلاً، القضية الساخنة التي ينشغل بها العالم حاليا، أي قضية الملف النووي الإيراني، إن جوهرها يتلخّص بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، وهو موقف كانت كرّسته معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية. لكن من تراه كان وراء تمكين بعض دول العالم من دون سواها من امتلاك القدرات النووية؟ أليست فرنسا الأطلسية في منتصف الخمسينات من زود "إسرائيل" بمفاعل ديمونا الذي أصبح نواة الصناعة النووية الصهيونية؟
من تراه ساعد الهند وباكستان في ذروة الحرب الباردة في السبعينات والثمانينات على امتلاك القدرات النووية؟ أليست أمريكا وروسيا والصين من هتك أحكام معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية بتقديمها العون العلمي والتكنولوجي لتينك الدولتين؟
من ساعد كوريا الشمالية على امتلاك القدرة النووية؟ أليس للصين وروسيا وحتى لباكستان عبر خبيرها النووي الأبرز عبد القادر خان دور في ذلك؟
كل هذه الدول مسؤولة بدرجات متفاوتة عن انتشار الأسلحة النووية، ومع ذلك فإنها لا تقرّ بمسؤوليتها فحسب بل تبدو عاجزة أيضا عن الاتفاق على سياسة موحدة في خصوص الملف النووي الإيراني، وهو عجز يستولد فوضى موصوفة في هذا المجال.
فدول الاتحاد الأوروبي، لاسيما فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تتشدد حينا ثم تتراخى حينا آخر. تتفق مع أمريكا على مبدأ منع إيران من التسلح النووي وتلوّح بعرض القضية على مجلس الأمن الدولي ثم لا تلبث أن تقرر، بالتفاهم مع واشنطن، مباشرة المفاوضات مع إيران لإقناعها بتعليق عمليات تخصيب اليورانيوم بصورة دائمة أو مؤقتة لقاء مكافآت ومزايا تكنولوجية تمنحها إياها في ميادين أخرى، لكن ما أن رفضت إيران هذه العروض وانهارت المفاوضات في شأنها حتى تقدّمت روسيا بعرضٍ آخر قوامه أن يجري تخصيب اليورانيوم لمصلحة إيران إنما في داخل روسيا. طهران رفضت العرض أو كادت، فما كان من موسكو إلاّ أن عدّلته باتجاه أن يُقام مشروع مشترك روسي إيراني لتخصيب اليورانيوم في روسيا. طهران لم ترفض المشروع الجديد بل لوّحت بأنها في صدد درسه وشفعت موقفها المتريث بالدعوة إلى معاودة المفاوضات مع الثالوث الأوروبي، فماذا كانت ردة الفعل؟ رفض سريع من وزير خارجية بريطانيا جاك سترو بدعوى أن العرض الإيراني فارغ! ما البديل؟ دعوة مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية لعقد اجتماع من أجل تدارس مشروع قرار بإحالة الملف إلى مجلس الأمن من دون تضمينه نصا بفرض عقوبات على إيران...
روسيا والصين تحفظتا على سلوكية الثالوث الأوروبي، وأمريكا أبدت إشارات إيجابية تجاهه مع تمسكها، ضمنا، بمطلب فرض العقوبات. أما الجديد في موقفها، أو بالأحرى في موقف حزبها الجمهوري الحاكم فهو تنامي الدعوة إلى استخدام الخيار العسكري. فالسيناتور الجمهوري النافذ جون ماكين يخاطب رئيسه بوش محذّرا: "القول إننا لن نمارس الخيار العسكري في أية ظروف سيكون نوعا من الجنون".
إن المرء ليحار هل هي فوضى خلاّقة أم غير خلاّقة تلك التي تطبع مداولات الدول الكبرى في الملف النووي الإيراني أم هو الجنون الذي يدعو ماكين رئيسه إلى ممارسته في معرض التحذير منه؟
لنأخذ مثلاً آخر: التحقيق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وتردّي العلاقات اللبنانية السورية، فقد ألّف مجلس الأمن لجنة دولية للتحقيق في الجريمة النكراء، وادّعى جميع الأطراف، لبنانيين وعربا ودوليين، إنهم ملتزمون تسهيل أعمال اللجنة توخيا لمعرفة الحقيقة. ومع ذلك يأتي نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني متجولا في المنطقة ليبحث مع زعماء دولها مختلف القضايا العالقة، ومنها مسألة التحقيق المشار إليه، لكن سرعان ما يتبيّن للعالم أجمع أن لا لزوم للتحقيق. فقد صرح آدم ايريلي باسم الخارجية الأمريكية لقناة "الحرة" الفضائية الأمريكية بأن تشيني حمل إلى السعودية ومصر رسالة واضحة مفادها أن دمشق "لا يمكنها التهرب من دفع ثمن مسؤوليتها عن اغتيال الحريري وفي محاسبة المسؤولين السوريين عن الجريمة من الرئيس الأسد إلى أسفل الهرم"!
يتحصّل من هذا الكلام أن الحكم بإدانة سوريا قد صدر وأن المسألة المطروحة الآن هي "محاسبة المسؤولين السوريين"، أي تنفيذ الحكم، فما الجدوى إذاً من متابعة اللجنة الدولية تحقيقاتها؟ بل ما الجدوى من تصدي الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس حسني مبارك لمسألة تطبيع العلاقات اللبنانية السورية طالما الحكم بإدانة سوريا قد صدر ولم يبقَ إلاّ أن "تدفع سوريا ثمن مسؤوليتها"؟!
فوضى دولية وعربية بامتياز، أليس كذلك؟
يمكن دائما القول إن المصالح المتضاربة للأفراد والجماعات والدول هي أساس الخلافات والصراعات والحروب الأهلية والإقليمية والعالمية، كما هي أساس هذه الفوضى الخلاّقة وغير الخلاقة التي تطبع عالمنا المعاصر. لكن أليس صحيحا ومشروعا أيضا الارتياب في نيّات وقدرات وأخلاقيات أولئك القادة والمسؤولين الذين يحكمون عالمنا، ويتصرفون بمقدراته، ويحكمون في نزاعاته؟
لا يجوز، بطبيعة الحال، أن نضع جميع القادة والمسؤولين في سلة واحدة، ذلك أن بعضهم خيّر وقدير وخلوق ويسعى جهده لحل المشكلات وتحقيق الوفاق وتعميم السلام. ولكن أين قادة العالم اليوم، خصوصاً على مستوى الدول الكبرى، من أمثالهم في عالم الأمس القريب والبعيد؟ أينهم من روزفلت وديغول وشوان لاي وخروشوف ونهرو وعبد الناصر ومانديلا؟
حتى من يبدو اليوم بين قادة دول أمريكا وأوروبا وغيرها وادعا وواعداً، يخشى المرء أن يفيق غداً فيجد أن الأديب الساخر أوسكار وايلد ربما كان يعني أمثاله بقولته العصماء: "الفرق الوحيد بين اللص والقس أن الأول له ماضٍ والثاني له مستقبل"!
* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي من لبنان