بوش في مؤتمره الصحفي: العراق جزء من الولايات المتحدة!
أزراج عمر *
عقد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يوم الأربعاء الماضي مؤتمره الصحفي بالبيت الأبيض وأسهب في الحديث حول العراق مكررا موقفه التقليدي بعدم سحب قواته إلا بعد تسجيل الانتصار في سجلات التاريخ.
طوال المدة التي استغرقها هذا المؤتمر بدا الرئيس بوش منقبضا وفى حالة المهزوم نفسيا. وأكثر من ذلك فإنه قد قال ضمنيا بأن قواته التي يبلغ تعدادها 140 ألف عسكري لم تنجز أي شيء ملموس على الصعيد العسكري. ويعني هذا أن إدارة بوش في وضع ميؤوس منه.
في هذا المؤتمر تحدث الرئيس الأمريكي بلهجة من يصدر الأوامر للحكومة العراقية وعلى رأسها نورى المالكي معربا بأن لصبره حدودا، ومع ذلك فقد ارتبك مستدركا بأنه لا يريد أن يضغط على هذه الحكومة لتعمل فوق طاقتها. ويلاحظ متتبع هذا المؤتمر الصحفي أن الرئيس بوش في أزمة كبيرة وخطيرة سواء على مستوى الرأي العام الأمريكي أو على مستوى الرأي العام الدولي.
الأغنية القديمة
كما هو معروف، فإن الانتخابات الأمريكية لتجديد الكونغرس سوف تتم بعد أقل من أسبوعين، أي في يوم 7 من الشهر القادم، على ضوء ذلك فقد كرر بوش عبارات قديمة مثل التصدي للإرهاب في العراق من أجل الأمن الأمريكي، ومساعدة الحكومة العراقية لنشر الديموقراطية وبناء الوطن الآمن.
بطبيعة الحال، فإن بضاعة بوش هذه موجهة إلى الناخب الأمريكي فى محاولة يائسة منه للحيلولة دون خسارة الأغلبية في الكونغرس لصالح الحزب الديموقراطي الأمريكي. فالرئيس بوش يدرك تماما بأن الانتخابات لن تكون سهلة في ظل سقوط الجنود الأمريكيين في العراق وتصاعد الفوضى فيه إلى جانب فشل قواته في مواجهة المقاومة التي ما فتئت تحقق نجاحات ميدانية معتبرة.
إن الفوضى بدأت أيضا تنتشر بين القوات الأمريكية التي تحارب في العراق. ولقد نقلت وكالة (رويتر) للأنباء مؤخرا بأن أكثر من 200 جندي أمريكي متواجدين في العراق قد أعلنوا عن تعبهم من الحرب كما انضموا إلى الأصوات التي تطالب الإدارة الأمريكية بسحب الجيش الأمريكي من بلاد الرافدين، ومن المنتظر أن يزداد عدد الجنود الأمريكيين الرافضين لاحتلال العراق.
وتعليقا على هذه الظاهرة، فإن الكثير من المراقبين السياسيين قد شرعوا في مقارنة هذا التململ بين صفوف القوات الأمريكية بالعصيان الذي انفجر أيام احتلال فيتنام وأدى إلى تمرد جزء من الرأي العام الأمريكي الشعبي ضد الحرب الأمريكية القذرة على الشعب الفيتنامي.
بالإضافة إلى هذا التململ المذكور فإن الاقتصاد الأمريكي يتعرض يوميا لضربات قاسية جراء الحرب في العراق وأفغانستان. إن هذه العوامل مجتمعة إلى جانب فشل القوات الأمريكية في تحقيق أي إنجاز أمنى أو عسكري ميداني توضح بأن إدارة بوش قد وقعت فعلا في المستنقع العراقي ومن المستحيل أن تخرج منه منتصرة سياسيا أو عسكريا، على ضوء ما تقدم فإن المؤتمر الصحفي الذي عقده بوش ليس إلا حركة يائسة منه لتضليل الرأي العام الأمريكي، فالشعب الأمريكي أصبح يدرك بأن المبررات التي قدمها له بوش أثناء التحضير لغزو العراق مثل وجود أسلحة الدمار الشامل في قبضة الرئيس العراقي صدام حسين لا أساس لها من الصحة كما أن الأمريكيين لا تخفى عليهم حقيقة ناصعة وهى أن العراق قبل الاحتلال الأمريكي كان خاليا مما تسميه إدارة بوش بالإرهاب والإرهابيين وفى المقدمة شريحة من تنظيم القاعدة وهكذا فإن الأغنية القديمة التي ما فتيء الرئيس الأمريكي وأعوانه مثل رامسفيلد وديك تشينى يرددونها - وهى أغنية نشر الديموقراطية وتعميمها في الشرق الأوسط من خلال نموذج العراق - صارت مجرد شعار مفلس كل الإفلاس، فالرأي العام الأمريكي الشعبي يدرك أيضا بأن الأنظمة العربية المحيطة بالعراق والتي يعتبرها بوش جهرا وعلنا بأنها متحالفة معه هي أنظمة غير ديموقراطية بأي معيار من المعايير.
ولذلك فإن تحالف بوش اللاديموقراطى هو آخر من يصدق بأنه سينشر الديموقراطية سواء في العراق أو في أي كوكب آخر. وفى الواقع، فإن أغنية بوش المتمثلة في الديموقراطية لا تصمد أمام أي نقاش عقلاني لأن الديموقراطية لا تنجز بالاحتلال أولا، وبالتحالف مع أنظمة عربية ديكتاتورية ومع (اسرائيل) التي تمارس أقذر أساليب الاحتلال والبطش في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي دمرت البنية التحتية اللبنانية في حرب خاسرة وفاشلة أخلاقيا وعسكريا وسياسيا أيضا. وإلى جانب كل ما تقدم فإن احتلال العراق قد تم على الرغم من عدم قبول منظمة الأمم المتحدة التي تمثل - ولو افتراضيا - الإجماع الدولي. فالحرب غير الشرعية غير مخولة بأية صورة من الصور أن تؤسس لديموقراطية شرعية.
حقيقة أم زلة لسان أخرى؟
في المؤتمر الصحفي الذي نحن بصدد تحليل بعض ما جاء فيه قال الرئيس بوش بأنه لن يترك العراق للإرهابيين لأن العراق جزء من الولايات المتحدة الأمريكية ما هذا الزواج الكاثوليكي بين العراق وبين الولايات المتحدة؟ ومتى كان العراق جزءا من الولايات المتحدة الأمريكية؟ مما لا شك فيه أن كلمة الجزء تعنى في سياق كلام الرئيس بوش بأن العراق ولاية أمريكية تضاف إلى نيومكسيكو التي اقتطعتها أمريكا من المكسيك بالقوة وضمتها إلى سيادتها، وإلى هاواي التي احتلتها أيضا، وإلى بورتوريكو التي استعمرتها منذ عام 1900م إلى يومنا هذا، وإلى ولايات أخرى اغتصبتها بقوة الجيش والسلاح. هل قوله بأن العراق جزء من أمريكا زلة لسان بوشية أخرى تضاف إلى زلة فعلها قبل غزو العراق بأيام حيث أعلن بأنه يخوض حربا صليبية؟ كما نعرف فإن التعليم النفسي قد علمنا بأن زلات اللسان هي تعبير عن رغبة غير واعية حيث أن رغبة بوش هو ضم العراق لكي تصبح ولاية أمريكية تضاف إلى سجل الاحتلالات الأمريكية التي بدأت بإبادة الهنود الحمر السكان الشرعيين والأصليين للقارة الأمريكية.
في كتابه المثير للجدل أميركا التوتاليتارية: الولايات المتحدة والعالم: إلى أين؟ كتب بيار سالينجر ما يلي: اسبانيون وبرتغاليون كانوا ينهبون القارة الأمريكية منذ قرن تقريبا عندما شعر الانكليز بالحاجة إلى عبور المحيط. ولم تكن غريبة عنهم الأمور التدجينية التي ولدت لدى الكثيرين رغبة الهرب إلى ملاذ مثالي. ثم يضيف قائلا: من هذه الموجة الاستعمارية الأولى، موجة الطهرانيين في انكلترا، ستنبجس السمات المؤسسة للإيديولوجية الأمريكية، التي ستتواصل على اختلاف التغيرات والتقلبات...
ويقتطف سالينجر ما أفصح عنه أحد أجداد الرئيس بوش، وهو من غلاة المستعمرين لأمريكا. هذا الرجل الجد هو فرنسيس هيجينسون الذي قال يوما: سرورنا الأعظم ووقايتنا الفضلى هما في أن نتعلم هنا ونعلم الدين الحق والوصايا المقدسة للإله القدير ثم قال: هكذا لا نشك في أن الله معنا، وإذا كان الله معنا، فمن يستطيع أن يكون ضدنا ألا يذكرنا هذا القول الذي يعود إلى عدة قرون بقول بوش: من ليس معنا فهو ضدنا.
ما دام قال بأن العراق جزء من الولايات المتحدة فذلك يعني أن كل من يقول بضد ذلك فهو إما ديكتاتور، أو إرهابي، أو كلاهما معا..!
* عن (العرب) التي تصدر في لندن