التخوف من إمكانية سقوط الأسواق
بقلم الدكتور لويس حبيقة - لبنان
يعتبر اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي المتنفس الطبيعي والحقيقي للبنان. فالعلاقات ليست فقط حضارية ووطنية ودينية وثقافية وإنما أيضا تجارية ومالية. يستورد لبنان من، ويصدر سلعا عديدة إلى، الدول الخليجية، كما أن ألاف اللبنانيين يعملون في دوله الست ويحولون سنويا إلى بلدهم الأم مئات ملايين الدولارات. من المرشح أن يزداد التدفق البشري النوعي اللبناني للعمل في دول الخليج بسبب تباطؤ الأوضاع الاقتصادية الداخلية وزيادة البطالة. فالدول الخليجية تستوعب أعدادا متزايدة من متخريجي الجامعات اللبنانية الذين يجدون فيها فرص عمل واسعة ومناسبة. أما السياحة في لبنان فهي في معظمها عربية، وخليجية تحديدا، مما يقوي العلاقات المتنوعة بين لبنان والمجموعة. لا يمكن لمؤتمرات باريس 3 أو غيره من المؤتمرات الداعمة للبنان أن تنجح إذا لم تحصل على الدعم الخليجي السياسي والاقتصادي غير المتردد. ما يحدث في الخليج من تطورات يؤثر إذا مباشرة على الأوضاع اللبنانية الداخلية ويهم كل اللبنانيين.
تنمو الاقتصاديات الخليجية بنسب مرتفعة تقدر لسنة 2006 بـ5,8% في السعودية و11,5% في الإمارات و6,7% في قطر و7,1% في كل من عمان والبحرين و6,2% في الكويت. ما زالت العملات مرتبطة بالدولار بسبب تقييم برميل النفط بالنقد الأميركي، كما بسبب العلاقات الاقتصادية التاريخية مع الولايات المتحدة، لهذا الربط النقدي حسنات ومساوئ، لكن الخروج منه صعب ويجب أن يتم بعناية بحيث لا تحدث تقلبات اقتصادية في الداخل. يكون الخيار بين تحرير سعر الصرف أو ربطه بسلة من العملات بحيث تتحرر السياسة النقدية من سلطة المصرف المركزي الأميركي ذو المصالح المختلفة، يشكل معدل الإيرادات النفطية حوالي ثلث الناتج المحلي و 75% من الموازنات وحوالي 90% من الصادرات. كان لارتفاع النفط في السنوات الأخيرة تأثير ايجابي كبير على ميزان الحساب الجاري في الدول الست. من المتوقع أن يبلغ الفائض هذه السنة نسبة للناتج المحلي حوالي 33% في السعودية و21% في الإمارات و49% في قطر و19,4% في عمان و52,5% في الكويت و20,6% في البحرين، أما الموازنات فجميعها فائضة بسبب ارتفاع الإيرادات النفطية والاستمرار في ضبط الإنفاق وترشيده.
من الانجازات التي تحققت في الخليج بالإضافة إلى البنية التحتية الممتازة والجامعات الكبيرة، هي الأسواق المالية التي تقارن بحجمها وفعاليتها بأفضل الأسواق الناشئة، توازي القيمة السوقية للبورصات الخليجية حوالي 16% من مجموع الأسواق الناشئة أي ما يعادل حجم بورصات أوروبا الشرقية ودول أميركا اللاتينية. إذا أخذنا نسبة حجم البورصة الوطنية من الناتج المحلي الإجمالي، نرى أنها بلغت في سنة 2005 حوالي 253% في السعودية و192% في الإمارات و220% في الكويت و243% في قطر و154% في البحرين و216% في عمان مقارنة ب 104,5% في نيويورك و 43% في ألمانيا. أما مؤشر السعر من الأرباح P/E في سنة 2005 فعادل 43,8 في السعودية و22,4 في الإمارات و13,5 في الكويت و23,3 في قطر و13,8 في البحرين و12,3 في عمان مقارنة بـ 18,2 في نيويورك و 15,7 في ألمانيا، أما العائد العام لسنة 2005 فكان 103% في السعودية و135% في الإمارات و79% في الكويت و100% في قطر و23% في البحرين و44% في عمان مقارنة بـ 3% في نيويورك و27% في ألمانيا. تشير الأرقام المرتفعة في الخليج، مقارنة بالخارج، إلى إمكانية حصول تصحيح انخفاضي أيضاً في بدأ في سنة 2004 مما يقرب الأسواق تدريجيا إلى قيمتها الحقيقية.
تشكل الشركات المالية الحصة الأكبر من البورصات العربية (35% مقارنة ب 20% لمجموعة الدول الناشئة) أمام شركات الطاقة والبتروكيماويات (22% مقابل 12%) وشركات الاتصالات (20% مقابل 13%). تختلف هذه المؤشرات من دولة إلى أخرى حيث ترتفع حصة شركات الطاقة والبيتروكيماويات في السعودية (34,3%) بينما تسيطر الشركات المالية في بورصات الإمارات (54,8%) والكويت (47,7%) وقطر (42,3%)، مع الخصخصة الآتية إلى كل شركات الاتصالات الرسمية، لا بد وأن يتسع حجم القطاع في البورصات العربية وخاصة الخليجية. لا يمكن لأية شركة اتصالات فاعلة وحديثة ومتجددة أن تبقى في القرن الواحد والعشرين في يد القطاع العام المقيد بالبيروقراطية والقواعد والقوانين والتوازنات السياسية. نقل الشركات تدريجيا من عائلية إلى عامة يشكل حجر الزاوية في تفعيل أسواق الأسهم في كل الدول.
كما الاقتصاد الحقيقي تتقلب مؤشرات الأسهم في كل الدول. فالسقوط موجع ومزعج ويبعد المستثمرين عن الأسواق. سقط مؤشر نيويورك بنسبة 13% نهار الاثنين الأسود في 28\10\1929 فارتفعت البطالة من 3% إلى 25% وتدنى الإنتاج الصناعي بأكثر من 50%. خسر مؤشر الدوو جونز 89% من قيمته. أدخلت الولايات المتحدة تشريعات لتخفف من إمكانية حصول كوارث مماثلة. فكان قانونا غلاس – ستيغل في سنتي 1932 و1933 اللذان فصلا النشاطات المصرفية التجارية عن الاستثمارية (استبدلا مؤخرا). كما أوجدت التشريعات الأميركية مؤسستي ضمان الودائع FDIC والرقابة على الأسواق المالية SEC اللتان تعملان حتى اليوم. شكلت كارثة 1929 السبب الرئيسي لخروج الولايات المتحدة من النظام المالي الدولي الذي كان يعتبر الذهب النقد الدولي الوحيد.
في سنة 1987 سقط مؤشر الدوو جونز بنسبة 22,6% في يوم واحد. عكس ما حصل في سنة 1929، كان تأثير سقوط 1987 على الاقتصاد الحقيقي محدودا. كان سقوط سوق المناخ الكويتي في سنة 1982 أكثر خطورة في نتائجه وتأثيره على الاقتصاد العام وحياة المواطنين. سقطت الأسواق بسبب التقييم غير الواقعي والمرتفع لأسواق الأسهم. تدافع المواطنون لشراء الأسهم عند ارتفاعها وفعلوا نفس الشيء عند بدء الانخفاض، فسرعوا التحرك في الاتجاهين، يتصرف المستثمرون في الأسواق تبعا لما يسمعون، أو يقلدون غيرهم أو تحركهم العوامل النفسية التي لا تبنى على العلم، سقوط أسواق أسهم شركات التكنولوجيا في سنة 2000 معروف وسبب خسائر كبرى للمستثمرين. للتخفيف من إمكانية سقوط أسواق الأسهم الخليجية كما حدث في الكويت ونيويورك وغيرهما، لا بد وأن تتوجه الدول الست نحو المزيد من تنويع الإنتاج أي بعيدا عن النفط وقريبا من كل شيء آخر مناسب. بالإضافة إلى المخاطر السياسية الموجودة في كل الدول النامية والناشئة، يمكن حصر مصادر الخطر الخليجي بالعوامل التالية:
أولا: سقوط أسعار النفط أكثر وهذا ما حصل في فترات سابقة ويحصل منذ أسابيع. هنالك خطورة حتمية تأتي من الربط القوي للاقتصاديات الخليجية بالنفط. لذا يجب التوجه بخطوات أسرع نحو الوحدة النقدية المقررة لسنة 2010.
ثانيا: التقييم الخاطئ لقيمة الأسهم وضعف الرقابة وسؤ تقدير الخطر الائتماني. لا تتمتع أسواق الخليج كما هو حال أسواق الدول الناشئة بقدر كبير من الشفافية والفعالية، لذا يمكن أن تتعرض لخضات كبيرة. يتطلب تفعيل الأسواق المالية إيجاد أسواق ثانوية للسندات وأسواقا للأدوات المشتقة كي تتكامل الأسواق وتتطور أمكانية تغطية المخاطر المالية المختلفة.
ثالثا: أسعار العقارات التي ارتفعت كثيرا في الدول الخليجية. يجب التخوف من إمكانية تراجع أسعارها تماما كما حصل مرارا في اليابان والولايات المتحدة وغيرهما. لا يخفى على أحد تأثير أسعار العقارات على الاقتصاد الحقيقي والاستثمارات ومؤشرات الأسواق المالية.
رابعا: تقلبات الاقتصاد الدولي التي تكبر وتصغر تبعا لأوضاع الدول الغربية وفي مقدمها أميركا، العالم مترابط ولا بد من حماية النفس من خطر الخارج. لا يجب أن ننسى الشق الخارجي من أزمات شرق أسيا وأميركا اللاتينية والتي يمكن أن تتكرر في كل بقاع الأرض.