سلامة النقد واستقلالية المصرف
بقلم: الدكتور لويس حبيقة - لبنان
يمكن وصف النقد بالدم الذي يجري في شرايين الاقتصاد الحر وبالتالي يؤمن حيويته واستمراريته. يهدف كل مصرف مركزي إلى تحقيق أهداف ثلاثة هي استقرار الأسعار والحفاظ على سعر صرف مناسب ومستقر للنقد الوطني كما المساعدة على تحقيق الاستقرار المالي العام الذي يتعدى الموضوع النقدي. لا يمكن اعتبار هذه الأهداف منفصلة إذ أن الفشل في تحقيق الهدف الأول (مكافحة التضخم) أو الثالث (الاستقرار المالي) يعيق تحقيق الهدفين الآخرين. كما أن مكافحة التضخم يمكن أن تتحقق عبر التثبيت النقدي (أي ربط النقد الوطني بشكل ثابت أو ضمن هوامش ضيقة بعملة أجنبية أو بسلة من العملات الرئيسية)، تماما كما يحصل في لبنان وفي دول مجلس التعاون الخليجي.
بالرغم من خلق اليورو كعملة أوروبية واحدة وبالتالي تأسيس المصرف المركزي في فرانكفورت، حافظت الدول الأوروبية على مصارفها المركزية الوطنية وتمثلت في مجلس إدارة المصرف. للمصارف المركزية أدوارا مختلفة في تحديد السياسة النقدية والرقابة المصرفية والإصدار النقدي. يحدد المصرف المركزي الأميركي السياسة النقدية ويشرف جزئيا على الرقابة المصرفية ويصدر النقد لصالح وزارة المالية بتوقيع الوزير وليس الحاكم. أما المصارف المركزية الأوروبية ECB والبريطانية والكندية، فتحدد السياسة النقدية وتصدر النقد لكنها ليست مسؤولة عن الرقابة المصرفية. يحدد المصرف المركزي الياباني السياسة النقدية ويصدر النقد وله مسؤولية جزئية في الرقابة المصرفية. أما المصارف المركزية الأوروبية الوطنية، فتشرف جزئيا (كألمانيا) أو كليا (كفرنسا وايطاليا) على الرقابة المصرفية دون أن يكون لها دور نقدي بسبب انتقاله الى المصرف الأوروبي.
تستطيع كل المصارف المركزية الوطنية (ضمن مجموعة السبعة G7) تأمين السيولة للمصارف في الأزمات أي إقراضها. لجميعها دور في تأمين الاستقرار المالي العام وليس النقدي فقط. أما المصارف المركزية في الدول الناشئة والنامية، فتأخذ شكلا أو آخر من النماذج السابقة مع بعض التعديلات المناسبة للوضع الوطني. من الركائز القانونية الأساسية التي يبنى عليها المصرف المركزي المتطور هي الاستقلالية، ضمن القطاع العام وليس عنه. بالرغم من نضوج الاقتصاد البريطاني وتطور الأسواق المالية، لم تعط الاستقلالية للمصرف المركزي لأسباب سياسية الا في سنة 1997. من المؤشرات التي تذكر لتقييم فعالية أي مصرف مركزي هو عدد موظفيه لكل مئة ألف مواطن. تصل هذه النسبة إلى ما بين 2 و 3 في بريطانيا (الأفعل في المجموعة السباعية)، حوالي 4 في كل من اليابان واستراليا، 5 في كل من دولة أفريقيا الجنوبية والسويد، 8 في الولايات المتحدة و60 في روسيا. تصل هذه النسبة الى 17 في المصرف المركزي الأوروبي. نتوقع أن معظم المصارف المركزية في الدول النامية والناشئة، بينها اللبنانية والعربية عموما، يتمتع بالفائض الوظيفي أي يستوعب بعض العاطلين عن العمل.
من الخصائص المشتركة لحكام المصارف المركزية هي أجورهم المرتفعة مقارنة بموظفي القطاع العام والتي تبرر رسميا بالمسؤوليات كما بضرورة تعزيزهم ماديا كي يترفعوا ويبتعدوا عن الفاسد والمفسود. فالأجور المعلنة هي 700 ألف دولار سنويا للحاكم الايطالي ، 585 ألف يورو لحاكم المصرف الأوروبي، 500 ألف دولار للحاكم البريطاني، وفقط 180 ألف دولار للحاكم الأميركي. إذا كانت الدول الغربية القادرة ماديا تعزز أوضاع مسؤولي المصارف المركزية، فبعض الدول الناشئة والنامية العاجزة ماليا بينها لبنان يبالغ بتنفيذ السياسة نفسها مما يستدعي بعض المراجعة والتعديل.
أهم حاكم مصرف مركزي في العالم هو ألان غرينسبان الذي تقاعد في 31/1/2006 وسلم الأمانة لبن برنانكي. تسلم غرينسبان الحاكمية في 11/8/1987 وقام بواجباته بمهارة إعلامية وإدارية وعلمية يشهد له بها الجميع. استطاع أن يتواصل علميا مع مؤسسات الأبحاث والجامعات كما مع أقسام البحث داخل فروع المصرف المركزي، جعلهم يشعروا بأهمية أبحاثهم وأفكارهم، فحصل بالتالي على تأييدهم، تابع التطور التكنولوجي الذي يحدث العمل المصرفي ويرفع من إنتاجيته، تمتع بهذه الصفات التي عثرت جدا عملية انتقاء خليفة له.
ما فعله غرينسبان يترك ثقله الكبير على كتفي خليفته الذي يتميز كثيرا عنه والذي بدأ عمله في أجواء مختلفة. برنانكي هو استاذ جامعي له مؤلفات مهمة في العلوم النقدية وأزمة 1929، وليست له ارتباطات مصرفية، تعتبر الأوضاع السياسية داخل أميركا معقدة بسبب الحرب في العراق والجدل حول جدواها وتكلفتها كما بسبب موضوع الحريات والشك العام بطريقة أداء إدارة الرئيس بوش، هنالك اتجاهات دولية أربعة فيما يخص عمل المصارف المركزية، نوجزها كما يلي:
أولا: تحديد هدف تضخمي واضح.
هذا ما بدأت به نيوزيلاندا في سنة 1989 ويعتمد اليوم من قبل 22 دولة. من واجب المصرف المركزي البريطاني مثلا تبرير أي فارق يتعدى 1% عن الهدف التضخمي المتفق عليه مع السلطات السياسية الرسمية. من الأفكار التي يؤيدها "بن برنانكي"، حاكم المصرف المركزي الأميركي، تحديد هدف تضخمي للاقتصاد الأميركي.
ثانيا: تغييرات في الرقابة المالية.
في الدول الاسكندينافية (النروج والسويد والدانمارك)، هنالك رقابة مالية موحدة منذ أواخر الثمانينات مستقلة عن المصارف المركزية وتقوم بواجباتها على أكمل وجه. هنالك دولا اعتمدت فيما بعد الطريقة الرقابية الموحدة ككوريا الجنوبية (سنة 1998) واليابان (2000) وبريطانيا (2001) والنمسا وألمانيا وبلجيكا (2002). هنالك فائدتان أساسيتان للتوحيد الرقابي أولهما أن الأسواق المالية الداخلية أصبحت مترابطة كما أن المؤسسات المالية أصبحت متنوعة في أعمالها ووظائفها. أما الفائدة الثانية المهمة، فهي ابعاد السلطة النقدية عن الأخطاء أو الأزمات المرتبطة بالرقابة المصرفية حفاظا على الثقة بالنقد. فالأزمات المرتبطة مثلا ببعض المصارف كال BCCI وبيرينغز ألحقتا ضررا كبيرا بالسلطات النقدية الوطنية والدولية مما استوجب تحقيق الفصل بين السلطتين النقدية والرقابية. يحصل نفس الشيء في لبنان اليوم مع مشكلة بنك المدينة حيث تدور شبهات كثيرة مالية وسياسية وأمنية حول ما جرى. لذا من الضروري التفكير جديا بإبعاد الرقابة عن مصرف لبنان حتى لا ينعكس أي تقصير أو فشل رقابي على ثقة المستثمرين بالسلطات النقدية اللبنانية وبالتالي بالليرة.
ثالثا: الاستقرار المالي.
يشمل الاستقرار المالي الاستقرار المصرفي ويتعداه للقطاعات الأخرى كالتأمين والقطع والبورصة والوساطة والخدمات المالية المتنوعة. بسبب ترابط هذه الأسواق، من غير الممكن وضع سلطات مسؤولة منفصلة لكل منها. من أسباب الأزمات الأسيوية والأميركية اللاتينية والروسية غياب سلطات قادرة على تأمين السلامة المالية. لم تكن المشكلة نقدية فقط وإنما مؤسساتية مالية أيضا، لذا ضاعت المسؤولية بين المؤسسات المختلفة.
رابعا: التوقعات الشعبية.
هنالك موجة شعبية عالمية تطالب المصارف المركزية والمسؤولين عنها بالشفافية وتدعو لمحاسبتهم على أعمالهم. من واجب حكام المصارف المركزية مخاطبة الرأي العام كل فصل وعند الضرورة لشرح الواقع النقدي والمالي الوطني. من واجب المسؤولين عن مصرف لبنان مثلا شرح ما جرى بخصوص بنك المدينة وبقية عمليات الدمج والشراء بحيث يعرف الرأي العام اللبناني حقيقة ما جرى. من معالم الشفافية كيفية تعيين حكام المصارف المركزية بحيث تكون واضحة أمام الرأي العام والمجتمع المالي الداخلي والدولي. من الخطاء تعيين حكام المصارف المركزية لتأمين مصالح سياسية أو مالية أو مصرفية معينة تضر بمصالح المواطن العادي والشباب تحديدا.