بعد هذا هل سيقتدون بمُقتدى؟
د. عادل سمارة/رام الله - فلسطين المحتلة
لا يمكن لتحليل متوازن أن يحكم على فشل كافة خطط الاحتلال الأميركي في العراق. فليست أميركا مجرد عشيرة محدودة التفكير والبنية والرؤية. بل ليست أميركا مجرد الدولة العظمى، لعل مما تمتاز به أميركا أنها قد جندت قطاعات طبقية وثقافية ودينية في الوطن العربي تجنيداً لم تنجح به أية إمبراطورية أخرى، تجنيداً متنوعاً من العملاء.
في العراق تحديداً تمكنت أميركا من تجنيد النخبة السياسية والطائفية وخاصة الشيعية لصالحها أما النخبة الكردية فتتحدث عن نفسها منذ عقود. أما هذه النخبة فخدعت قطاعات كثيرة من فقراء هذه الطائفة لتباعد بين نفسها وبين انتمائها العروبي ولتتنكر للوطنية العراقية وحتى للروابط الإسلامية لدرجة تصرفت معها وكأن التشيع شيء والإسلام شيء أو دين آخر. كل هذا كان لأن النخبة الشيعية موتورة للوصول إلى سدة الحكم. انه بريق السلطان وما يحمله من مصالح مادية واعتبارية وثقافية وسياسية. هذا البريق الذي حولها إلى أداة عميلة للاحتلال. وقد يكون من قبيل المفاجأة المحزنة أن نظرية الاستعمار القديم والقديمة القائمة على اقتناع بأن بوسعها تجنيد نخب أبناء المستعمرات كعملاء لها هي نظرية ما زالت قابلة للتطبيق. ولكن، هل المسألة هكذا وحسب؟ بالطبع لا. هي ابعد من ذلك وأعمق لأنها ترتد في النهاية إلى الأساس الطبقي المادي المصلحي. فكافة القطريات العربية محكومة من نخب دفعتها مصالحها الطبقية سواء التجارية شبه الإقطاعية القديمة أو الكمبرادور الحالي للعمالة للمركز الاستعماري الرأسمالي. لذا، فإن ما يحصل في العراق ليس شذوذا نخبوياً.
ورغم أن الحكومة العميلة الحالية ذات أغلبية شيعية، فإن هذا لا يضمن ولا يؤكد بأن النخبة الشيعية قد تسلمت السلطة حقاً. فالشيعة أربع تيارات على الأقل في العراق:
شيعة إيران: ممثلين بعلي السيستاني تلميذ الخميني، وهي مدرسة قومية فارسية قبل أن تكون مدرسة للطائفة الشيعية. وعليه، فإن هذه المدرسة ضد وجود قطر عراقي بتركيبته الحالية وانتمائه العروبي، فهي تعتبر جنوب العراق امتداداً لإيران.
شيعة أميركا: وهم غالباً عملاء أميركا الذين في الأغلب كانوا في الخارج أو هربوا إلى الخارج وعملوا كفريق مخابرات أميركية بلا رتوش. وهذا الفريق هو في الوقت نفسه حليف/عميل للولايات المتحدة. فالنخبة الدينية هي التغطية الدينية على عمالة النخبة السياسية. ولا شك أن النخبتين كانتا على ارتباط لصالح المخابرات الأميركية.
شيعة الوسط: وهو تيار مقتدى الصدر الذي ينازع السيستاني على الزعامة الدينية وينازع الحكومة العميلة على السلطة السياسية. وهو يضع خروج الاحتلال كأمر مطلبي، ويعتبر نفسه اشد عداء لحزب البعث نظرا لمصرع أبيه الذي يُزعم بأنه قتل من قبل نظام الرئيس صدام حسين.. لكن هذا التيار لم يمتشق سلاح المقاومة.
شيعة العروبة والمقاومة: وهذه لا يظهر لها زعيم لأنها جزء من حركة نضالية سرية.
مأزق التيار الصدري:
ليست سهلة مهمة هذا التيار. فقد عاش منذ احتلال بغداد على "تراث" ترديد الشتائم والنقد والهجوم الثأري من نظام الرئيس صدام حسين. وفي تلك الفترة كانت الولايات المتحدة بحاجة لهذا الهُراء. ولكن شأنه شأن القوى والأنظمة وحتى الأفراد الذي اعتاشوا طفيليا على تسويق أنفسهم بشتم النظام البعثي، وجدوا أنفسهم مؤخراً مجرد تافهين يرددون شتم البعث كافتتاحية لأي قول يقولونه.. فلم تعد شتيمة النظام أو صب النقد ضده مسألة مثيرة للسيد الأميركي!
لكن مأزق الصدر أبعد من هذا.. بل ليس هذا وحده السلاح المثلوم الذي استخدمه. لقد وقف الصدر موقفا مثلوماً منذ البداية. فقد مالىء قوات الاحتلال منذ دخولها. هذا هو الظاهر، بمعنى أنه ربما ارتبط معها بتعاقد ما وربما لا، وربما كان (طالما ينسب نفسه لشيعة العراق وليس لكل العراق) جزءاً من صفقة كبار الآيات مع المحتل أمثال السيستاني. وربما أن هذا ما أنعم عليه به الاحتلال فسمح له بإدارة بعض مدن الجنوب ريثما تستقر أمور عملاء الاحتلال في بغداد.
ويبدو أن تجاهل الاحتلال لتيار الصدر وعدم منحه الكثير دفعه للوقوف المنافس ضد مجلس الحكم الانتقالي العميل والحكومة العميلة الحالية. ولكن هذا الوقوف بقي وقوفا مثلوما أيضا. فهو لم يقاتل الحكومة العميلة واكتفى بمنافستها على إدارة المدن تحت الهيمنة الأمريكية، وكأننا في الحقيقة أمام نموذج أوسلو عراقي!
لقد أعلن الصدر عن تكوين "جيش المهدي"، وبمعزل عن التسمية الطائفية - التي ربما كانت مقصودة كي يبين للحكومة العميلة وللاحتلال أنه ليس مع المقاومة الوطنية والقومية والاسلامية. أي إن مجرد الاسم هو رسالة تطمين للاحتلال وأعوانه - لا بل إن إعلان جيش علني هو بحد ذاته تطمين بأن العداء للاحتلال ليس عداء منهجياً.
أما إعلان جمهورية في الجنوب قبل عدة أشهر وهي جمهورية لم تولد، والتهديد بفصل الجنوب، فليست أكثر من تهديدات فارغة لا تنم عن تقدير دقيق لمعايير القوة ولا عن ذكاء في استرضاء العراقيين الوطنيين.
لم يتوقع أحد من جيش تجميعي علني غير مدرب أن يهزم الجيش النظامي للاحتلال الأميركي.. لذا لم يستغرب أحد أن تتم محاصرة "الجيش" وقائده بهذه السرعة ولم يستغرب أحد انحناء الزعيم العلني للمساومة بدل الاختفاء والقتال كما فعل "عدوه" صدام حسين!
ليست حنكة السيستاني ولا مغامرة الصدر:
قد يعتبر البعض أن ما تسمى مبادرة السيستاني التي قبل بها الصدر نابعة من السيستاني أو حنكته. وقد يعتبر أيضا أن ما سمح للمبادرة بالمرور هو أخطاء الصدر وانثلام موقفه. والحقيقة أن هذه كلها من عناصر الموضوع. لكن العنصر الرئيسي هو العلاقة الواضحة رغم الرتوش بين السيستاني والاحتلال من جهة، وبين الصدر والنزعة الطائفية من جهة ثانية. فإذا كانت هناك عناصر قومية في تيار الصدر فهذا لا يعني أن التيار نفسه قومي الاتجاه تماماً.. وربما يتغلب هذا التيار القومي بعد هزيمة النجف على التيار الطائفي أو ينشق عنه لصالح المقاومة الوطنية والقومية.
لقد كان مرض السيستاني مرضا سياسيا جرى توقيته قبل غزو الاحتلال وعملائه للعتبات المقدسة، وجاء شفائه عندما بدأ جيش الصدر في الترنح، يا لعناية الله في دقة التوقيت! عندها كان لا بد من عودة السيستاني ليقدم للصدر ولنفسه قشة النجاة.. صحيح أن الأكثرية الشيعية لم تهب لنجدة جماعة الصدر ربما لأنها مخدرة بمخدر وصول الشيعة إلى السلطة وبآيات "أفيون" السيستاني وبتراث التحريض ضد البعث والقومية العربية والاعتقاد بأن أميركا، لو صمتت المقاومة، لأحالت فقر الفقراء إلى جنات عدن!. يا لها من لعبة استعمارية تقليدية أن تتم إعادة إخراج "آية الله" أدام ظله كـ"بطل مخلص" مع أن السيستاني كان في لندن، وهذا أمر هام.. وفي لندن التقى مع ممثلين عن الحكومة الايرانية.. أي كان الحوار ثلاثي بريطاني- ايراني - عراقي أو (إيراني مركب على عراقي) لأن السيستاني إيراني الجنسية.. مرة أخرى لندن أي العاصمة التي تركزت فيها المعارضة العراقية العميلة لعقود من الزمن ناهيك عن أن لندن قاعدة المخابرات والثورات المضادة على الصعيد العالمي.
إذن كانت تشهد لندن حبك مؤامرة قص أجنحة (خوارج) الشيعة وإعادة الخراف الضالة إلى الحظيرة، وشهدت النجف تطبيق ذلك على الأرض كي تكتمل المسرحية بـ "مبادرة" دام ظله. وليصبح دام ظله المرجع القوي وربما الأوحد، وبالتالي تحسم أمريكا وضع الطائفة الشيعية باستثناء من حسموا أمرهم في المقاومة العروبية.
بقي أن نقول، أن الصدر قد قبل بمبادرة السيستاني من موقع الضعف الشديد.. ولن يكون له أمان إلا بقدر تذيله للأجنحة العميلة ولسيدها.. وحتى هذا قد لا يغني عن المطالبة برأسه أو ربما إذلاله ليكون مجرد ذيل لا أكثر. نقول هذا لأن خيار المقاومة الجذرية للاحتلال وعملائه لم يكن هو مركز التيار الصدري. لكن، هل سيبقى هذا التيار متماسكاً حول الموقف المثلوم؟ والسؤال هو: هل سيختار الصدر طريق الكفاح المسلح السري، أي حرب غوار المدن كما تفعل المقاومة العراقية؟ وباختصار، لقد أرغمت المقاومة الجميع على الحسم.. فإما معها أو مع العدو المحتل، لا مكان في الوسط ولا مكان للوسط، ويبدو أنه لا يوجد وسط في المواقف كما هو في الجغرافيا.
* نشرة "كنعان" الإلكترونية عمل مشترك لمركز المشرق/ العامل للدراسات الثقافية والتنموية في رام الله – فلسطين المحتلة ومؤسسة فلسطين للأبحاث والنشر في الولايات المتحدة الأميركية. تتكون هيئة إدارية من: ابراهيم مكّاوي وعادل سمارة ومسعد عربيد. يرجى إرسال كافة المراسلات والمقالات إلى عنوان "كنعان" الإلكتروني: mail@kanaanonline.org