شعب هذه نساؤه مستحيل استسلامه

عوني فرسخ

المظاهرة السلمية لنساء بيت حانون، التي قادتها عضو المجلس التشريعي جميلة الشنطي، غير مباليات بالرصاص المنهمر عليهن، ولا بسقوط شهيدتين وعدد من الجرحى، حتى كسرن الحصار عن المقاومين المعتصمين بالمسجد. هذه المظاهرة على جلالها وبالصدى الذي تركته عند الأعداء قبل الأصدقاء ليست بالحادثة الفريدة في تاريخ نضال المرأة العربية الفلسطينية، وإنما هي حلقة من سلسلة ممتدة من وقفات العز والفخار التي توالت منذ بداية الصراع الذي فجره التواجد الصهيوني على التراب العربي في فلسطين. وعبر كل انتفاضات وثورات الشعب العربي الفلسطيني، منذ الصدام الأول بين فلاحي منطقة الخضيرة والمستوطنين الصهاينة سنة ،1886 كان للمرأة حضورها المحفز للرجال على مواجهة التحدي الاستعماري الصهيوني، كما أنه على مدى المائة والعشرين سنة الماضية الحافلة بالصدامات كان للمرأة إسهامها العملي. وإذا كان التاريخ أستاذ البشرية الأول فإن في تاريخ صمود ومقاومة الشعب العربي الفلسطيني صفحات مشرقة خطتها المرأة بالدم وليس بالدموع، اذكر بعضها لعل في الذكرى ما يقنع المتهافتين على الصلح والتطبيع بأنهم إنما يجدفون ضد تيار تاريخ شعب عصية إرادته، رجالا ونساء، على الاستلاب.

ففي عشرينات وثلاثينات القرن الماضي كانت شرطة حكومة الانتداب والقوات البريطانية تساعدها الهاجاناه الصهيونية تتولى اقتلاع الفلاحين من الأرض التي فلحها آباؤهم وأجدادهم مئات السنين، دون مبالاة بحقوقهم فيها، عندما يشتريها الصندوق القومي اليهودي "الكيرين كايمت" من الإقطاعيين العرب. حدث ذلك في غور بيسان، ومرج ابن عامر، والخالصة، ووادي الحوارث، وغيرها من أراضي فلسطين الخصبة. وفي جميع الحالات كانت النساء تتقدم الصفوف في مواجهة رصاص قوات التحالف الاستعماري الصهيوني.

وفي معظم الحالات كان يقع قتلى وجرحى من الفلاحين والفلاحات، الذين تصدوا للقوات التي كانت تُسخّر لاقتلاعهم وتشريدهم، وتدمير بيوتهم التي كانوا قد أقاموها بأموالهم الخاصة. تماما كما يحدث هذه الأيام في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. ففي سنة 1924 سقط من فلاحي العفولة قتيل وعدد من الجرحى في دفاعهم عن حقوقهم المكتسبة كمستأجرين أصوليا للأرض من أسرة سرسق الإقطاعية التي باعت 63634 دونما، بما في ذلك بيوت اثنتين وعشرين قرية كانت ملكا خالصا للفلاحين. وكان بينهم بعض النساء. وتعقيبا على الحادثة كتب مدير الأمن العام البريطاني براملي في مذكراته يقول: "هل يمكن أن يشاهد الشعب البريطاني وعصبة الأمم في صمت الوطن القومي اليهودي وهو يبنى على دماء العرب الذين يقتلون بالرصاص اليهودي في هذه العملية". وعندما باعت أسرة تيان 30000 دونم في وادي الحوراث داست سيارات الشرطة النساء الحارثيات اللواتي افترش الأرض محاولات منع تهجير قبيلتهن قسرا وتدمير بيوتها المتواضعة.

وعندما نفذت أحكام الإعدام سنة 1930 بالشهداء: محمد جمجوم، وعطا الزير، وفؤاد حجازي، استقبلت أمهاتهم وأخواتهم وقريباتهم جثامين الشهداء بالزغاريد، فكان أن أبدعن التقليد الفلسطيني بالاحتفال بالشهداء باستقبال جثامينهم بالزغاريد، واحتفال الأهل بالشهداء واستقبالهم المهنئين.

وكان للمرأة العربية الفلسطينية دورها في الحراك الوطني، إذ شاركت في المظاهرات والمناسبات الوطنية. وعندما أعلن الإضراب العام سنة 1936 عقدت السيدات مؤتمرا في يافا يوم 11/5/1936 وأصدرن بيانا يدعو “اللجنة العربية العليا”، واللجان القومية، التي كانت قد شكلت في جميع المدن، بمقاطعة حكومة الانتداب وعدم الدخول معها في أي مفاوضات قبل تحقيق المطالب الوطنية الثلاثة: وقف الهجرة اليهودية، ومنع بيوع الأراضي للمؤسسات والشركات الصهيونية، وإقامة حكومة وطنية دستورية مسؤولة أمام برلمان منتخب. وقد شاركت الطالبات في المؤتمر الطلابي الذي عقد في يافا في اليوم السابق لمؤتمر المرأة، وشاركن في صياغة قراره بالدعوة إلى تطبيق مبدأ "لا ضرائب دون تمثيل"، كما أسهمن في حملة مقاطعة البضائع الانجليزية والصهيونية.

وعندما تفجرت ثورة 1936-1939 نشطت النساء في جمع التبرعات والعناية بالجرحى والمحتاجين، وكانت الفلاحات يقمن بإيصال الطعام للثوار، ويساهمن في متابعة تحركات القوات البريطانية وتنبيه الثوار للخطر. وفي حالات الهجوم المباغت كن يشاركن الرجال في إقامة طوق من حول الثوار لحمايتهم والتستر عليهم. وكثيرات هن اللواتي بعن مصاغهن لتمكين الزوج أو الأخ أو الابن من شراء بندقية والالتحاق بالثوار.

وعندما انطلق العمل الفدائي، منتصف ستينات القرن الماضي، انخرطت في صفوف مختلف الفصائل الصبايا من سائر طبقات المجتمع العربي الفلسطيني، ولمعت من بينهن أسماء كثيرة للأدوار البطولية التي قمن بها. وكثيرات هن الأمهات اللواتي شجعن فلذات أكبادهن على الانخراط في العمل الفدائي. وكذلك هو الأمر في الانتفاضتين الأولى والثانية، وكان بين شهداء المقاومة العديد من الاستشهاديات.

وبعد المدير العام البريطاني براملي باثنتين وثمانين سنة تعدد المسؤولون الصهاينة الذين هزتهم من الأعماق مظاهرة نساء بيت حانون بقيادة جميلة الشنطي، وأقتبس مما أورده د. ابراهيم الحمامي بعض ما صدر عنهم، ففي مقابلة أجرتها الإذاعة "الاسرائيلية" مع يوسي بيلين، رئيس حركة "ميرتس"، يوم الأحد 5/11 ورد قوله: “ما قامت به هؤلاء النسوة هو أسطورة، وموقف بطولي سيضفي الاحترام على النضال الفلسطيني. وإن هؤلاء النسوة سيصبحن مثالا سيحرص على اقتدائه الفلسطينيون والعرب والمسلمون في جميع أرجاء العالم”. فيما قال زئيف شيف، المعلق العسكري المعروف لصحيفة "هارتس": "إن هؤلاء النسوة صنعن تاريخا بعد أن تزودن بإيمان كبير وعقيدة صلبة جعلتهن يقدمن على هذه المخاطرة التي أسفرت عن مقتل ثلاث وجرح عدد كبير منهن من اجل العمل على فك الحصار عن المقاومين الفلسطينيين الذين كانوا محاصرين في المسجد" واعتبر زئيف شيف أن ما قامت به نساء بيت حانون سيسجل كحدث مهم وسيدرس في كتب التاريخ. غير أن أياً من المعقبين الصهاينة لم يملك جرأة الضابط البريطاني براملي، إذ ليس بينهم من دان الجريمة الصهيونية، وتواطؤ الأمم المتحدة بالصمت تجاه المجزرة الجارية في قطاع غزة، أو اعتبار الرئيس بوش المجزرة دفاعا "اسرائيليا" عن النفس، معطيا بذلك الضوء الأخضر لاستمرارها واتساع إطارها ليمتد في الضفة والقطاع المحتلين.

وحين يؤخذ في الاعتبار أن المرأة هي الأم والأخت والزوج، ولها دورها في مواقف الرجال، ولم يبدر عنها على مدى سنوات النضال العربي الفلسطيني إلا كل ما يشرف ناهيك عن انخراطها في العمل ودورها في إعالة الأسرة وتعليم الأبناء والإخوة وحماية المجتمع الذي اقتلع من وطنه وصودرت ممتلكاته، وحين تعقد المقارنة مع الشعوب التي شردت ونجد أنه يضرب المثل بحفاظ العربية الفلسطينية، المسلمة والمسيحية، على شرفها مهما بلغت درجة الحرمان الذي تعانيه أسرتها. يغدو مبررا القول إن شعباً هذه نساؤه مستحيل أن يستسلم أو يركع مهما بلغ الإجرام الصهيوني والتواطؤ الدولي والتخاذل العربي.