واخنساءاه
عدنان كنفاني
أما آن لأخوتك وأبنائك الهدأة من طوفان الموت.؟
أما آن لنا أن نستنجد بذيول ضفائرك المعتّقة برائحة الحناء والزعتر، نستصرخ نخوتك الصاعدة فوق هزائمنا المشبعة بالعار والخذلان.؟
أما آن لك أن تحتلي مواقع الرجال الذين تلفّحوا بملاءات الخزي، وآثروا الاختباء في جحور الرذيلة والفساد.؟
واخنساءاه..
تكالبت علينا أفانين ذواتنا، وأرهقتنا نزوات العابثين بمصائرنا، وأنهكنا وجع الحصار قهراً وجوعاً وعطشاً وموتاً يومياً، والسادة فوق عروشهم يتبادلون أنخاب شقوتنا، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير..
فهبي من فراش الريح.. هاتي من رحمك النبيّ نسلاً يخلع عنا تهمة العار، ويعيد إلينا حضنك الدافئ.
اسكبي عطورك في مجارير الخراب، وخطي على جفنيك الساهرين فحم العزاء، فقد غاب عنك الأحبّة واحدا بعد الآخر، ثم تلفّحي بملاءات البياض وانزفي وجعاً.. وزغردي.
لقد جفّت مواعين الرجال، فقومي بشموخك لنصرة بقائنا.
فكّي عنّ أبنائك وأخوتك تهمة الحصار، وانتظارهم لموت آت على وقع جرّافات تهدم فوقهم كل شيء، وعلى أرصفة الطرقات المحروقة أرخي وجنتيك واغفيِ قريرة هانئة.
اخلعي زنانير الورد والبسي زنار الخلاص، فقد مضى عهد المعتصم قديماً وما عاد في الساحات سواك.
أفتّش عن ذاتي بين تلاطم الأحداث، فلا أجد غير هيكل معبئ بالعجز، مسكون بالصمت الذليل، وقلم جفّ حبره، وقراطيس ما عادت تحمل مضامين اللهفة والعزاء.
من يصدق أن أحدا من العرب، صغيراً أو كبيراً، مسؤولاً أو مواطناً، ذكراً أو أنثى لا يدرك بأن ما يجري بنا كعرب بات يشبه تصفية جماعية ممنهجة ومخططة ومدروسة، وإبادة لجنسنا وانتمائنا وقوميتنا على ظهر هذا الكوكب.
وأن مقولة السلام، والمفاوضات من أجل السلام، والتمسّك بخيار السلام أصبح أمراً مقزّزاً يبعث أحياناً على السخرية، وغالباً على القرف.
ومن كان يصدّق أن يصل الأمر ببعضهم للإعلان عن عهرهم السياسي على المنابر، بل والتباهي بانتمائهم إلى المعسكرات المعادية، والترويج لنصرة المشروع الصهيوني الذي يلبس في كل يوم قناعاً جديداً، ويحمل شعاراً جديداً، ويسخر منا ويضحك علينا بوعود فارغة.
ومن كان يتصوّر أن يصل الحال بين الأخوة وأبناء العمومة والخؤولة وأقرباء النسب والدم للإعلان دون وجل أن "يا وحدنا" هي الشعار السائد والمقبول والمطلوب للنجاة من كل التزام أخلاقي وديني.!
وهذا يعني أن نعيش حالة الصمت والتفرّج المخزي، بل ومشاركة مستميتة لتنفيذ ما خططه لنا "الغوييم".. ونصبح ملكيين أكثر من الملك، وذيولاً منتصبة لنصرة الديمقراطيين الجدد بالروح والدم، وقوّة عسكر تدعم الحصار وتشارك في المراقبة والقمع تماشياً مع سياسات الصهاينة.
سأل أحدهم الملحق العسكري بالسفارة الفرنسية في العراق إبان الحصار الظالم على العراق قبل استنزافه ومن ثم غزوه واحتلاله، سأله قائلاً: مليون طفل عراقي يموتون سنوياً بسبب الحصار، فهل هذه هي ديمقراطيتكم.؟
أجابه الملحق العسكري الفرنسي ساخراً: وهل تقول لي من يحاصر العراق.؟ وهل نستطيع لو خرق أحدكم الحصار أن نفعل شيئاً.؟
بلد إفريقي فقير اخترق الحصار الذي كان معلناً على ليبيا قبل أن تزّف ولاءها لأمريكا، وهبطت طائراته على أرض مطار طرابلس ولم تستطع أمريكا أن تفعل شيئاً.
فهل نستطيع أن نسأل من يقيم وينفّذ الحصار بإخلاص وطاعة تامّة على شعب فلسطين.؟
ومن يمنع السلاح والنصرة عن الشعب الفلسطيني.؟
ومن يشارك في النباح بأن ما تفعله "إسرائيل" هو دفاع عن النفس وهو يتابع الموت اليومي الذي يطال في فلسطين كل شيء من بشر وشجر وحجر.؟
فهل نقلّم أظافرنا، ونخلع أسناننا، ونقطع ألسنتنا، ثم نقدم رقابنا للمقصلة راضين قانعين.؟
عندما يغيب موقف الرجال، تهبّ النساء لاحتلال مواقعهم..
فيا خنساء عصرنا الذليل، هلا تعيدين إلينا قليلاً من كرامتنا الذبيحة.؟
واخنساءاه
اغسلي عجزنا بطيب دمائك، وهزّي عروش الصامتين.
سنبعثها صرخة مدويّة تسع رحابة هذا الكون.. فهل تسمعون..؟