الانتخابات النصفية والزمن الملائم للسقوط
حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين المحتلة يقيم في سوريا
لعله
العنوان المناسب للزمن البوشي القادم فبعد أقل من أسبوعين من كتابة هذه السطور،
ستجري انتخابات نصفية للكونغرس الأمريكي من نواب وشيوخ، يمكن أن يستقر المفتاح
بموجبها، في جيب أحد الحزبين الكبيرين، الأمر الذي سيؤسس لمصير الرئيس بوش لما تبقى
من ولايته الثانية، من زاوية استحواذه على الصلاحية المدعومة بأكثرية برلمانية
جمهورية، وبما يحمل على التنبؤ، بأن الجولة لجهة الجمهوريين خاسرة هذه المرة، وأن
بوش لن يخسر مغامراته في وحيه فحسب، بل سيخسر نفسه وربابنة سفينته، أولئك الذين
فجعوا العالم بسياسات كارثية، يحق لها أن تقودهم إلى أقفاص المحاكم الدولية، لا إلى
مقاعد الكونغرس.
في هذه المقالة المرثية، فإننا لا نستنسب لصفتنا الشرقية نبوءات رومانسية تعكس الاأمنية في النفس قدر ما هي حاصل وقائع جارية، منذ أن تنكّب بوش ولايتيه الرئاسيتين، في غفلة شعبية معهودة، من حيث أن اهتمامات الأمريكي الخارجية، تقع في المحل الأخير، إذا قيست باهتماماته الداخلية، وأن التنبّه للخارج (فيتنام مثلاً) لم يكن ليكتسب نفوراً، إلا بمقدار ما بات يؤثر في حياته الداخلية، سواء لجهة عديد الضحايا والمعوقين، أو لجهة تهديد نمط الحياة الداخلية التي اعتاد عليها. وتشير نتائج الاستطلاع الأمريكية، إلى حدوث فجوة (ما بين 13 نقطة وعشرين نقطة) لصالح "الحزب الديمقراطي"، فإذا ما كانت الانتخابات النصفية تشمل جميع أعضاء مجلس النواب، ونصف أعضاء مجلس الشيوخ، فأن الكونغرس بشقّيه، سيخضع "لأكثرية ديمقراطية"، لا نعرف مدى صدقيتها بين ما قبل الانتخابات وما بعدها!.. لكن "الديمقراطي" في جميع الأحوال، سيعمل لبرنامجه وناخبيه، بما في ذلك الاستعداد المسبق، لانتخابات رئاسية مقبلة.
إن ما يهمنا نحن العرب، لا يتعلق بالمراهنة على أحد الحزبين، أيهما أفضل بالنسبة لقضايانا الخاصة، بل ربما ما هو أقل سوءاً، فعلى "الديمقراطي" إذا أراد تجنب المآل الذي سينتهي إليه حزب بوش، ألا يكرر أخطاءه القاتلة، فالانتخابات النصفية بأسبابها أكثر من نتائجها، فهي تدور في مناخ فشل ذريع لمغامرات الحروب الدموية في العراق وأفغانستان، إذ لا يعرف حتى الآن، ثلاثمئة مليون أمريكي، شيئاً عن الحكمة لغزو هذين البلدَين، ورغم أن الشعب الأمريكي، لأسباب تاريخية، لا تهمه الحكمة بمقدار المنفعة، إلا أنه في وضع اضطراري يسأل اليوم، عن ماهية تلك (القضية الشهيرة) التي اسمها العراق، وما هو نفع أمريكا، من حرب قاربت كلفتها البشرية (المعترف بها) زهاء أقل من ثلاثة آلاف قتيل وما يربو علي عشرين ألف مصاب، وهذا غير الكلفة البشرية، لمجاميع قتالية أمريكية مرتزقة، لا حق لهم بالإعلان عن موتهم في ميادين العراق أو أفغانستان.
ما نفع أمريكا من حرب، تنهب من الثروة الأمريكية، ومن جيوب دافعي الضرائب، ما وصل حتى الآن، زهاء ثلاثمئة وخمسين مليار دولار (للعراق وحده) مع طلب سبعين إضافية تحظى بموافقة مجلس النواب ذي "الأكثرية الجمهورية"!.. ما الذي استفاد منه الشعب الأمريكي، وهو يرى شعوب العالم، تنظر إلى إدارته وهي تمارس سياسات الحروب الهلعيّة، بديلاً عن أساليب الدبلوماسية ومنطق الحوار لصالح حوار المدفع والدولار والنفط!.
ففي القرن الواحد والعشرين، الذي هو "قرن أمريكا بامتياز"، خسرت المرحلة البوشية، معظم حلفاء أمريكا التاريخيّين، ففيما كانت أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية لأمريكا الشمالية، فإنها تنقلب في معظمها، إلى عداء سافر، وها هي أوروبا، تنحو باتجاهات استقلالية عن الربط الأمريكي، سواء في اسبانيا وايطاليا فضلاً عن حليف أهم، يلقى مصيره في الانتخابات البريطانية المقبلة.
ومع سيرورة التقدم نحو الانتخابات الفاصلة في تشرين الثاني (نوفمبر)، تجري مياه غزيرة في المسيسبي، فقد سبق أن تعالت أصوات من شخصيات سياسية وعسكرية وفكرية. مثل (بريجنسكي وسكوكرافت وكيسنجر وكيري وفوكوياما).. وعشرات آخرين من أساطين الفكر السياسي الأمريكي، إضافة إلى جنرالات كبار، سبق لهم الإسهام في التخطيط والاضطلاع بعمليات غزو العراق، يطالبون بالخروج من العراق، (في وقت قريب ما..) على طريقة رئيس الأركان البريطاني، حتى لو تراجع عن تصريحه، لكنه أصر على إيراد ما هي الحقيقة فيه.
ومع هذه الحيثيات العالمية والداخلية، فأن ثمة وقائع تتصل بفضائح سياسية ومالية وجنسية، تتطاير في أجواء إدارة بوش، لا سبيل إلى إخفائها، فهناك مشكلة قديمة، تتصل بـ"صندوق إعمار العراق"، وهي تشكو من اختفاء مليارات الدولارات في ظل شخصية بوش المفضلة في العراق الحاكم بريمر، وهذا بحسب تقرير المفتش العام المُعين من الكونغرس الأمريكي نفسه، وأن ثمة إساءة استعمال لمنصب نائب الرئيس تشيني، حين تمنح معظم العطاءات في العراق، لشركة كان تشيني يدير مجلس إدارتها (هاليبرتون)، وهي ملاحظة متضمنة في تقرير المفتش العام لا غيره.
وعلى الصعيد السياسي، ثمة فضائح تبتدئ بالأخطاء الاستخباراتية، التي ارتضي جورج تينت تحمل مسؤوليتها، مجنّباً إدارة بوش المسؤولية، فيما عوقب السفير الأمريكي في النيجر (لرفضه الصامد تهمة اليورانيوم للعراق)، بإفشاء علاقة زوجته بجهاز الاستخبارات، فيما أثبتت التحقيقات بأن هذا الإفشاء، الذي يعاقب عليه القانون، كان قد خرج من مكتب تشيني فيما يعاقب (المكتب) ولا يعاقب رئيسه!.
وبالمقابل، فإن سيدة الدبلوماسية الأمريكية كانت في وقت سابق، قد اعترفت بآلاف الأخطاء التكتيكية في العراق، لكنها أحجمت للأسف، وهي صاحبة "الفكر الراجح" في الإدارة، عن كيف أن آلاف الأخطاء التكتيكية، لا تنقلب إلى أخطاء استراتيجية - كارثية في مرحلة ما؟!
وعلى طريق الانهيار الانتخابي، ثمة عقبا على الطريق، ففي أزماننا القريبة، صدرت إشارات بمثابة مراث على طريق وداع حزب بوش في الكونغرس، ورغم أن هذه الإشارات في مستوى حقائق دامغة إلا أن الرئيس بوش في "حالة إنكار" مقيمة، يتهم الإعلام ومراكز البحوث والاستطلاع والكتاب والجامعات.. بأن (إشاراتهم) ذات دوافع سياسية انتخابية ليس أكثر (إذ لو لم يكن في العراق، لجاءت ذرائعهم علي غيره، وهو من تصريح صحافي له مع رئيس أفغانستان كرزاي).
وقد صادف في مرحلة قصيرة، أن تلقى بوش رزمة من الصدمات المتتالية، أهمها ما يجري على أرض العراق اليوم، فقد اضطر الرجل للاعتراف بمتشابهات بين ما جرى في فيتنام بالأمس، وما يجري في العراق اليوم ربما بعد أن سمع بمقتل خمس وثمانين جندياً أمريكياً في أقل من ثلاثة أسابيع من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، وهي أعلى نسبة خسارة بشرية في حدود مدة قصيرة، وفي تصريحات عسكرية أمريكية، فأن عملية ما، تقع في كل خمس عشرة دقيقة، وأن مجموع العمليات منذ طلوع الشمس إلى مغربها، بات يجاوز أربعمئة عملية في أرجاء العراق، أما بخصوص حكومة الدمية في عاصمتها "المنطقة الخضراء"، فإنها ما زالت تعد بالسيطرة على الأمن ووعود أخرى؟ وفي الداخل الأمريكي، فإن الفضائح تتدرج من السيئ إلى الأسوأ، فحزب العائلة والدين والأخلاق، وربما التخصص في تلقي "وحي الأب الأعلى" (التعبير لبوش)، فإن ممثليه في الكونغرس، يقدمون مشاهد التحرش بالتلاميذ، وقد استقال النائب (مارك فولي) لثبوت التهمة، وهو آخر ما تبقى لبوش كي يتشدق به، وعلى تفرّد هذه الفضيحة كسلوك شخصي، إلا أنها صادرة عن سيناتور يمثل حزباً حاكماً، ومن هنا، فأن تأثيرها المجتمعي سيعمل في الوجه السيئ لمسيرة انتخابات.
وفي مشهد النوازل اللاحقة بحزب بوش، ما أثاره تقرير ست عشرة وكالة أمنية أمريكية، من أن الإرهاب مع الزمن البوشي، يتسع إلى درجة تهديد الولايات المتحدة على صعيدي الخارج والداخل، ولئن مضى الرئيس وإدارته بالتغريد خارج العقل، فأن المزيد من المتطرفين سيتقاطرون إلى ساحات العنف العالمية.
وفي تقدم الوقت نحو الانتخابات، فأن الآراء بأداء بوش وحزبه "الجمهوري"، تتوالى على إيقاع القصف المدمر لما أحدثه كتاب بوب وورد الجديد (حالة إنكار)، إذ رغم الإطناب في تحقيق الانجازات والانتصارات (الديمقراطية) الأمريكية في العالم بدءاً من العراق، فأن الحقائق (على عناد بوش) تشير إلى عالم دموي في طريقه إلى انفجار أكبر.. وفي مثل هذا العالم فأن أمريكا ستخسر قرنها، بأسرع من سقوط أية إمبراطورية في التاريخ.
وما بين أمريكا وحليفها الأوثق بريطانيا، خلافات مخبوءة ومعلنة، فمن المعلن منها مثلاً، ذلك الخلاف الذي ذاع صيته، حول مطالبة لندن بوجوب إغلاق (غوانتنامو) وربما (السجون السرية)، لتعارضها مع أبسط الحقوق الإنسانية، وهناك خلاف أثاره تصريح الجنرال (ريتشارد دانات) قائد الجيش البريطاني، حين وجّه صفعة قوية إلى السياسات الأمريكية والبريطانية في العراق ((إن وجود بريطانيا في العراق أضرّ بأمن بريطانيا، فنحن في بلدٍ مسلم، والأجنبي في بلاد الإسلام، مرحب به إذا كان مدعواً لكننا لم نتلق دعوة حين دخولنا العراق!..)) ويضيف ((إن نشر الديمقراطية وفق هذه الطريقة، هي فكرة ساذجة)) ورغم الضغوط الخارجية والداخلية كي يتراجع الجنرال عن أقواله، إلا أن الصحافة البريطانية خرجت لتقول أخيراً ((لدينا هنا ضابط مستعد للحديث عن حقيقة الأوضاع كما هي، وإلا يكون مجرد بوق في فم بلير)).
وهكذا ينتهي بوش دليلاً انتحارياً، لأقبح ما في السياسات الخارجة من سوءات، فقد أيقظ مشكلتين عالميتين، بسبب حرصه "التوراتي" في تشطير العالم إلى محورَيْن، وهو ما يظهر الغباء بقدر ما يدل على مغزاه الخاص، بوصفه غباءً أيديولوجياً محضاً من شانه أن يقلب البيت الأبيض إلى كنيسة، فبسبب بوش وولعه في استنباش المتاعب بصفتها حلولا في مخياله، فقد سلّط الضوء المبهر على (شرور/ كيم ايل يونغ، وما تمثله كوريا الفقيرة) من تهديد للأمن الأمريكي!.. كذلك راح في فلسفة يوحي بها، يفعل الشيء ذاته مع احمدي نجاد واصفاً الرجل الذي لم يقسم بعد (قسم الرئاسة) بأنه من مكمن التطرف والشر، فاستثار بذلك توترات إضافية، قد تسبق بوش وتتحداه، بل وتسبق سياسات الولايات المتحدة وتتجاوزها، فحضور التجربة في العراق لم يعظه، وبوش لا يستوعب أن الطبيعة الأيديولوجية والقدرة التدميرية لكوريا أولاً وايران ثانياً، ليستا في معرض استجداء دولارات، أو رفع الراية البيضاء أمام وعيد بات من المفهوم، أن أمريكا لا تقدر على تحقيقه، وفي مُضى بوش إلى سياسات حافة الهاوية، فأنه يضع أمريكا في مغامرة مركبة، فإضافة إلى المغامرات التي حظيت بفشلها، فأنه يُحمّل أمريكا فوق طاقتها، فأمريكا لا تستطيع الاستمرار مع المشكلات التي صنعتها، من كابول إلى بغداد وصولاً إلى فلسطين ولبنان، فكيف وهي تصنع مشاكل لها شديد الارتباط مع سياسات ومصالح قوى عالمية صاعدة؟!
وكان ينقص بوش وإدارته، تلك النتائج الكارثية التي جاء عليها تقرير المجموعة البحثية في (جامعة هوبكنز)، وهي واحدة من أهم عشر جامعات على مستوى العالم، ويروي رئيس المجموعة البروفسور (جلبرت برنام)، أن مجموعته البحثية، خاطرت بسلامتها وأرواحها، حين تمكنت من زيارة ثمانية وأربعين موقعاً عراقياً (مدن وبلدات وقرى) في جميع أرجاء العراق، ومن دون إخطار مسبق، فقد زارت المجموعة زهاء 1890 عائلة مختلفة، فكانت النتيجة أن عديد القتلى من العراقيين بسبب الاحتلال، وصل إلى 655 ألف قتيل، أي ما يساوي نسبة 2.5 بالمئة من سكان العراق، وأن هذه النسبة بالنسبة لأمريكا تعادل مقتل 7.5 مليون أمريكي، وأنها تعادل ضعفي عديد القتلى في هيروشيما وناغازاكي، و14 بالمئة من ضحايا الحرب العالمية الثانية، ومئتي ضعف من ضحايا البرجين في نيويورك!.. وما زال السيد بوش في (حالة إنكار)، يعاند رفض الرقم المذكور. ولكن دون رقم مقابل، لا من (البنتاغون) ولا من وزارة الخارجية، أما الكوميديا المضافة، فكانت في استشهاد بوش، برفض الحكومة العراقية، لأرقام قتلى (جامعة هوبكنز)!..
ومع تطاير هذه الانجازات في سماء الزمن البوشي، فإننا نرجو الله أن يلهم (الشيخ بن لادن) السكينة فلا يعمد إلى إثارة مشكلة في مرحلة ما قبل الانتخابات، من شأنها أن تقدم خدمة غير مقصودة لحزب بوش، فقد آن للشعب الأمريكي أن يستيقظ من تلقاء ذاته، فيضع لنفسه مستقبلاً هادئاً وعقلانياً يعيده إلى حاضنة التفاهم المتبادل مع العالم المقهور.