إغلاق مطارات.. حظر تجول، استنفار الحرس الهزيل والحالة جيم،
نيغروبونتي في بغداد وطالباني في باريس
بثينة الناصري
ولأول مرة تعقد المحكمة يوم الأحد مع أن بداية أسبوع الرب عندنا يبدأ يوم الاثنين
لماذا الأحد؟ لأنه يسبق يوم الانتخابات في بلاد السيد بوش بيومين، وهو آخر أيام الحملة الإعلامية هناك فإذا صدر الحكم يوم 5 يكون لدى بوش وعصابته 24 ساعة يستطيعون فيها تدبيج الخطابات وتحشيد الرأي العام المتخاذل عن نصرة حزبه، وتذكيره بفوائد غزو العراق، فكل ما مرّ علينا في العراق هو مجرد فقرة انتخابية في مسار الإمبراطورية.
حصار دولة لمدة 13 عاما..
قتل مليون ونصف من أهلها
تجويع وإفقار شعب غني من 25 نسمة..
قصفها بالأسلحة المحرمة..
غزو دولة مستقلة..
تدمير ماضيها وحاضرها ومستقبلها..
محو هويتها، وتغيير دستورها وقوانينها..
نهب آثارها وذاكرتها..
تعذيب واغتصاب رجالها ونسائها..
ترويع ـطفالها وحرمانهم من طفولتهم..
قتل علمائها وأطبائها ومثقفيها..
تخريب زراعتها واقتصادها..
نهب نفطها وخيراتها وكل مواردها..
إطلاق وحوش الغابة و"فرق الموت"..
قتل 655 ألف من أبنائها..
تهديم المدن على رؤوس أهلها..
تمزيق وحدة الشعب وإثارة الفتنة
تحويل السكان إلى مشردين ولاجئين ومتسولين..
تخريب التعليم والرعاية الصحية..
نشر الآيدز والمخدرات والدعارة..
المتاجرة ببناتها وأطفالها في دول العالم..
كل تلك الكوارث كانت مجرد فقرات انتخابية.. انظروا.. لقد أسهمنا - مرغمين - في حملاتهم بدماء الأطفال وأشلاء الوطن!.
وأخيرا هذه "المحكمة" حيث يذبح فيها الحق والعدل قربانا في قدس أقداس الانتخابات!.
في خلال الشهرين الأخيرين أذاعت الأنباء أنه تم تنفيذ الإعدام في 300 عراقي متهم بالإرهاب في محاكم الجنايات "العراقية". لم يلتفت أحد إلى هذا الخبر ولم أجد أحداً يعلق عليه!. ولكن إذا كانت مسرحية المحكمة (العلنية) التي يحاكمون فيها رئيس دولة وأركان حكمه ويبثونها على العالم، على هذه الشاكلة من الهزالة والإجحاف فكيف بالمحاكمات التي لم يسمع بها أحد وتم الحكم عليها بالإعدام على 300 لا نعرف إن كان سمح لهم بتوكيل محامين أو كيف تم إثبات التهم عليهم أو إذا تمكن محاموهم من الترافع عنهم قبل إصدار الحكم؟
لأن محاكمة (العصر) كما يسمونها والتي أرادوها نموذجا للشفافية والنزاهة التي لا تعرفها بلاد حمورابي، قد خلت من كل ذلك..
كانت المحكمة عيانا بيانا قد خالفت بتشكيلها كل الأصول والقوانين العراقية والدولية وقد أعلن الكل أنها باطلة.. من مسؤولين أمميين إلى منظمات حقوق إنسان، إلى هيئات رسمية مثل مجلس (الدوما) الروسي إلى مجموعة (العدالة) التابعة للأمم المتحدة.. إلى خبراء قانون دوليين، إلى رجل الشارع في كل مكان، ومع ذلك مضت "المحكمة" لا تلوي على شيء ولا يوقفها شيء من كل هذا!. ثم بدأت الجلسات ورأينا ما شابها من مخالفات وقتل للمحامين وإسكات لشهود الدفاع ومنع مناقشة ومساءلة شهود الزور، وطرد للمحامين وللأسرى وحرمانهم من لقاء بعضهم كما يحتم القانون، وعرقلة حصول المحامين على الوثائق أو الوقت الكافي لدراستها!.
باختصار تجمع في "المحكمة" النموذج ويا للمفارقة كل أنواع الانتهاكات لحقوق الأسرى التي يمكن أن يتخيلها المرء ابتداءا من التحقيق مع الأسرى بدون حضور محامين وانتهاء بإغلاق لاقطات البث حتى لا يسمعهم أحد في الخارج!. فقد كان المطلوب شيئا واحدا هو إسماع العالم وجهة نظر واحدة دون مناقشتها بشكل جاد، أو دون السماح بالطعن بالشهادات مهما كانت سخافتها الظاهرة!. وكان القضاة الذين توالوا على "المحكمة" يعملون وكأن سوطا يلهب أقفيتهم، فقد كانت الجملة الوحيدة المتسلطة عليهم "لا وقت لدينا"!..
ولكن أعجب ما انتهت إليه "المحكمة" هو أنها ستصدر حكما دون سماع مرافعات الدفاع!.
إذن لدينا "محكمة" نموذج فعلاً ولكن لمحاكم الاحتلال الجائرة، حيث يحاكم رئيس دولة لأنه صادق على قرار بإعدام خونة للوطن حاولوا اغتيال قائد عام للقوات المسلحة بمساعدة العدو الذي تخوض معه دولته حرباً. ماذا يسمى من يفعل ذلك إلا خائنا للوطن؟
كيف أصبح هؤلاء في غفلة من الزمن أبطالا وشهداء وتحول من دافع عن الوطن إلى مجرم يستحق العقاب؟!
هل معنى هذا أنه لم يعد في إمكان أي رئيس دولة في أي مكان في العالم أن يدافع عن دولته من أي مؤامرات يحوكها الأجانب ويتورط فيها الخائنون ضد دولته؟!
هل هذا هو الدرس الذي نتعلمه من هذه المهزلة؟ ودرس آخر.. على المتهم ألا يدافع عن نفسه! هذه تهمتك لا تناقش ولا تدافع. أنت مذنب وشهود الزور معصومون لا يجب التشكيك بهم، وكل ما تقوله لا علاقة للقضية به!. ما دخل ايران والحرب؟ حتى لو هرب المنفذون للمحاولة إلى ايران ولم يعودوا إلا بعد الاحتلال.. حتى لو كانت الأسلحة التي وجدت معهم ايرانية.. حتى لو أذاعت طهران أنباء المحاولة قبل حكومتك، هذه "المحكمة" جنائية وليست سياسية. عندك كلام داخل الموضوع تكلم أما تجرنا إلى حديث السياسة والحرب.. غير مسموح!..
محاكمة من جانب واحد وصوت واحد حيث لا محامون ولا مرافعات!. وحيث أعلمنا جميع الإمعات في "دولة الخضراء" بالحكم مسبقا منذ عام 2004 وأولهم كان وزير عدلهم في ذلك الوقت وتوالت الإعلانات.. ولعل أبرزها كان قول طلباني بأنه سوف "يغادر البلاد ولن يوقع على حكم الإعدام بل يتركه لنائبه"، لأنه من شدة إنسانيته كان قد وقع على ميثاق عالمي بتحريم حكم الإعدام!، ورغم أن حكومته أعادت حكم الإعدام (خصيصا لصدام حسين) بعد أن ألغاه "بريمر" ولكنه في كل الأحوال لن يوقع عليه.. ولا ندري من وقع على أحكام إعدام 300 مواطن عراقي في خلال شهرين. طلباني الآن - ويا للمصادفة - في زيارة لباريس تستغرق ثمان أيام يتدحرج خلالها حاملا أكوام شحمه وفوقها أطنان ذنوبه، متعثرا بين الأرجل مثل بالونة منفوخة بالهواء الفاسد، حاسبا أنه يستطيع أن ينجو يوما بفعلته.
***
أما أنت يا قائدنا ومعلمنا.. فالحمد لله الذي مد الله في عمرك حتى رأيت ابناك وحفيدك أحياء عند ربهم يرزقون بعد أن قاتلوا قتال الأبطال حتى غلبت الكثرة الشجاعة.
الحمد لله الذي مد في عمرك حتى رأيت وسمعت كيف انقلب السحر على الساحر وكيف وقع المتآمرون في كل فخ نصبوه لك.. حتى أنهم كلما أمعنوا في تشويه صورتك، ازداد إعجاب الناس بك واكتسبت أنصارا جددا.
الحمد لله الذي مد في عمرك حتى ترى الناس وهم يعرفون - بعد ثمن باهظ دفعوه من دمائهم ومن أشلاء الوطن - أين الحق وأين الباطل، ومن صدق ومن كذب ومن صان ومن خان، ومن عمّر ومن دمّر، ومن بذل ومن بخل، ومن وهب ومن نهب، ومن وحّد ومن شرّد.
الحمد لله الذي مد في عمرك لتسمع بكاء النادمين من أعدائك ولوعة المترحمين على بعض أيامك.
الحمد لله الذي مد في عمرك حتى شهدت الغزاة ينتحرون وينحرون على أسوار بغداد، على أيادي أبنائك الرجال الصناديد.. وكم لك من أبناء وأحفاد.. ذرية لا تنقطع من العراقيين بناة الحضارة المجبولين بطين الفراتين.
الحمد لله الذي أظهر الحق ونصرك، والحمد لله على هذه "المحكمة" المهزلة التي أبانت للعالمين هزالتهم وهوان تدابيرهم وخسة أباطيلهم حتى صاروا مسخرة وعبرة للرائح والغادي.
يا سيدي القائد يا رفعة الرأس يا من علمتنا ألا نحيد أو ننحي، الحمد لله الذي نصرنا بك في كل أحوالك: في رئاستك وفي أسرك وفي شهادتك إذا منّ الله بها عليك.
أما المتخاذلون الخائنون المرتعدون الذين أعلنوا الإنذار الشامل وحظر التجول وإغلاق المطارات وهرب منهم من هرب وتحصن منهم من تحصن لمجرد النطق بالحكم، فماذا سيفعلون إذا أرادوا - شلّت أياديهم تنفيذه؟
لهؤلاء أقول: يكفي أنه بعد مضي (75) سنة تحفظ أجيال من تلاميذ المدارس في كل وطننا العربي اسم عمر المختار، لكنهم لا يعرفون اسم قاتله.