اللقاءات والحوارات في رام الله تخفيف للتوتـر أم إنهـاء للأزمة؟!
محمد العبد الله/سورية
تشهد مدينة رام الله، منذ عدة أيام حركة نشطة تتفاعل داخل البنية التنظيمية/السياسية وفي قيادة السلطة الفلسطينية، بهدف تطويق نتائج التحرك الذي شهدته مناطق قطاع غزة في الشهر المنصرم، الذي عبرت عنه العديد من المظاهر (الاختطاف، حرق بعض المقرات، حركة التعيينات في قيادة الأجهزة الأمنية، اللغة النقدية/التخوينية التي حملتها المقابلات الإعلامية للوزير السابق "دحلان")، مما أدى إلى حالة واسعة من الإرتباك السياسي/التنظيمي سيطرت على الحزب الحاكم "فتح"، وفتحت الأفواه لتعلن بالصوت العالي، بأن ما يحصل، لن يكون تأثيره السلبي "التفجيري" محصوراً بالحركة، بل إن نتائجه ستلحق أضراراً بالغة بمجمل الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة وأن شرائح واسعة من المجتمع شعرت منذ اللحظات الأولى لهذا التحرك، بأن الشعارات التي حملتها أعداد المحتجين (مكافحة الفساد وضرورة الإصلاح) لم تكن سوى "البرقع" الذي تخفت تحته مطالب سياسية وتنظيمية يريد تحقيقها قادة التحرك، لوضع العربة السياسية الفلسطينية على سكة المطالب الأمريكية - "الإسرائيلية" تمهيداً لتوقفها في محطة الإذعان والاستسلام الكامل!.
لقد جاءت اللقاءات المتعددة داخل جدران المقاطعة بين الرئيس أبو عمار ومحمد دحلان، بعد محاولات عديدة، مهد لها باتصالات هاتفية من القاهرة "محمد رشيد" المعروف بخالد سلام، ليتابع ترتيب تنفيذها روحي فتوح رئيس المجلس التشريعي، بناءً على رغبة مصرية بضرورة الإسراع بجمع الرجلين.
وعلى الضفة الأخرى، ومن أجل ذات الأهداف، تمت زيارات متبادلة بين رئيسي الوزراء الحالي أحمد قريع والمستقيل محمود عباس كخطوة تمهيدية على طريق تحقيق اللقاء "الذي تأجل عدة مرات" بين أبو مازن وأبو عمار.
وعند هذه التحركات، توقف العديد من المراقبين أمام اللقاء الأهم بين "الرئيس وأحد جنوده" كما وصفه دحلان أثناء اللقاء الأول مع أبو عمار! وإذا صدقت توقعات المطـّلعين على ما دار في اللقاءات المتكررة بين الرئيس والجندي، يمكننا القول، بأن الذي حصل لم يكن معالجة لمسببات الأزمة، بمقدار ما هو تبريد لجمرها، الجاهز في أي لحظة للتوهج، كبداية للحريق.
فالواضح من حصر الحوار بين الرجلين بعيداً عن مشاركة القيادة الجماعية (مركزية فتح) يوحي وكأن الخلاف "وهو غير ذلك بالتأكيد" بين الجندي والقائد، مما يشير بأن "شخصنة" الصراع، لا تقود إلى حلول كاملة للمشكلات العالقة منذ سنوات، والتي تفجرت بشوارع القطاع قبل أسابيع، والتي امتد شرارها لجسد وزير الإعلام في حكومة محمود عباس المستقيلة "نبيل عمرو"، بقدر ما تـُرَحل الأزمة الكامنة والمتجددة إلى أيام أو أسابيع أو أشهر، لتطل الكارثة من جديد عبر الأزمات التي يصنعها الاحتلال بمذابحه الدموية اليومية أو من خلال مشاريعه السياسية، التي تصب في نهاية المطاف في دوامة القتل والتجريف وبناء المستعمرات وجدار التوسع والضم العنصري.
إن ما رشح عن بعض ساعات اللقاءات داخل جدران المقاطعة، دفعت بالعديد من المراقبين للتساؤل عن الكيفية التي تعامل بها الرئيس مع ما طـُرح، لأن التوقف أمام المشكلات الكبرى لا يتم فقط بالاستماع إلى الطلبات المقدمة (نقد الأداء السياسي للقيادة، زيادة عدد الوزراء من القطاع "ثمانية وزراء فقط مقابل ثمانية عشر من الضفة" طرح أسماء من "قيادة تحرك غزة" كوزراء في مناصب أساسية مثل: سمير مشهراوي)، ولا بالتعامل التوفيقي مع بعضها، بل بالتوقف أمام معضلات العمل التنظيمي الموغلة بالقدم ومنذ عدة سنوات (التأجيل المستمر لانعقاد المؤتمر العام للحركة، ولإجتماعات المجلس الثوري، التسيب الكامل في عمل الهيئات الوسيطة، فقدان برنامج ثقافي/تعبوي يوحد أقاليم وفروع التنظيم تجاه الخط السياسي - الكفاحي - الجماهيري)، والتي ساهمت بفعل عوامل المجابهة مع قوات الاحتلال، إلى سيادة سلوك تنظيمي فردي، يعكس بأسلوب قيادته للعمل التنظيمي الحركي، التماثل مع دور القائد - الرئيس، مما انعكس ذلك في العلاقات الداخلية على شكل إقطاعيات تنظيمية تحولت بفعل أن الحركة هي حزب السلطة إلى مجال حيوي للمحسوبية والسمسرة والفساد المطلق، وهذا ما تؤكده الحوارات والتصريحات التي يتداولها أبرز مسؤولي السلطة يومياً، من أعضاء بالمجلس التشريعي إلى الوزراء، ناهيك عن الاحتقان الجماهيري المتزايد، جراء جرائم الاحتلال، وهشاشة وضع السلطة على الأرض. إن رهان البعض على امتلاك السيد الرئيس للحلول الناجعة قد تبخر مع متابعاتهم للخطاب الذي ألقاه أبو عمار أمام أعضاء المجلس التشريعي في الثامن عشر من الشهر الجاري، بل إن العبارات التي رد بها الرئيس "وهي خارج النص المكتوب" على تدخل النائب المناضل عبد الجواد صالح الذي توجه بالنقد الشديد لتعامل أبو عمار مع ملف الفساد بقوله "إنك أنت تحمي الفاسدين" ليرد الرئيس بعبارات ساخرة "غصب عنك سأحميهم، لأنهم أبناء الشعب الفلسطيني"!!. كما أن متابعة اللقاءات التي تمت بين أعضاء "لجنة الإصلاح والتطوير لمؤسسات السلطة الفلسطينية" والتي يرأسها النائب عباس زكي (عضو اللجنة المركزية لفتح) تشير إلى بقاء الأزمة قائمة ما بين متطلبات لجنة الإصلاح بتحويل ما جاء بالخطاب إلى مراسيم تحمل صفة القانون وتكون ملزمة للمؤسسات، وما بين العبارات المؤيدة للإصلاح كما احتواها خطاب الرئيس، وهذا ما عبر عنه الوزير غسان الخطيب بقوله "إن وثيقة الإصلاح تحظى بتفهم ومباركة الرئيس، الذي عبر عن تأييده لها لفظياً"، كل هذا دفع برئيس المجلس روحي فتوح ليقول "نحن أمام أزمة حقيقية، والذي حصل هو حل وسط"!. ويبدو لنا أن الوثيقة التي تبناها المجلس التشريعي في دورته السادسة في 15/5/2002، تلاشت إمكانية تنفيذها بفعل الخلل الكبير في البنية السياسية/القانونية الداخلية، بدءاً بالمركزية الشديدة السائدة في قمة الهرم، مروراً بعجز المجلس عن عمل شيء، كما يقول في ذلك عباس زكي "نحن لا نستطيع تعيين ضابط، فكيف لنا أن نطلب قبول استقالة حكومة"، وانتهاءً بوصف المجلس التشريعي، الذي قدمه السيد بسام الصالحي سكرتير اللجنة القيادية لـ(حزب الشعب) بقوله "المجلس الحالي تعبير عن الأزمة وليس حلاً لها".
قد تبدو لوحة الواقع أكثر قتامة من كل عبارات الوصف، لكن إرادة التصدي لهذه المهمات على طريق تحقيق الحلم الفلسطيني، بطرد الاحتلال وبناء الدولة، تتطلب آلية تنفيذ ينخرط فيها كل المناضلين الغيورين على مصلحة الشعب والوطن، المتسامين على انتماءاتهم التنظيمية، العائلية، الجهوية، بغرض التفاني بخدمة المشروع الوطني التحرري، وليس باعتبار الوطن مجالاً للسمسرة والثروة. ولهذا تتابع جماهير الشعب ما يجري من تحركات بشيء من اللامبالاة، فقد عرفت عبر تجربتها الطويلة أن سياسة (تبويس اللحى) لن تحل المشكلات، بقدر ما تساهم بتعميقها، إضافة لصدق ودقة استنتاجاتها، التي أغنتها التجربة التاريخية الطويلة، بتحديدها أن سياسة التخريب "التنظيمي/الاجتماعي/الأخلاقي" التي أوجدها البعض داخل الساحة السياسية الفلسطينية، هي التي أوصلت الأوضاع لهذه الدرجة من الانهيار، وهي التي أتاحت قيام "إقطاعيات" فرضت شروط الانتماء لها على الاستزلام الكامل، القائم على العبودية المالية، مما وفر لتلك الحفنة من "المتنفذين" التحكم بمصير الآلاف من أبناء هذا الوطن، ودفعهم ليكونوا وقود الصراعات على مراكز النفوذ السياسي/التنظيمي.
إن رصد المقدمات التي قادت إلى الأزمة الكامنة الآن، يشير إلى صعوبة التوصل إلى حلول حقيقية طالما بقيت المشاركة الجماهيرية خارج دائرة الفعل، لأن التصدي للمشكلات المستعصية يتطلب أدوات من طبيعة أخرى، غير ملوثة بالفساد وتهريب الإسمنت والحديد وغسيل الأموال والتعاطي مع أوكار ومافيات الرذيلة داخل دولة العدو، وبعيدة كل البعد عن الانخراط بالمخطط الأمريكي - الصهيوني المرسوم للمنطقة. إن هذه الأدوات لا يوفرها حزب السلطة فقط، بل تنتجها نضالات جميع القوى المنظمة لشعبنا، ومن هنا تأتي أهمية مشاركة الجميع في إعادة ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني، فالقوى السياسية التي وقفت مع قيادة السلطة وهي تتصدى لكل مخططات العدو، مطلوب منها الآن أن تكون على طاولة الحوارات الدائرة، فالشراكة السياسية والكفاحية في توحيد المواجهة مع العدو، تتطلب من طاقم القيادة الرسمية في رام الله إتاحة المجال لمعرفة رؤية الآخرين لمفاعيل الأزمة وطرق حلها، وذلك عبر إشراكهم بالنقاشات الدائرة، في سبيل تحملهم لمسؤولياتهم في أساليب معالجتها، لأن المتضرر الأول والأخير هو شعبنا الفلسطيني.
إن مهمة تصحيح مسار الحوارات، عبر إشراك كل القوى الفاعلة على الأرض مهمة وطنية عاجلة، لأن الحديث عن قيادة وطنية موحدة ومرجعية سياسية واحدة، سيصبح كلاماً مجوفاً فاقداً صدقه وفعاليته، طالما بقيت القوى السياسية والجماهيرية بعيدة عن المشاركة في تحديد طرق حل الأزمة.
27/8/2004