خيمة اعتصام لا تكفي!
عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في سورية
انقضى حتى الآن أسبوعان على إضراب الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب عن الطعام في سجون الاحتلال "الإسرائيلي". الحدث على كل ما يحمله من مضامين نضالية وإنسانية لم يحظ بحقه من الاهتمام المفترض لا دولياً ولا إقليمياً. بل يكاد يجوز القول أنه قوبل بنوع من عدم الاكتراث الدولي المفهوم إلى حد ما وغير المفهوم على الإطلاق عربياَ... مفهوم دولياً نظراً لفهمنا لموازين القوى الدولية التي لا تصب في الصالح العربي، لا سيما في هذه الفترة التي تراجعت فيها اعتبارات المواثيق والقوانين والأعراف الدولية لصالح منطق القوة، وتغوّل "قيم" المصالح وحدها، إن صح التعبير، وفي ظل عالم القطب الواحد المتفرد برسم قرارات العالم لصالحه وحده، والمنحاز أو المتحالف إن شئنا الدقة مع "إسرائيل"، والمتطابق معها في سياساتها إجمالاً... وغير مفهوم إقليمياً، أو بالأحرى عربياً، والمقصود هنا رسمياً، لأن ردود الأفعال خفتت لدرجة أن لا نجد أمامنا إلا دعوة الجامعة العربية لاجتماع من قبل اللجنة الدولية لحقوق الإنسان ليبحث الأمر! أما شعبياً فالمكتفى به حتى الآن أو الأبرز هو نصب بعض خيمات احتجاج وتضامن في بعض الميادين في قلة من العواصم العربية! ولا يغير من هذا الغير مفهوم التغني في بعض وسائل الإعلام بصمود مناضلي "الأمعاء الخاوية"، والأمر ذاته يمكن سحبه إسلامياً أيضاً، بحيث من المؤسف حقاً أن لا نجد من يتصدر المتضامنين مع المضربين سوى آرون غاندي، حفيد المهاتما غاندي، الذي ذهب إلى رام الله ودعا إلى الصوم معه لمدة يوم واحد تضامناً، وشارك في المسيرات الشعبية هناك احتجاجاً على جدار الفصل التهويدي وتأييداً للمضربين. نحن هنا لا نقلّل من شأن مواقف بعض الهيئات والجهات المدنية الدولية التي أعلنت حتى الآن، لكن وفي غمرة عذابات ما يقارب الثمانية آلاف أسير ومعتقل فلسطيني وعربي، بعضهم هرم بعض أن قضى نصف عمره أو يزيد في الزنازين "الإسرائيلية"، وما زال عليه الانتظار عشرات السنين لإنهاء مدة محكوميته الذي قد تكون حفنة من المؤبدات يصل مجموعها إلى ثلاثة أو أربعة قرون، وفق القوانين الاحتلالية، يتبادر إلى الذهن السؤال المر: ترى هل هان الإنسان العربي على نفسه أولاً وعلى العالم ثانياً، للدرجة التي يقابل بها إضراب هؤلاء الأبطال بمثل هذا الأقرب إلى عدم الاكتراث، وهو الإضراب الذي قد يؤدي إلى الموت، على الأقل لنسبة كبيرة بينهم تعاني أصلاً من جملة من الأمراض ذات العلاقة بالتعذيب والاعتقال؟!
لا شك في أن عدم الاكتراث الدولي قد وصل في أغلبه إلى حد التواطؤ، أما العربي وهو ناجم أولاً وأخيراً عن عجز يضرب أطنابه في أحوال الأمة، فلا يختلف من حيث النتيجة عن الآخر الدولي، وربما يساعد عليه. ليصل الأمر بـ"الإسرائيليين"، والحالة هذه، لأن يعلنوا من البداية، وقد أسقطوا من حساباتهم ردود الأفعال الدولية والإقليمية، أن لا استجابة لمطالب المضربين حتى ولو واصلوا إضرابهم حتى الموت... بل بلغت الاستهانة الناجمة عن الاستقواء بعدم الاكتراث الدولي والإقليمي بالمسألة حداً سافراً من العنجهية التي تصل إلى حد المنطق الفاشي والعنصري الوقح المتمثل في رفض وزير الصحة "الإسرائيلي" تقديم العلاج للمضربين من الذين تتعرض حياتهم للخطر قائلاً:
"أنا غير مستعد لقبول نشوء وضع تتعرض فيه حياة المرضى وأفراد الأطقم الطبية في مستشفياتنا للخطر نتيجة نقل هؤلاء القتلة والإرهابيين إليها"!
...وتصوروا لو كان هذا الكلام قد صدر عن غير "إسرائيلي"، أو جاء على لسان وزير من "العالم الثالث"، أو ممن هو من خارج العالم الغربي... بل وربما حتى منه، ماذا سيكون رد الفعل الغربي؟! وإلى أي مدى سوف نجد أنفسنا أمام ضجة إعلامية ترسم ملحمة من الاحتجاجات على الإساءة إلى الإنسانية والتعدي على حقوق الإنسان، والولولة ضد التصرف العنصري واللاحضاري؟!
إن هذا يعيدنا إلى النفاق الغربي حيال كل قضايانا ويذكرنا مثلاً بالتناقض المعهود من قبل الغرب، أو ما أصطلح على تسميته بالكيل بمكيالين، في مثل هذه الحالات، ولعل قضية دارفور السودانية الطازجة راهناً خير دليل على هذا التناقض، بل هذا النفاق، بحيث نكاد لا نسمع برد فعل واحد يرتفع إلى مستوى الحدث الفلسطيني من قبل هيئة دولية توصف بالعاملة على الصعيد الإنساني، بينما سمعنا الكثير منها عن الإبادة والتطهير العرقي المزعوم، والذي ثبت أنه لم يكن، في دارفور، تلك التي يتقاطر إليها تباعاً وزراء خارجية الدول رافعة شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان للاطمئنان على سير الإغاثة وتقصي الحقائق، وكان قد سبقهم إليها الأمين العام للأمم المتحدة!
مهما يكن، لا بد ونحن حيال هذه الوقفة النضالية من قبل هؤلاء المناضلين الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال، أن لا ننسى حقيقتين أساسيتين، يجب أن لا يغيبا عن البال، وإلا بخسناهم حقهم وأبدينا قصوراً في فهم طبيعة من يرزحون في سجونه، وجهلاً بسياساته واستهدافاته التكتيكية الإستراتيجية. الأولى: أن هذا الإضراب، الذي قد يطول بما يحمل ذلك من أخطار على حياة هؤلاء المناضلين، ليس هو الأول، وإنما يجئ في سياق سلسلة من الإضرابات التي قاربت الإثنى عشر إضراباً، وبدأت في العام 1974، وكان أن بلغت مدة بعضها الشهرين، وإن هذا الإضراب وما سبقه ليس مطلبياً بقدر ما هو أسلوب نضالي مكمل لسائر الأساليب النضالية التي يجترعها الشعب الفلسطيني في مواجهة مسلسل إبادته الجسدية والسياسية التي يتعرض لها منذ النكبة، فالمعتقلون والأسرى دأبوا عادةً على المشاركة في توجيه الأحداث الفلسطينية والتأثير فيها، وتسنّم نوع من الدور الملهم والقيادي في النضال الوطني، بل وخرج من بين صفوفهم العديد من القادة على مر الصراع.
والثانية: أن معاملة الأسرى الفلسطينيين والعرب بمثل هذه القساوة والوحشية من قبل المحتلين، والمحاولة الدؤوبة لكسر إرادتهم بشتى الأساليب والطرق الجسدية والنفسية ليست سوى جزءاً من حملة "إسرائيلية" عامة وشاملة لكسر إرادة شعب بكامله، تجيء في سياق سياسات تغييبه وشطبه من على خريطة وطنه. وهذه هي واسطة عقد الإستراتيجية الصهيونية منذ أن كانت، وأس السياسات "الإسرائيلية" المتبعة قبل شارون وبعضه. وهذه الحملة تبتدي وتتجلى، مثلاُ، في جملة معطيات أخذت سيرورة يومية متواصلة ومتماسكة، ويشد بعضها بعضاً، منها:
الحملة الاستعمارية المكثفة، وبناء المزيد من الوحدات السكنية للمستعمرين اليهود، ومصادرة آلاف الدونمات من الأراضي، وبناء ما تدعى بالطرق الالتفافية التي تقطّع أوصال التجمعات الفلسطينية وتلتهم المزيد من الأراضي، ناهيك عن جدار الفصل التهويدي المتواصل بناءه بالتوازي مع هدم منازل الفلسطينيين وتجريف مزارعهم، وإغلاق الطرق التي يستخدمونها، بالإضافة إلى التضييق على تجمعانهم هذه وتحويلها إلى معتقلات كبرى ليست أفضل حالاً من المعتقلات الصغرى المضربة... في مخيم عسكر مثلاً في مداهمة واحدة تم اعتقال جميع الذكور فوق السن السادسة عشرة وتجميعهم داخل المدارس... هذا إلى جانب نجاح "الإسرائيليين" في تعويد العالم على أنباء جولات تقتيلهم للفلسطينيين اليومية المصورة!
كما نجح شارون في دفع العالم لأن يتلهى بحكاية الانسحاب من طرف واحد من غزة، المشكوك في إقدامه عليه، وعبثية محاولة تجسيرها الموهوم مع المرحومة خارطة الطريق، أو ما يمكن اعتباره بالانسحاب النظري من غزة مقابل الضم والقضم العملي للضفة الغربية. وهو، أي شارون، يفيد في هذه الحالة: على الصعيد الداخلي، من مجتمع عنصري يميني النزعة بطبيعته، وينحو باضطراد نحو التطرف أكثر فأكثر، وبالتالي يؤيد سياسته الإبادية ضد الفلسطينيين، والخارجي، وكما أشرنا سابقاً، إلى تواطؤ دولي وعجز عربي أقرب إلى التواطؤ، وحالة فلسطينية مأزومة تعيش تداعيات خطيئة أوسلو الكارثية.
ومع ذلك، وعلى رغم من أن "إسرائيل"، بشارون وسواه، هي اليوم مترعة بالإحساس بالقوة، بحيث لا تخشى من سفور استهدافاتها والكشف عن مخططاتها التهويدية لكل فلسطين، والاطمئنان إلى ديمومة هذه القوة بالنظر إلى الدعم الأمريكي المضمون، والتواطؤ الغربي الدائم، وحالة الانحدار والضعف العربي المزمنة، إلى جانب ما يسمى الإجماع الداخلي، وتأييد المؤسستين الفاعلتين العسكرية والأمنية للسياسات الشارونية، بل المزايدة عليها، إلا إنها تحسب ألف حساب لما يلحقه هذا الأسلوب النضالي المتبعة من قبل الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب في سجونها بصورتها الزائفة التي تحرص على ترويجها بالأباطيل التي تدأب على نشرها في العالم، كما أنها تدرك أكثر من سواها أهمية الدور النضالي الريادي الذي يلعبه هؤلاء المعتقلون والأسرى في النضال الوطني الفلسطيني، ومدى تأثيره ميدانياً في ساح الصراع، وليس أدل على ذلك من ظهور تنظيم فلسطيني جديد يعلن عن نفسه تحت مسمى "حركة تحرير الأسرى"، وتوعد تنظيمات عديدة بالعمل على أخذ أسرى "إسرائيليين" لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين والعرب، والتعهد بالثأر لمن يستشهد تحت تأثير الإضراب في سجون المحتلين...
بيد أن السؤال يظل هو السؤال: هل حظي الحدث، على ما يحمله من مضامين وطنية وقومية وإنسانية بما يستحقه من اكتراث على الصعيدين العالمي والإقليمي؟!
...والأهم، وعربياً: هل استغاثة الجامعة العربية باللجنة الدولية لحقوق الإنسان، ونصب بعض خيمات الاعتصام في هذه العاصمة أو تلك تكفي؟!
إنه سؤال يطرحه وجدان شعب يذبح وضمير أمة تقهر...