آخر الهزائم الأمريكية بالعراق
د. فاضل البدراني- العراق *
يبدو أن قرب موعد الانتخابات الأمريكية قد طوع إلى حد كبير شعور الاستكبار الجنوني لدى إدارة بوش بالجنوح إلى الواقعية.
ولقد لمسنا في الفترة الأخيرة كمية المعلومات المتسربة وهي تتدفق من أجهزة الاستخبارات والجيش الأمريكي لاسيما في ما يتعلق بالشأن العراقي وخسائرهم البشرية والمعداتية، ولعلها فرصة ايجابية أن تقر بجزء من الهزائم وليس كلها حيال تواجدها اللامشروع بالعراق وإظهارها بفعل قوة المقاومة أم بفعل حالة الضعف وغياب الحجة أمام خصومهم من "الديمقراطيين"، وهي في كلا الحالتين تعد نتيجة منطقية لأفعال ردة الفعل التي تبنتها جهات مسلحة عراقية لا أحد ينكر أنها المقاومة الوطنية المسلحة.
وطالما نحن بصدد الصراع بين "الجمهوريين والديمقراطيين" وهمم على أعتاب حملة الانتخابات النصفية، يقول عضو ديمقراطي بارز في الكونغرس (جون مورثا) ما من شك أن "الجمهوريين" يتملكهم الخوف هذه الأيام، فأينما وجدوا سواء في البيت الأبيض، أو في الكونجرس يشعرون بالقلق من احتمالات الخسارة في الانتخابات المقبلة. لذا شنت الإدارة الأمريكية واللجنة المركزية للحزب الجمهوري هجمة شرسة على الديمقراطيين، وموقفهم من الحرب في العراق. ويصفونهم بالانهزاميين ويقر العضو "الديمقراطي" بأن الخسارة الأمريكية في غزو العراق والنفق المظلم الذي دخلت فيه حولت "الجمهوريين" إلى أبواق لا تحسن التصرف السليم سواء فيما يتعلق بالدبلوماسية الخارجية أو في التعامل المحلي مع الوسط السياسي المتعلق بالعلاقة مع "الحزب الديمقراطي"، وكل ما عندهم هو الهذيان بالإرهاب الإسلامي أو المشرقي وإلصاق مختلف النعوت والتوصيفات السلبية بـ"الديمقراطيين"، فتارة يصفونهم بأعوان الإرهابيين وتارة أخرى بالانهزاميين أو المتخاذلين وهي لا تعدو في نظر (مورثا) سوى أوصاف قدحية يراد بها تشويه سمعة الأطراف الأخرى ليكون سواد الوجوه واحدا لدى إدارة بوش أو الجمهوريين على مبدأ (حشر مع الجمع عيد).
بلا شك الموقف سيكون لصالح "الديمقراطيين" في الانتخابات وهو مؤشر طبيعي ودقيق ومعبر عن نبض الشارع الأمريكي الرافض إلى تصدير الحروب إلى الساحات الدولية الأخرى لإراقة الدماء، هذا هو رأي الشعوب في كل زمان ومكان تطربها "أنشودة السلام" لا أناشيد الحروب والغزوات كما يرددها "البنتاغون" بعد أن أضحى أداة طيعة بيد بوش منذ ست سنوات تقريبا، وعازفوها يسيرون على جثث أمريكية أصبحت مأكل الغربان وذئاب صحارى بلاد الرافدين المفترسة.
نعم، الآن الولايات المتحدة تعيش مرحلة الدعاية الانتخابية بين الحزبين المتنافسين وإن كانت النتيجة، قد قطفها "الديمقراطيون"، جاءت هذه المرة هدية من المقاومة العراقية، لكن هذا لا يعني على الحزب الأخير أن يغلق أبوابه ويترك المنافس "الجمهوري" يتصرف ويعربد لوحده بالساحة وقد يكون رأي الحزب المنافس أنموذجا لمنهج العربدة الأمريكية في العهد البوشي، لأن في السياسات الحزبية وخاصة في العالم الغربي وبقدر ما تتشفى الأحزاب بخسارة خصومها من الأجندات السياسية والفكرية فإنها تبقى تتحرك ضمن مجال أوسع ونشاط دؤوب لتعزيز حالة الفوز بالنتيجة.
وفي دعايتهم يقول "الديمقراطيون" أنهم عندما ينصحون إدارة بوش بالانسحاب، وتغيير استراتيجية التواجد العسكري الأمريكي بالعراق وإلى التصرف وفق مسلمات الواقع أيا كانت سلبية أم ايجابية فإن هذا المنطق ليس انهزاميا بقدر ما هو واقعي يرى بأن 140 ألف جندي أمريكي في العراق تتعرض حياتهم يومياً للخطر، فإن من الحكمة بمكان أن يتطلب الأمر إعداد خطة محكمة توفق بين القوة العسكرية من جهة والجهود الدبلوماسية والسياسية من جهة أخرى، كما يستحقون مهمة واضحة ومحددة ويعرفون على وجه الدقة ما هو منتظر منهم لإنجاز المهمة بعيداً عن الخطب الرنانة والأكاذيب وبذلك لا يعد الوصف للموضوعية بالانهزامي كما يحلو للجمهوريين ترديده.
فالجيش الأمريكي قام بكل ما يستطيع به في العراق من خطط وخيارات عسكرية مفرطة كما يطلق عليها في السوق العسكرية لكبح إرادة العراقيين المدافعين عن كرامتهم وسيادة وطنهم المحتل، لكن الشعب العراقي، من ناحيته، تمسك بخيار الاستقلال ورؤية القوات الأمريكية تغادر بلاده في يوم منتظر لا بد منه، وتلك حقيقة يتحدث بها "الديمقراطيون" المقبلون على فرض هيمنتهم على "الكونغرس" و"البيت الأبيض".
في الفترة الأخيرة وبالتحديد في شهر رمضان تفاقمت نسبة الخسائر الأمريكية على إثر اشتداد عنف المقاومة ضد أي مشهد أمريكي في الشارع العراقي، ومع أن المراقبين يقولون بأن معدل الخسائر الأمريكية كان 3 جنود أسبوعيا تتمركز غالبيتها في الأنبار إلا أن الأسابيع الأخيرة أشرت ارتفاعا كبيرا عن هذا المعدل الثابت، ووفقا للبيانات العسكرية الأمريكية فأنه في غضون ثلاثة أسابيع وصل الرقم إلى أكثر من مئة قتيل وأكثر من 600 جريح أمريكي، والأدهى منه أن البيان الأمريكي يعترف بخسارة 10 جنود في يوم واحد وهو السابع عشر من شهر تشرين أول.
طبعا الشعب الأمريكي هو الحكم على ما يجري لأبنائه بالعراق تحت تصرف إدارة بوش "الجمهورية"، وستدفعه مثل هذه الحقائق المؤلمة للتصويت لصالح "الحزب الديمقراطي".
وأمام هذا يطرح السؤال الأتي: أليس من الحكمة على "الديمقراطيين" أن يضعوا خططهم المسبقة لمعالجة الورطة الأمريكية في العراق عندما يهيمنون على "الكونغرس" قريبا؟
أعتقد أن كثيرا من الدراسات والمقالات أكدت أن هذا الكلام سيكون تطبيقا موضوعيا "للديمقراطيين" في حال فوزهم بأكثرية أعضاء "الكونغرس" وربما يسقط بوش من دون أن يكمل ما تبقى من عمر ولايته، وعليه فأن على "الديمقراطيين" التفكير مليا ومن الآن بإتباع خيار إعلان الانسحاب الفوري من العراق ومعالجة الأمر بنظرة شمولية بهدف إقناع الشارع العراقي بتوجه أمريكي جديد يتسم بالسلمية من دون سواها وأعتقد أن ذلك سيخفف إلى حد ما من حالة الاحتقان والكراهية عند الإنسان العراقي، والاستمرار بنبذ الخيار الاستراتيجي للحزب "الجمهوري" الواعد بالبقاء حتى عام 2010 على حساب حياة الشباب العراقي والأمريكي طالما أن الميزانية العسكرية تمكن من دفع فاتورة الحرب إلى حين ذلك التاريخ المذكور.
في السياسة كل الاحتمالات واردة ولكن الشيء القريب إلى الأذهان هو فشل "الحزب الجمهوري" بانتخابات تشرين ثاني المقبل لصالح "الديمقراطيين"، وأما الاعترافات الأخيرة بحجم الخسائر البشرية الكبيرة فهي لا تفسر سوى أنها برغم التصعيد الإعلامي ضد المقاومة ووصفها بالإرهاب ووصف "الديمقراطيين" بالانهزاميين، تنم عن آخر الهزائم لإدارة بوش وأقساها وبروز مرحلة جديدة مليئة بالنضج لعلاقات عراقية أمريكية يسبقها اعتراف بخطأ أمريكي تجاه العراق ارتكبه بوش وأعوانه من اليمين المتطرف الذين يمثلهم "الجمهوريون" في "الكونغرس".
* عن (العرب اليوم) الأردنية