حلف حفر الباطن العربي الأمريكي من جديد

العربي ابن الخطاب

في أعقاب العدوان الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة على العراق في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، تشكلت مجموعة الثمانية المكونة من 6 + 2، دول مجلس التعاون الستة، بالإضافة إلى سوريا ومصر، على اثر اشتراك النظام السوري في حفر الباطن، والذي ترك أخدودا في وجه النظام، لم يتمكن من تبرير اشتراك الجندي العربي السوري إلى جانب الجندي الأمريكي الصهيوني في خندق واحد ضد جيش عربي، تحت أي ذريعة كانت، لأن أسوأ الظروف التي يمكن أن تصل إليها الأمور ذهاب الكويت إلى العراق كجزء تاريخي من الأرض العراقية، فماذا كان العرب سيخسرون؟، وماذا كان النظام السوري سيخسر؟، خاصة وأنه في ذلك الوقت عينه على لبنان، ليكون جزء من الدولة السورية، والذي سيصب في المصلحة العربية، كما لو أصبحت الكويت جزء من العراق.

كل المراقبين كانوا يعلمون إن الخاسر الوحيد في هذا المولود الجديد هي سوريا، للأن الآخرين لا يعول عليهم كثيرا، ولم يرفعوا شعارات العروبة والتحرير، وكان الخوف كل الخوف أن يأخذوا سوريا إلى مواقعهم التآمرية والانهزامية والتخاذلية، من (كامب ديفيد) إلى أنظمة كلها عار وذل وهزيمة، لم تقدم شهيدا واحدا لنصرة القضايا القومية، وحتى ما تقدمه من فتات أموال الزيت، تأتي بكل منة لا واجب، وحتى سوريا التي قدمت طيلة تاريخ الصراع العربي الصهيوني التضحية بالأرض والإنسان، لم يقدم هؤلاء لها أي نوع من الدعم للصمود، ولأن مجموعة الستة كانت مدفوعة باحتواء سوريا من قبل (الأم الحنون) الولايات المتحدة، فإنها لم تكن جادة في هذا النوع من التكتل، لأنه يرتب عليها التزامات مادية وعسكرية، هي غير جادة للمساهمة بها.

لقد ولد هذا التكتل ميتا، لأنه بين أتباع تحركهم الإدارة الأمريكية، لتحقيق أهدافها وأهداف الكيان الصهيوني، وبعد أن تحققت أهداف أمريكا في ضرب العرق وإخراجه من (الكويت)، لم ينل الباقون إلا سواد الوجه، وعادت حليمة لعادتها القديمة، انكفاء نظام دول الخليج، وبعده عن المساهمة القومية، مادام ليس في حاجتها، وأن أمريكا تسد مسد هذه المساهمة، وأنه مستعد لمحاربة الأمة تحت أوامر الإدارة الأمريكية، حتى التآمر الدنيء، كما حصل في التآمر الخياني من قبل أطرافه في غزو العراق واحتلاله.

فرط عقد التحالف بدون أن يعلن عن شهادة وفاته، ولم يقم أحد بيت عزاء لوفاته، ومن الجدير ذكره، إن الأردن الحليف القوي للإدارة الأمريكية لم يطرح كعضو في هذا التحالف، لأنه صنف من قبل دويلة (الكويت العظمى) على رأي جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله أنه من دول الضد، أي من الدول التي رفضت المشاركة في حفر الباطن، وفي أيامنا هذه يبدو الأردن أقرب إلى دويلة (الكويت العظمى)، من سوريا التي شاركت في حلف المع، فهذا ضرب من نوعية السياسة العربية القطرية، التي تتحكم في العباد والبلاد، والتي هي مسؤولة عن حالة الضياع، التي تعيشها الأمة العربية، أمام أعتى هجمة إمبريالية صهيونية.

استطاع الحلف احتواء سوريا والعمل على تحقيق الأهداف الأمريكية الصهيونية، بمعنى إن الحلف كان أداة لتحقيق مآرب أمريكية صهيونية بأيدي عربية، وفي ظل المأزق الذي تعيشه الإدارة الأمريكية في العراق، وفي إعلانها المزعوم لمحاربة التوجه النووي الفارسي، بدأت الحاجة إلى (كونسروم) عربي جديد من الدول العربية المعتدلة، ضد أطراف الممانعة والمقاومة في الأمة، تحت غطاء الحد من الخطر النووي الفارسي، والهدف الحقيقي هو في محاربة المقاومة العراقية والفلسطينية واللبنانية، إلى جانب الضغط على سوريا، حتى يسهل الأمر على الإدارة الأمريكية الهروب من العراق بأقل الخسائر.

عادت صيغة (حلف حفر الباطن) بتعديل طفيف باستبدال سوريا بالأردن، لأن الأولى أصبحت مستهدفة، لأنها تصنف من قبل الدوائر الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، أنها من الدول التي تقف في (طريق عملية السلام)، وتساعد المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان وأن الثانية - الأردن -، قد تحولت من دول الضد إلى دول المع، في ضوء معايير دويلة (الكويت العظمى).

دول الثمانية ليست بالدول التي تخفي علاقاتها الحميمة مع الإدارة الأمريكية، وهي تلتزم بتنفيذ تعليمات هذه الصداقة، لما يفيد مصالح أمريكا تحديدا، دون أي اعتبار أن لها مصالح وطنية أو قومية، لأن العبد ما عليه إلا الطاعة وتنفيذ التعليمات، بدون مناقشة أو إبداء رأي، وهذا ما تم في اجتماع القاهرة، الذي جلبت له رايس وزيرة خارجية بوش، ثماني وزراء خارجية دول (الحلف) المنوي تشكيله من الدول المعتدلة، والمضحك المبكي إن الإدارة الأمريكية حنيتها عالية جدا، على السيد محمود عباس وشعب فلسطين يقتل يوميا بآلة الحرب الصهيونية، الحليف الاستراتيجي للإدارة الأمريكية، إلى جانب حنيتها مع شخص السيد السنيورة، الذي خرجت بلاده من عدوان مدمر، بأيدي صهيونية وسلاح أمريكي.

حرب أمريكية صهيونية بأيدي عربية، كما هي عادة رموز نظامنا العربي الرسمي، وأحلاف تتشكل لأهداف إمبريالية صهيونية مرحلية، لتحقيق مآرب عدوانية ضد الأمة العربية، وأنظمة لا تملك شرعية ولا مشروعية وجودها، تبيع وتشتري بمصالح شعوبها وأهداف أمتها لأعدائها، من أجل أن تحمي عروشها الهشة، والمواطن العربي مغيب تماما عما يجري، وتتسع الهوة فيما بين الأنظمة والشعوب لصالح أمريكا، لتدفع بهذه الأنظمة للارتماء في أحضانها، لحمايتها من غضبة شعوبها.

(حلف حفر الباطن) الجديد لن يكون له مردود إيجابي لصالح القضايا العربية، فالإدارة الأمريكية لن تتقدم خطوة واحدة على طريق خلاص الشعب الفلسطيني من الاحتلال، وهي مستعدة أن تساوم النظام الفارسي على حساب القضايا العربية، بما يخدم أهدافها ومصالحها ودون أي اعتبار لحلفائها العرب، وهي تستخدم العرب لإنقاذ ماء وجهها في العراق، الذي بات ملطخا بالخزي والعار والهزيمة، بفضل بطولات المقاومة العراقية الباسلة، وهي ستتآمر على (حزب الله) و(حماس) وسوريا، تحت ذريعة (الاعتدال)، كما اختلقت ذريعة العدوان على العراق بأسلحة الدمار الشامل ويتحول العرب إلى عربين يأكل أحدهما الأخر لصالح سواد عيون الأحباب والأصدقاء في واشنطن وتل أبيب.