المقاومة العراقية على طريق انجاز مشروعها

بقلم: اسماعيل أبو البندورة *

تدخل المقاومة الباسلة في العراق المرحلة الأدق في إنجاز مشروعها التحرري، وهي مرحلة إنهاك العدو الأمريكي وإدخاله في مأزق سياسي ماحق وعريض، ومن خلال إفشال مشروعه الاستراتيجي وإرباك وتعطيل مؤسساته الكرتونية وإحراج وإفشال العملاء والداعمين له من فئات وطوائف وأحزاب وشخصيات وإدخالهم في تيه سياسي عنوانه الإحساس بالرذالة والخوف والانهزام.

أما الشطر الآخر من إنجاز المقاومة فقد بدأ يتمثل بانتزاع الاعتراف بتمثيل المقاومة الباسلة للشعب العراقي، واعتبارها الطرف الذي يمكن أن يحدد النهايات وآفاق المستقبل ووسائل الخلاص المتمثلة بطرد وانسحاب قوات الاحتلال وإعادة الأوضاع إلى ما قبل التاسع من نيسان 2003 وتعويض العراق عن خسائره وعن جرائم الاحتلال الكثيرة.

أما تجديد البيعة لحزب البعث العربي الاشتراكي ولمشروعه الوطني في العراق، والاعتراف بدوره في بناء الوطن والدفاع عن سيادته وعروبته وارتباطه بأمته العربية فهي من التجليات السياسية والوطنية الهامة ذات الدلالة بعد أن اعتقد العدو الأمريكي ومن يعاضده أنهم قد أنهوا وبقرار من بريمر والعملاء هذا الحزب العريق بـ"قانون الاجتثاث" أو بالتهميش الإعلامي وتلفيق الافتراءات وتشويه صورته أمام أبناء العراق.

الآن تعود الإدارة الأمريكية إلى المربع الأول كسيرة الإرادة والقرار تواجه الهزيمة وتعاني من مأزقها السياسي والميداني وتعود إلى الوقوف أمام المشهد الأول ذاته ولكن بصيغة أخرى وهي تجد ذاتها بمواجهة النظام القومي الذي تجددت له البيعة وانعقد عليه الإجماع وترتفع صور قائده المجاهد صدام حسين في مؤتمرات شعبية تعقد في أنحاء العراق كافة وبوجود قوات الاحتلال الغاشمة وفي خضم التلاطم والهيجان السياسي.

إنها معاناة حقيقية للإدارة الأمريكية المتصهينة ولمشروعها في العراق وهي ترى ذاتها في مطحنة المقاومة تدور وتدور داخل حلقة جهنمية مفرغة، ولا تجد لذاتها خلاصاً إلا بالاعتراف بالخصم والانهزام أمامه وابتلاع الفشل والانكسار على أنه تقدير موقف أو تجنب كارثة للجنود الذين باتوا يقتلون بالمئات ولا يلوون على أي فعل أو مبادرة.

إنها أربعة أعوام قاتلة أوقفت الحياة في العراق ونكبت شعبه وشردت أبناءه وعطلت نسغ النمو والتطور وأشاعت الفوضى والاقتتال وأعادت البلد إلى صيغة ما قبل الدولة وأظهرت إلى السطح العملاء والمتاجرين بالوطن العراقي والسماسرة واللصوص، ولم تحقق شيئاً سوى النكبات والمآسي والمخازي، فأي انجاز وفعل قامت به أمريكا؟ وأية ديمقراطية؟ وأية حياة؟ إنها جريمة كاملة ثابتة الأركان، وهي حرب إبادة وتهديم وتخريب للانجاز العراقي الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي وحاول من خلاله أن ينهض بالعراق والأمة العربية وان يضعها على طريق النهضة والاستقلال والحرية.

إنه الحلم الأمريكي البشع الذي انهزم في فيتنام وينهزم الآن في العراق، إنها الغطرسة والبربرية المنفلتة من عقالها والخارجة عن أطوارها والمندفعة لمقاتلة الأحرار وتسويد الأشرار، إنها باختصار مؤشرات الدولة المارقة التي لا ترعوي ولا تمتثل لقرار أو قيمة إنسانية، إنها القوة عندما تكون بلا عقل وهي المارد عندما يكون أعمى، إنها بؤرة الشر التي تنطلق منها شرارات الظلم والطغيان.

هذه صورة أمريكا في أذهاننا على ضوء ما فعلته في العراق خلال أربعة الأعوام الماضية، وهذه صورة أمريكا في العالم، بعد أن امتدت يدها الشريرة إلى كل بلد وشعب يدافع عن سيادته وحريته، وسوف تزداد الصورة بشاعة وقباحة عندما يرى العالم أمريكا وهي ترتد على أعقابها وعندما تهزمها قوى الحرية فتتضاعف الكراهية لها ولمشروعها ورؤاها وتصبح دولة الإبادة بامتياز أو قاعدة "الهولوكوست" وقلعة الشر المنبوذة.

إن الذي وضع أمريكا في هذه الدائرة الجهنمية هي المقاومة في العراق عندما قالت ومنذ البداية: أن الحرب مع أمريكا سوف تبدأ عندما تدخل قواتها إلى أرض العراق!! وعندما وضعت لها قيادة العراق المؤمنة مشروعاً متكاملاً لهزيمتها وإجبارها على الاندحار وعندما هب الشعب العراقي بكافة فئاته (ما عدا من ذهبت به الضلالة مذهبها فوقف مع الأعداء ضد الوطن والمقاومة) في انتفاضة عارمة وقدم من ألوان الشجاعة والاستبسال ما تعجز عن تسطيره الكلمات.

ولذلك نقول إن انجاز المقاومة في العراق هو خطوة على طريق تحرير الأمة العربية وهزيمة المشروع الصهيوني، وهي خطوة هامة على صعيد العالم، إذ أنها أبرزت صورة "أمريكا الديموقراطية" المدعاة، وكشفت أبعاد الحلم الأمريكي الجديد المتمثل بالقتل والإبادة والهيمنة وأسقطت كل الأوراق التي راهنت عليها أمريكا في قيادة العالم وتسييره وفقاً لإرادتها.

المقاومة في العراق الآن تحتاج إلى التفاف الأمة العربية حولها وحول مشروعها وتحتاج إلى مؤازرة قوى الخير في العالم لإنجاز مشروعها في هزيمة أمريكا وهزيمة أحلامها السوداء.

* عن (المجد) الأردنية