هلوسة آخر الليل
الدكتور أحمد يونس يكتب:
لو عاد قطار العمر
لو عادت بنا الأيام، فماذا يا ترى كنا سنفعل؟ أو ما الذي كنا سنمتنع عن فعله؟ إلى أين كنا سنذهب؟ أو ما هي تلك الدروب التي كنا سنعلق في خيالنا على نواصيها علامة الجمجمة والعظمتين؟ بأي فكر كنا سنتأثر؟ أو ما هي تلك المبادئ التي كنا سنكتب على أسوارها بالخط العريض منذ البداية لافتةً تقول: احترس! حقل أوهام. لو تقرر في مكان ما أن يبدأ العـمر مرةً أخرى من أول الشريط، فهل - يا تـرى - كنا سنكتفي بالتفرج عليه، كجمهور السينما المهـذب اللطـيف الذي ليس من المسموح له سوى بأن يتابع ما يجري أمامه على الشاشة صاغراً؟
بالنسبة لي - أنا على الأقل - لا يوجد ما هو أجدر بالاحتقار من الإجابات النموذجية، خاصة في قضيةٍ مصيريةٍ كهذه. تسأل المذيعة البغبغان شخصاً ما، سياسياً كان أو فناناً أو سمساراً أو محامياً أو دجالاً أو لاعب كرة، مفكراً كان أو هباشاً أو طبيباً أو عالماً أو حتى قـواداً رسمياً: لو عادت بك الأيام، فهل كنت ستسلك نفس الطريق؟ ولم أسمع أن واحداً فقط من كـل هؤلاء جرب أن يحطم أغلال الإجابات النموذجية. الرد الوحيد الذي سمعتـه - مكرراً ألف مرةٍ - من الجميع هـو: لو عاد بي قطار العمر، لمـا اخـترت شيئاً غـير الذي كان. بالطبع لدى كــل واحـد من هؤلاء أسبابـه النفسية الخاصة التي تختلف من شـخص إلى آخر. ومع ذلك، فإن هـناك أحد ثلاثة قـواسم مشتركـةٍ بين الجميع: إما الغباء، أو الاستسهـال الناتـج عن الكسل العقلي، أو تمـلق الروح السـائدة المـيالة ـبطبيعة تكوينها التاريخيـ إلى الرضا بالمقـدر، أو كل تلك الدوافع مجتمعة.
قد تصلح هذه الإجابة النمـوذجية عاطفياً على المستوى الفردي، عندما يتعلق الأمر بشرب عصير قصب تحت شباك بنت الجيران، أو بحوث المدرسة حيث حاولنا يوماً أن نقلد بيليه، فكانت النتيجة ثمانية أسابيع في الجبس. قد تصلح هذه الإجابة النمـوذجية مع التجاوز، عندما يتعلق الأمر بمدرس العربي الذي قال تعليقاً على موضوعاتنا الإنشائية: لما تبقى كاتب كبير، اوعى تـنسـى إن الأستاذ جابر هو اللي علمك كان وأخواتها، أو بالفتاة العسلية العينين التي استمعنا معها لأول مرةٍ إلى أغـنيـة: يا مـواعدني بكـره لعبد الحليم. قد تصلح عندما نكون في أمس الحاجة إلى استرجاع دعوات الأم أو نصائح الأب أو نظرة الجدة المشفقة، أو إذا استبد بنا الحنين إلى روائح الأمكنة التي أصبحت أثراً بعد عين، أو الأزمـنة التي ارتبطت في قاع ذاكرتنا بالحد الأدنى من الشـعور بالأمان.
أما بخصوص الشأن العام، فمعنى إجابةٍ كـهذه، بكل بساطة، أن يلغي الإنسان ذاكرته، وأن يفضل تدليك غدة الرضا عن النفس على إمكانية التعلم من الخطأ. معنى إجابةٍ كـهذه، أن نسمح لمن نصبوا علينا بأن يفعلوها معنا مرة أخرى، وأن نوقع على صك تنازل نهائي عن حريتنا لأول حاكم يعدنا بطرد المحتلين أو مقاومة الغزاة، وأن نصدق نفس الزعماء الذين طالما كذبوا علينا في الماضي. إجابةٌ كـهذه، تعني بالضرورة أن نضيع فلسـطين مرة أخرى، وأن نسمح مرةً أخرى بأن نكون قطعة شطرنج، على لوحة النزاعـات الدوليـة من أجل مناطق النفوذ، وأن نستنسخ التاريخ ـحتى بتشوهاتهـ لنظل نجتره في المستقبل. إجابةٌ كـهذه، تعني بالضرورة أن نصبح كوابور الساعة اتناشـر (يا مـجـبل عـلى الصـعيد. يأتي محملاً بأحلام الجنوبيين. ثم يعود محملاً بإحباطاتهم، أو ـربما أيضاًـ بجثثهم. معنى هـذا أن نتقدم نحو الماضي، وأن نلقي بالمستقبل خلف ظهورنا، ولا نتوقف عن الدوران في حتمية التاريخ التي تحولت على أيدينا إلى حلقةٍ مفرغـة!
لو عاد بي - أنا شخصياً - قطار العمر، لمـا اخـترت شيئاً من حياتي الماضية فيما يتعلق بالشأن العام، باستثناء هذا الوطن، على الرغم من كـل هذه المعاناة! على الرغم من كـل هـذه الـ(معاناة)...!