هلوسة آخر الليل
الدكتور أحمد يونس يكتب:
لا فـائدة يا مـواطن من محاولة الفـرار
سلم نفسك يا مواطن. مافيش داعي للمقاومة. المكان كله محاصر. وعلى رأي أخونا في الله الأستاذ طارق بن زياد، مع بعض التعديلات الطفيفة التي لا تغير في المعنى بقدر ما تؤكده: الفقر من ورائكم والقهـر أمامكم، فتالله أنتم أضيع من الأيتام على مائدة اللئام. وعلى ذكر اللئام، والشيء بالشيء يـذكر: هل تعلم يا مواطن أن أخانا في الله الأستاذ طارق بن زياد، كافؤوه على فتح الأندلس ببيعه – كعبد - في أسواق النخاسة، لأن الخليفة في دمشق اتهمه بسرقة إحدى الرجلين الأماميتين لعرش لازوريق أو رودريجو ملك الإشبان؟ بالشين. يعني بالعقل كده: معقولة بسلامتك حتكون أعز علينا من فاتح الأندلس؟ إحنا يا روح امك ماعندناش غالي!
حاجة تفور الدم! سلم نفسك امال ما تبقاش جبلة! المكان كله محاصر من زمان! مافيش خرم إبرة تستخبى فيه. مافيش خرم إبرة. الماء يا مواطن، إذا خطر على بالك أن تشرب، سنتسلل معه بكل ترسانة الفيروسات إلى أبعد نقطةٍ في جهازك العصبي. أما إذا سولت لك نفـسك أن تستخدمه في الاستحمام، فذنبك على جنبك. الشوارع ليس فيها ما هو أكـثر من الحفـر، بعضها يأخـذك مـباشرةً إلى قاع المجاري، حيث تجد – أخيراً - ما تأكله، فلماذا ترفس النعمة برجليك؟ لماذا أنت جاحد هكذا؟
الأغنية الحلوة التي كنت تستعين بها على قبح الأيام، جففنا منابعها. كانوا يستلهمون أفكارها أو موسيقاها من الحب. أغلقنا نهائياً هذا الملف. أغلقناه نهائياً. بائعات الفل في ميدان التحرير، ألقينا القبض عليهن، وقريباً يمـثلن أمام نيابة أمن الدولة. الأجهزة المختصة ضبطتهن ينظرن من بعيد بإعجاب إلى مظاهرات كفاية. كن متلبسات، فتلعثمن حين سألهن المحقق: المدافع الرشاشة دي اللي لقـيناهـا معاكو جيبتوها منين؟ أخبار المذابح اليومية في فـلسطين أو العراق سوف لا تسـمح لجفنك بأن ينام، وعلى الوسادة الخالية، لن تجد في انتظـارك سوى صورةٍ تذكاريةٍ كبيرةٍ بالألوان الطبيعية تضم أصحاب الجلالة والفخامة المـلوك والرؤساء، وهم يحتفلون بالانتصار عليك. دواوين الشعر أدرجناها على قائمة الإرهاب، النيل الذي تعودت أن تلتمس عنده السلوى في الأمسيات المخضبة بالقهر، ضربنا عليه جداراً عالياً من الكباريهات العائمة أو كتل الخرسانة الصماء. إذا عـن لك من الآن فصاعداً أن تكـحل عينيك برؤيته، فأنت الجاني على نفسك.
لجـوءك إلى الشرطة، شاكياً من تعـرض منـزلك إلى السطو، سوف لا يؤدي بك في النهاية إلا إلى أن تعترف بأنك مختل عـقلياً، وبأنك المسئول عن جميع الجرائم المقيدة في الدفاتر ضد مجهول. أقم لنفـسك مأتماً قبل أن تفكر في التعامل مع هيئة السكـك الحديدية. اكتب في نعـيك إذا كنت ستسافر بالعبارة: كفى تلويثاً لمياه البحر الأحمر، فأنا أرقد إلى جوار الآلاف مثلي - في أعماقه.
سلم نفسك يا مواطن! التهمة ثابتة، والأدلة كلها ضـدك. هل تنكر أنك تشعر أحياناً بالرغبة في البكاء...؟