قد يختلف الشكل ولا يتغير الجوهر!
عوني صادق
قوات الاحتلال "الإسرائيلي" تجتاح وتتوغل وتقتل وتدمر في قطاع غزة، وتقتل وتعتقل وتتوغل في الضفة الغربية، والخلافات بين حركتي (فتح) و(حماس) تزداد اشتعالا وليس من أمل - إذا اعتمدنا على المعطيات المتوفرة - في الوصول إلى اتفاق على حل مقبول لأزمة (السلطة والحكومة)، وكأنما لا علاقة بين ما تفعله قوات الاحتلال وما تفعله (قوى السلطة الوطنية)، مع أن ما يحدث هنا يفترض أن يؤسس لما يحدث هناك إن كان ما زال للقضية الوطنية بقية أصبح يشك في وجودها بعد أن غطست تحت ركام الرواتب والانفلات الأمني وجولات الاقتتال المجاني. لذلك، فإن أساس المشهد الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يتلخص الآن في أن الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية تشجع وتطلق يد الاحتلال ليقدم على كل ما يخطر له على بال، مطمئنا أنه لن يجد من يقف في وجهه في الداخل أو من يوجه له نقدا في الخارج، ودون أن تنجح جرائم المحتلين في وضع حد لحماقات المتقاتلين على اللاشيء!
في ضوء هذا المشهد العبثي وغير المعقول،سؤال واحد أصبح ومنذ فترة يتردد على ألسنة أغلبية الفلسطينيين وكل من كان بلا طموحات أو منافع سلطوية أو مصلحية انتهازية على نحو أو آخر، وهو: لماذا تتمسك حركة (حماس) بسلطة يعترف الجميع (وحماس من هؤلاء) بأنها سلطة وهمية، وبحكومة ليس لها أية صلاحيات؟
هؤلاء جميعا يعرفون كل شيء عن حركة (فتح) ويعرفون ما آلت إليه أوضاعها التنظيمية، ومواقف قياداتها السياسية، ولأن هذه الأغلبية تعرف ذلك منحت أصواتها لحركة (حماس) في كانون الثاني 2006، ولأنها كانت تتوقع من (حماس) سلوكا غير الذي تراها تمارسه اليوم، فهي تفهم جيدا مواقف (فتح) لكنها، ومعها حق، لا تستطيع أن تفهم موقف (حماس)! لقد قيل لقيادة (حماس) منذ البداية دعك من الانتخابات فهذه تتم تحت سقف "أوسلو" وأنتم لا تعترفون بأوسلو، لكن (حماس) دخلت الانتخابات وفازت فيها وشكلت الحكومة. وحتى هذه اللحظة لم يفهم الكثيرون كيف حلت (حماس) التناقض القائم بين شعاراتها ومنطلقاتها وبين ممارساتها السياسية.
الجميع يعرفون أن حركة (فتح) مسؤولة عن المأزق الذي وجدت (حماس) نفسها فيه، والذي تحول إلى مأزق للشعب الفلسطيني كله في الداخل والخارج، ومسؤوليتها في هذا المأزق لا تقل عن مسؤولية أميركا و"إسرائيل" والنظام العربي. لكن (حماس) أصبحت مسؤولة عن المأزق نفسه بنفس القدر بعد أن أصرت على التمسك بالحكومة وتطلعت إلى السلطة فلم تتخل عنها ولم تدع إلى حلها، بل أبدت ولا تزال تبدي كل استعداد للتشبث بها حتى ولو أوصل ذلك الجميع إلى مشارف الحرب الأهلية، من هنا نجد أن السؤال يوجه إلى (حماس) ولا يوجه إلى (فتح)، لأن قيادات (فتح) تريد العودة إلى ما تعتبره حقوقها في (المواقع الممتازة) التي تحققت لها بالجهد والتعب والتضحيات الجسيمة! لكن الفكرة السائدة عن قيادة (حماس) أنه لم يكن لها ولم تكن تتطلع إلى مثل تلك المواقع وما يتعلق بها من امتيازات... ومن هنا يطفو الاستغراب لدى هذه الأغلبية ويكبر لديها عدم فهم موقف (حماس).
أحد المثقفين الفلسطينيين كان من المدافعين المتحمسين عن (حماس) والمستغربين غير الفاهمين لموقف (حماس)، طرح السؤال على (قيادي كبير) في الحركة، ولم يتردد الأخير في الإجابة، لكنها كانت إجابة، لبعض من سمعها، صادمة وستظل بالنسبة للبعض كذلك، لقد نقل عن القيادي الحمساوي، وبما يقترب من النص الحرفي، قوله: "نعرف أن هذه السلطة وهمية ولا وجود حقيقي لها الآن، لكننا نعرف أيضا أن هذه السلطة الوهمية هي تعبير عن حالة إجماع دولي سينتهي في لحظة ما إلى قيام دولة فلسطينية، قد يكون ذلك في أي وقت، بعد أسابيع أو بعد أشهر أو بعد سنوات، لكن لا بد من الوصول إلى اللحظة التي تقوم فيها هذه الدولة". ولم يترك هذا القيادي في (حماس) فرصة لسامعيه أن يستنتجوا مغزى كلامه، بل أضاف قائلا: "عندما تأتي هذه اللحظة التي تقوم فيها دولة فلسطينية، يجب أن نكون هناك"!
هكذا إذن! نعرف أن كل تنظيم سياسي يتطلع للوصول إلى السلطة، ولا ننكر هذا الحق على أحد، شرط أن تكون هناك دولة أولا، وليس قبل ذلك أو تحت الاحتلال، أما أن يكون هذا التطلع في ظل الاحتلال، فذلك يعنى ببساطة أن هذا التنظيم لم يعد حركة أو جزءا من حركة تحرر وطني، ثم ماذا يصبح الفرق بين تنظيم وآخر، بين (فتح) و(حماس) مثلا؟ أليس معنى ذلك أن القضية الوطنية لم تعد قضية بذاتها ولذاتها بل أصبحت وسيلة ضمن وسائل الوصول إلى السلطة تحت أي ظرف وتحت أية شروط؟ ألا يتحول النضال الوطني بذلك إلى مجرد طريقة انتهازية للوصول إلى السلطة وتحقيق مصالح التنظيم دون اعتبار لمصالح الشعب والجماهير، التي دفعت وتدفع الأثمان الباهظة وهي تعتقد أنها تدفعها من أجل قضية أكبر من مسألة السلطة؟ إن رؤية حركة (حماس) للمسألة الوطنية لا تبدو مختلفة من ناحية المبدأ ومن حيث الجوهر عن رؤية حركة (فتح)، ويبدو أن الفرق بينهما لا يزيد عن فرق الزمن، لكن حصيلة (حماس) في نهاية الأمر، وفي هذه الحالة، لن تختلف عن حصيلة (فتح)!