الوفاء للشهداء في ذكرى أبو علي مصطفى
عبد الرحيم ملوح/نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
يقول شكسبير على لسان بطل روايته هاملت: "عندما تأتي الأحزان لا تأتي فرادى كالجواسيس بل تأتي كالكتائب مجموعات"، وتشاء قساوة التاريخ ان تجتمع في هذه الأيام من شهر آب/أغسطس الآلام والأحزان معا، ففي يوم أمس الجمعة (27 آب/أغسطس) أطلت علينا الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد القائد الانسان الرفيق أبو علي مصطفى وبدأ في الخامس عشر من ما يقرب 7500 معتقل معركة الحرية والكرامة لدفاع عن انسانيتهم وحقوقهم الذي كفلتها لهم الشرعية الدولية ومواثيقها.
وفي مقدمتها اتفاقات جنيف والقانون الإنساني الدولي وتوحيد أبناء الشعب الفلسطيني وكل أحرار العالم خلف مطالبهم بالحرية وحقوق شعبهم بالاستقلال والديمقراطية. ويتعرض لشعب الفلسطيني وأرضه وقضيته الوطنية لأشرس حملة كولونيالية صهيونية بوسائل مختلفة ومتعددة يأتي في مقدمتها القوة الفلسطينية الطاغية وتمزيق وحدة الشعب الفلسطيني ومحاولة طمس التاريخ والحضارة معا والمشاريع والمؤامرات السياسية المتعددة وأخرها مشروع شارون، ولا تتوقف الأخطار المحيطة والمحدقة على الوضع الفلسطيني لوحده بل هناك الكثير مما يحل بنا ويحيط في أكثر من منطقة يأتي في مقدمتها العراق والسودان وأكثر من منطقة في العالم.
وكوني كنت على صلة كفاحية ورفاقية وإنسانية مع الرفيق القائد أبو علي مصطفى منذ ما يقرب من ثلاثة عقود ونصف حتى لحظة اغتياله الجبانة، وأعيش تجربة الاعتقال منذ ما يقرب عامين وبضعة شهور، أشارك طليعية مناضلي شعبنا أسرى الحرية حياتهم وآلامهم وآمالهم وارقب من موقعي في المعتقل ما يجري في الوطن والمحيط والعالم وأنا شبه عاجز عن المساهمة المطلوبة مع أبناء الشعب في مقاومة الظلم الواقع عليهم من كل هذا شعرت أن ما قاله هملت، ينطبق علي في المعتقل.
وأنا أحاول أن أفي الشهيد أبو علي مصطفى بعض حقه علينا في ذكرى استشهاده الثالثة وأفي شهداء شعبنا البواسل معه بعض من حقوقهم علينا نحن الأحياء. فقد قدموا أغلى ما يملكون من أجل حرية شعبهم وتحرير واستقلال وطنهم. في صباح صاف من أيام فلسطين الجميلة وفي حوالي الساعة الحادية عشرة يوم السابع والعشرين من شهر آب/أغسطس 2001 أقدمت الفاشية الصهيونية على اغتيال القائد الشهيد أبو علي مصطفى بصاروخين موجهين إلكترونيا من طائرتين مروحيتين لتضمن النجاح في القضاء عليه.
ولقد استهدفت العملية الإجرامية اغتيال الدور القيادي والسياسي الوطني للشهيد أولا وقبل كل شيء وفي مرحلة مصيرية حساسة حيث فشلت "اتفاقيات أوسلو" ووصلت إلى طريق مسدود سياسيا ، عندما فشل باراك وكلنتون في فرض الاستسلام على الرئيس عرفات في "كامب ديفيد" وتجلى هذا الفشل اكثر بعد "كامب ديفيد" في تموز/يوليو 2000 باندلاع انتفاضة شعبنا الباسل في أيلول/سبتمبر 2000 لترسم وتحدد طريقاً ورسماً سياسياً جديداً.
وتؤكد على تمسك شعبنا بحقوقه الوطنية الشرعية وعلى استعداده الدائم والثابت للنضال من أجل حريته واستقلاله. وسبق كل هذا بأشهر قليلة انعقاد المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وانتخاب أبو علي مصطفى أمينا عاما لها بعد أن تخلى القائد الوطني والقومي الكبير الدكتور جورج حبش عن موقعه هذا مخالفا بذلك رغبة رفاقه ضاربا بموقفه هذا مثالا يحتذى لقادة الأحزاب التقدمية والوطنية قبل قادة الدول وكل الذين استمرأوا الجلوس في كرسي السلطة.
تمثل شهيدنا بدوره وشخصه حالة إنسانية ونضالية وطنية وتقدمية مميزة طوال حياته ونال احترام وتقدير من يتفق أو يختلف معه على مستوى الجبهة الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية والقومية العربية، لقد تميز بالصراحة والالتزام الدائم بالمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا وبما يراه صائبا وصحيحا دون ان يجعل من رأيه وموقفه معيارا وحيدا للحقيقة او شرطا عليها وبقي طوال حياته حريصا ووفيا لوحدة شعبه وحريته واستقلاله قبل أي شيء أخر وكان لشخصيته الدمثة والدافئة ومسيرته الكفاحية الطويلة وصلابته.
وجهده المثابر لبناء ذاته ثقافيا وتطوير معارفه النظرية والسياسية دورا رئيسا في توطين وحدة الجبهة الشعبية الداخلية خاصة انه كان القائد الفعلي التنفيذي الأول منذ ما يزيد على عقدين من الزمان بصفته نائبا للأمين العام وأمينا عاما في فترة لاحقة، وفي اللحظات الحاسمة التي مرت بها الثورة الفلسطينية منذ الخروج من بيروت وما عكسه هذا الأمر تأثيرات على الجبهة.
وما تتخذه من مواقف فكان لأبو علي بشخصيته الكارزمية دور حاسم في تقريب الآراء وتوحيد الصف وتحديد الوجهة لموقف وسياسة الجبهة الشعبية من القضايا موضع النقاش. فبقدر قناعة ابو علي بقوة ووحدة تنظيمه السياسي كان على قناعة كذلك الأمر بضرورة توحيد قوى التيار الديمقراطي التقدمي بكل مكوناته وفعالياته في الساحة الفلسطينية وعزز قناعته الفكرية والسياسية مجمل التحولات منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل التجربة الاشتراكية المحققة معه، وانعكاس هذا الانهيار والفشل على الوضع الدولي بعامة والساحة الفلسطينية بخاصة، رغم قناعته الراسخة هذه بان بناء هذا التيار يمثل ضرورة وطنية وحاجة سياسية فلسطينية أولا وقبل كل شي، هذه القناعة دفعته للانخراط شخصيا في كل الجهود التي بذلت من اجل بناء هذا التيار، واستشهد وهو يساهم من موقعه القيادي بكل جهد مثابرة في الصياغة النهائية لمشروع الوثيقة السياسية التنظيمية الموحدة لهذا التيار.
وقد دفع دوره الريادي رفاقه من جميع القوى المشاركة في نقاش وإعداد مشروع الوثيقة، لتقديمها بالتحية الخاصة له ولدوره المميز في إنضاجها وصياغتها وإخراجها إلى النور. والتعهد للوفاء لمتابعة المسيرة حتى غايتها المنشودة، وكان يركز في جميع مراحل النقاش على ضرورة مشاركة مختلف القوى والشخصيات والفعاليات المنتمية لهذا التيار، وعدم اقتصار الأمر على المشاركين في النقاش فقط، وعلى ديمقراطية القرار للمؤسسات المنبثقة عن هذا الإطار، وإذا لم يكتب النجاح لكل تجارب توحيد التيار الديمقراطي التقدمي في الساحة الفلسطينية، فان الخلل يقع على عاتق البنى التنظيمية والسياسية المحافظة لهذا التيار وانغلاق بعض قيادته المؤثرة.
لقد نذر أبو علي نفسه منذ نعومة أظفاره لقضية وطنه وشعبه واعتبر أن خلاص شعبه من الفقر والحرمان مرتبط بخلاصه من الاحتلال وبحريته واستقلاله وبوحدة أمته وتقدمها، فانخرط في العمل السياسي عبر بوابة حركة القوميين العرب دافعا ومدافعا عن شعاراتها وأهدافها وبعد حلها لعب دورا رئيسا في تأسيس الجبهة الشعبية وقيادتها حتى استشهاده.
ومن موقعه الفكري والسياسي والتنظيمي آمن بوحدة الشعب الفلسطيني وبوحدة قواه الوطنية واعتبرها شرطا أساسيا لازما للانتصار، هذه القناعة الفكرية والسياسية حفظت له موقعا خاصا بين أبناء شعبه وقواه السياسية والاجتماعية نتيجة للدور الموحد الذي لعبه في منعطفات الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني الحادة، وتجلى هذا في انشداده الدائم لقضايا الاتفاق وتنوير زوايا موضوعات الخلاف،فبرز ذلك بخاصة في المجالس الوطنية ففي مواقفه لوفد الجبهة الشعبية في حوارات "عدن ـ الجزائر".
والتي توجت في نهاية الأمر في المجلس الوطني التوحيد عام 1987 وأصبح ابو علي عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى عام 1991، ومن بعدها في حوارات القاهرة وعمان عام 1999 التي ترتب عنها عودته للوطن وقيامه بدوره القيادي على الأرض حتى استشهاده، وتقديرا لدوره الوطني حظي باستقبال شعبه في الوطن من رفح الى جنين من جميع الاتجاهات الشعبية والسياسية.
وعندما كان يميل إلى الدفع باتجاه الانخراط في تشكيل ائتلافات سياسية مؤقتة "مثل جبهة الرفض" أو "التحالف الديمقراطي أو غيرها" فإن الناظم السياسي والفكري والعملي لهذه التشكيلات هو شرط كونها مؤقتة ولها وظيفة محددة ومن منطلق الحرص على وحدة منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد، والحرص على تصويب سياساتها، وليست بدائل عنها أو إضعافها أو إضعاف دورها أو الأضرار بتمثيلها، وكان دائما يبحث عن الفرصة الملائمة لاستعادة الوحدة وتوطيدها.
ويرفض من حيث المبدأ شطط او رغبة او اندفاع بعض الشركاء في هذه التشكيلات بالذهاب بعيدا على حساب وحدة الشعب ووحدة قضيته ووحدة تمثيله في اطار منظمة التحرير. هذا النهج الوحدوي الوطني العميق والراسخ في فكره وممارسته والذي بقي وفيا له حتى ساعة استشهاده، حفظ له موقعه الخاص والمميز بين رفاقه وبين مناضلي الحركة الوطنية الفلسطينية وأبناء شعبه عامة. ومثلت العلاقة الجدلية بين الوطن الفلسطيني والقومي العربي مكونا رئيسيا في فكر وممارسة الشهيد أبو علي من موقع إيمانه بالأمة العربية.
ووحدتها ومن موقعه الفلسطيني ورؤيته أن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني اولا واستعادته لحقوقه وفي مقدمته حريته واستقلاله ثانيا يتطلبان تمكين العلاقة والتكامل الكفاحي بين الحركة الوطنية الفلسطينية والقوى السياسية الشعبية والرسمي العربي، وكان يقف بحزم ضد أي محاولات للمساس بأسس هذه العلاقة الجدلية، تجلى ذلك بالتصدي لمحاولات احتواء الحركة الوطنية الفلسطينية أو توظيفها في خدمة تكتيكات هذا النظام أو ذاك من جهة.. أو النزاعات الاقليمية الضارة من هذا الطرف الفلسطيني او العربي من جهة ثانية، أو شطط عند هذا الطرف او ذاك بتغليب الاعتبارات الذاتية على حساب الوحدة والتكامل العربي المشترك وعلى حساب التضامن حول القضايا الوطنية والقومية الكبرى وفي مقدمتها قضية فلسطين ومقاومة الاحتلال والهيمنة الخارجية او التطوير والتقدم الاجتماعي والاقتصادي وصولا للوحدة. يتكامل كل ما سبق مع النظرة الإنسانية وأهمية التضامن ووحدة النضال والتقدم والديمقراطية والحرية، فمعركة البشرية والإنسانية واحدة في مرحلة عولمة العالم بالليبرالية الإمبريالية المتوحشة.
هذا هو النهج الذي حكم حياة وفكر ومسيرة الشهيد البطل، وإذا اعترضت هذا النهج بعض العقبات أو الصعوبات وجرى أحيانا تجاوزه من قبله، فان ذلك يعود لأسباب موضوعية أو حسابات خاطئة فرضتها اللحظة السياسية أو اعتبارات موازين القوى، إلا أن هذا النهج بتكامله وعلاقة عناصره الجدلية بقي الناظر للممارسة السياسية والعملية للشهيد البطل أبو علي طوال حياته، ونضج وعيه له وتعمقت قناعته به يوما اثر أخر.
أبو علي ابن الأرض وابن الفلاح البسيط منحاز بطبيعته للفقراء وللوطن والحرية والاستقلال والتقدم والديمقراطية، غادرنا قبل أن نصل لنهاية الطريق والذي باستشهاده واستشهاد أبطال الحرية جميعا أناروا لنا الدرب وعبدوه وسيكمل أبناء الشعب الفلسطيني مسيرتهم حتى تحقيق الحرية والنصر.