ثقافتنا في خطر

د. عبد العزيز المقالح/شاعر وأكاديمي من اليمن

في الغزو الاستعماري الأول كان رأس الثقافة العربية هو المطلوب الأول. وفي الغزو الاستعماري الجديد يتضح أن اقتلاع جذور هذه الثقافة هو الهدف الأول أيضاً انطلاقاً من وعي العدو الصحيح بأن ثقافة كل أمة هي حصنها المنيع وجوهر هويتها، وأهمية هذا الحصن إن موقعه الروح والوجدان، وليس له مكان على الأرض يمكن الوصول إليه لإزالته والتخلص من آثاره.

كان في مقدور كل قوى الاحتلال عبر العصور أن تقتحم القلاع والحصون، وأن تخترق أسوار المدن وتستولي على كنوزها، وتقتل من تشاء من أهلها، وتدمر ما تستطيع من قصورها ومعالمها، ولكنها وهذا ما أثبته كفاح الشعوب الآن ومن قبل تبدو عاجزة وغير قادرة على أن تلغي صفحة واحدة من كتاب ثقافة الأمة، أو تنتزع سطراً من هذه الصفحة إلا إذا انتزعت روح الأمة كلها. ومن هنا تأتي أهمية الثقافة، وأهمية الحرص على تنقيتها من شوائب الضعف والتخلف، وجعلها التعبير الصادق عن روح الأمة وطموحها نحو الأفضل لتكون الحصن الحقيقي القادر على المقاومة ورفض الاستسلام.

لقد حاول الغزو الاستعماري الأول أكثر من مرة، وبطرق شتى، أن يهدم ثقافة الأمة العربية الواحدة، بعد أن اكتشف صلابتها في المواجهة وقدرتها العالية على المقاومة، لكنه فشل وتراجع، وكانت اللغة العربية الهدف الأول بوصفها الوعاء الروحي والقومي لهذه الأمة. وتوهم الغزاة انهم قد قطعوا شوطاً كبيراً في هذا المضمار، لكنهم اكتشفوا انهم أعجز من أن يقتحموا هذا الحصن، أو يتسللوا إلى قلبه لذلك، فقد أعلنوا فشلهم ورحلوا بعد أن خلفوا تجربة مريرة لهم وللعرب على حد سواء.

وأخيراً، جاء الغزو الجديد ليواصل زحفه من حيث انتهى سلفه بعد أن تأكد أن ثقافة الأمة هي التي خلقت شعورها الموحد ورفضها التام لوجود أي شكل من أشكال الاحتلال المباشر وغير المباشر، لكن هذا الغزو الجديد لم ييأس وبدأ حملته التي لا تبدأ مع الجيوش وحسب، بل مع الأفلام الهابطة، والفضائيات التي تخلط السم في الدسم، والمخيف أن أخطر خطوة سارها الغزو الجديد تقوم على التشكيك في أهمية اللغة العربية، والتأكيد على عدم صلاحيتها للحياة الجديدة، وأن لغته هو المدخل إلى الثروة والعمل والشهرة.

والغريب استجابة الحكومات العربية لهذا المنطق الاستعماري، واستجابة بعض المواطنين لإلحاق أبنائهم بالمدارس الأجنبية، وما ترتب عليه من ظهور جيل الرطانة الذي يتسع، ويستشري، ويسهم في ضمور الثقافة الوطنية، كما جعل المواطن العربي دون أن يدري يحقق بنفسه ما فشل فيه الاستعمار القديم والجديد.