عندما يتحول العراق إلى مقبرة
الدكتور غالب الفريجات/الأردن
يتحول العراق إلى مقبرة كبيرة من زاخو حتى أم قصر، على أيدي فرق الموت والقوات الأمريكية الغازية، التي تنهش برصاصها لحوم البشر الأحياء، لتحولها إلى كتل لحمية هامدة، ملقاة في الشوارع والأزقة، بدون تمييز بين طفل وامرأة وشيخ طاعن في السن وشاب غض، تنزف الحياة من وجنتيه، وكأن قدر العراقيين أن يواجهوا الموت ويتصارعوا معه على مدار الدورات الحياتية، وعلى أيدي شياطين الأرض ومجرمي العصر، من مغول وفرس وأوروبيين وأمريكان وصهاينة، وأخيرا من شعوبيين، يعيثون في الأرض فسادا، تحت مبرر كل شيء إلا الوازع الديني والأخلاقي، لان القتل الآدمي جريمة ابن آدم منذ بداية الخلق في قصة قابيل وهابيل، ولكنهم لا يجيدون إلا فن القتل على الهوية ولا يعرفون إلا بفرق الموت، وأئمة المذهب الشعوبي من أتباع الفرس يرقصون طربا على تمزيق العراق، جغرافيا بشرية وجغرافيا طبيعية.
القتل الشعوبي المبرمج، لانتقام من هزيمة الفرس في مواجهة عدوان الخميني وشعاراته العدوانية، من مثل تصدير الثورة التي ولدت في رحم الضاحية الجنوبية من باريس، ومع الشعارات الديماغوجية البلهاء، التي تتوافق مع شعارات السلطة البابوبية في القرون الوسطى، من مثل مفاتيح الجنة، التي كان يتقلدها جنود الخميني الشاهنشاهي الجديد، ومع احتلال العراق جاءت فرصة العملاء والخونة والجواسيس، لفتح مقابر جماعية، وتدمير البنية الاجتماعية، في تواطؤ تام وتلاحم مع أهداف العدوان الأمريكي الصهيوني والشعوبي الفارسي، من خلال الأدوات الخيانية من زعامات المذهب الشيعي الطائفي، وتحالف بغيض ضد الإنسان والإنسانية، وضد كل قيم السماء وتعاليم الدين الذي يتشدقون به.
على الوجه الآخر من عملة القتل هناك ثلاثة آلاف قتيل مرتزق أمريكي، ألقت بهم المقاومة العراقية الباسلة في نار جهنم، وأكثر من عشرين ألف يتلمضون مرارة الألم والتحسر على الحياة، التي أضاعوها بدون سبب وبلا هدف، سوى إرضاء إدارة غبية حمقاء، تخيلت يوما إن غزوها العراق مجرد نزهة تقوم بها، وما علمت إن العراق موطن الحضارات، المتدثر بعباءة الانتصارات على كل موجات الغزو والحقد، المغولي والتتري والفارسي والأوروبي والصهيوني، وبطل يوم الفتح الذي فتح بوابة الأمة لرسالة السماء من اجل نقش الرسالة الخالدة على جبين الأمة، والبوابة الشرقية التي دافعت بالدماء الحارة عن يهود الخليج ونواطير الزيت، الذين القوا بلحم العراق الحي تحت أقدام الغزاة، كان العراقيون الأباة بالمرصاد لمرتزقة أمريكا وأتباعهم، من عملاء وخونة وجواسيس وشعوبيين وعرب الجنسية، فهشموا وجه الإمبراطورية المتغطرسة، وأذاقوا أتباعهم مرارة الخوف، الذي استجاروا منه بالمنطقة الغبراء.
ما بين القتل الآدمي العراقي وقتل المرتزق الأمريكي بون شاسع، فالأول كان جريمة في وجه كل فئران الأرض وديدانها، من زعماء الطائفية الحقيرة، التي جاءت مع الدبابة البربرية الأمريكية، وتدثرت بعباءة الشعوبية الفارسية، تعمل جاهدة على قتل وطن العراقيين وطمس هويتهم، ليلتحقوا بثوار الضاحية الجنوبية في باريس، وبشعوبية الشيعة الصفوية، التي شوهت الإسلام دينا ومذهبا وعقيدة، كما شوه بنو صهيون التوراة، وكما قام تجار البابوات في القرون الوسطى بتشويه الإنجيل، وتعاليم المسيحية السمحة، وكما يبدو للعيان فان الحقد الفارسي البغيض وأتباعه، يريدون أن ينتقموا لهزيمتهم أمام جيش العراق البطل في عدوانهم، الذي دام ثماني سنوات ولم يرتدعوا الا بعد تجرع السم وذل الهزيمة، وفشل في تصدير الثورة الخمينية الشاهنشاهية، حتى مع مفاتيح الجنة التي كان يتقلدها جنود الشاه المعمم، الذي كان ومازال أتباعه يتلذذون بالنوم في الحضن الامبريالي الأمريكي الصهيوني، رغم كل الصراخ والعويل بحق أمريكا والكيان الصهيوني.
أما الثاني فهو حق الشعوب المقدس في الدفاع عن نفسها أمام الغزو البربري الهمجي، الذي قامت به أمريكا وبريطانيا في تسويق الكذب والشعارات الزائفة، في الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، لاغتصاب هوية إنسان ووطن، تحت شعارات العولمة وفتح الأسواق، وإخضاع الشعوب بالبوط العسكري، في تحالف بغيض بين كل أعداء الإنسانية من امبريالية و صهيونية وشعوبية، وبأدوات رخيصة لا تقوى على المواجهة إلا بالاحتماء بأسيادها.
قدر العراق والعراقيين أن يكون القتل عندهم على وجهين، فيهم بالخسة والعار والنذالة للقائمين عليه، ومنهم في الدفاع عن الأرض والعرض والإنسان، فيه نبل وشجاعة، فيهم ضد الله وتعاليمه من أتباع كل الديانات التي ساروا على هوامش التشويه فيها، ومنهم مع الله وهديه وتعاليم رسالاته السماوية، فيما تقول من مات دون أرضه أو عرضه فهو شهيد، والغزاة لن يكون مصيرهم الا نار جهنم وبئس المصير.
العراقيون رغم فداحة المصاب لم ييأسوا من بزوغ شمس الحرية، لان المؤمنين بقضيتهم لن تكون نهاية النفق إلا الأمل، أمل الانتصار الذي سطروا كلماته ونقشوا حروفه منذ اليوم، الذي قرروا بإرادتهم الصلبة وعزيمتهم التي لا تلين أنهم سيكونون في خندق المواجهة، وقلبوا كل تنظيرات المنظرين وفذلكات هواة العهر السياسي، وامتلكوا زمام المبادرة في المواجهة، لأنهم أعدوا لها رغم غباء الكثيرين، الذين لم يستوعبوا كيمياء القيادة العراقية، التي أعدت وهيأت ووفرت كل مستلزمات المواجهة، فكانت الانطلاقة أسرع انطلاقة بشرية في وجه الغزاة والمحتلين، وكان الأداء العراقي على أيدي مقاومته الباسلة ارفع أداء، وكانت الشجاعة إكبار وإجلال، وأصبح النصر قاب قوسين أو أدنى، فهاهي الإدارة الأمريكية تتلوى من وجع ما أصابها، ولا تفكر إلا بطريقة الهروب الذي لن يكون له شبيه في تاريخ المواجهات، ما بين دولة في موقع إمبراطورية، وشعب قررت طلائعه أن تكون نموذجا لكل شعوب الأرض في المواجهة رغم اختلال في موازين القوة المادية، وحققت ذلك باقتدار، لأنها امتلكت الإرادة والإيمان، وتسلحت بقوة الحق في مواجهة حق القوة.
نعم تحول العراق إلى مقبرة فيها خسة العملاء والمأجورين، وأخرى فيها شجاعة الرجال الأبطال، وشتان بين حالين وموقفين ومقبرتين، واحدة سيطويها التاريخ ويدوسها بأقدامه، وأخرى ستشع نورا ونبراسا لشعوب الأرض التواقة إلى الحرية، وسيبقى الفضل فيها لنشامى العراق من أبطال المقاومة الباسلة.