تكتيك جديد آخر:

تجويع الوحش يُخرجه لتلتقطه المقاومة

ثابت عكاوي *

"دع مائة زهرة تتفتح". هكذا وصف ماو تسي تونغ طريق الديمقراطية الثورية في مسيرتيها "حرب الغوار" وبعد التحرير. هذه قاعدة نظرية عامة لا يمكن حصرها في التجربة الصينية في حرب الغوار ضد العدو المستعمر وعملائه الطبقيين في الداخل. أما تكتيك حرب الغوار نفسها على الأرض فتختلف حسب إبداعات كل شعب  وحسب المرحلة التي يعيش.

فبقدر ما خذلنا سقوط بغداد السريع، وبقدر ما فتح الباب لشماتة العدو بتنوعاته وتمفصلاته وعملاء هذا العدو من رجال السياسة العرب الذين اقتنصوا الفرصة ليتفاخروا بتهافتهم قائلين " لقد قلنا لصدام حسين بأن يستقيل"، ومن المثقفين المتخارجين سواء بزعم  الانتماء الديمقراطي أم بالاعتقاد بأن العدو الرأسمالي الغربي إنما هو "بابا نويل الديمقراطية" وهم الأطفال الذين سيتمتعون بذلك... بقدر كل هذا وذاك، بقدر ما فوجئنا أيضا بسرعة تبلور المقاومة العراقية وبضراوة هذه المقاومة.

كتبنا في أكثر من مقال في هذه النشرة بالعربية والإنجليزية بأن انتصار المقاومة العراقية سوف يغير وجه المنطقة ويرد حملة الفرنجة الرأسمالية مما يفتح فتحا جديدا في الثورة العالمية وهذا يستوجب جبهة شعبية عربية مساندة للعراق ومقاومة للأنظمة العربية.

وكما كتبنا عن تكتيك المقاومة العراقية الذي تركز في منع تبلور حكومة عميلة مستقرة وفي إبقاء جيش العدو المحتل مشتبكا مع المقاومة بدل أن يحوز على فرصة التنحي في صياصي وحصون بعيدة عن يد المقاومة، وقريبة من آبار النفط كي تبقى حكومة العملاء في مواجهة المقاومة وليُقتل منها من يقتل. ولهذه الأسباب سارع العدو بتسليم السلطة للعملاء الذين لم يخفي رئيسهم إياد علاوي بأنه عمل مع 16 جهاز مخابرات في العالم كلها معادية للأمة العربية. وسارع هذا بدوره إلى توريط أشباهه في دعم حكومته العميلة بأن زار أكثر من حاكم عربي ليضفي على حكومته "شرعية" رسمية عربية وهي شرعية لا علاقة للشعب بها، بل هي شرعية مستمدة من واشنطن.

لقد أضافت المقاومة بعداً جديدا في تكتيكها وهي تجويع الوحش الأجنبي كي يضطر حينما يختبىء للخروج لمواجهتها. فلا بد من سحق هذا العدو كي يخرج من البلاد وكي لا يتمتع بالاختفاء بينما يجري قتل العملاء المحليين أو الجنود الذين غررت بهم الطائفية البغيضة وبيوتات الطوائف وليست بيوتات الدين. غرر بهم إرهاب الوعي الطائفي الذي حل محل الوعي القومي والطبقي.

دأبت المقاومة على قطع خطوط إمداد العدو القادمة من الحكام العرب. وهو قطع يطال العملاء العرب وغير العرب الذين يقودون شاحنات نقل إمدادات العدو من العتاد إلى الغذاء إلى الوقود وغيرها. وبهذا تحصل المقاومة على حاجاتها على حساب العدو (وإن كان هذا في أغلبه مدفوع من الأنظمة العربية التي أتى العدو ليحميها من الأمة). وتقطع عنه الإمدادات في الوقت نفسه ليضطر للخروج جائعاً لملاقاة المقاومة والتي تفرض عليه المعركة بالضرورة هذه المرة.

إذن تكتيك حرب الغوار هو الذي يفرض نفسه وليس تكتيك الجيش الكبير والسلاح الثقيل وشبكات عملاء بالملايين. لكن هذا لا يعني أن المقاومة في غنى عن الوعي بالعالم وبالمرحلة ووجوب الارتفاع في الوعي إلى مستوى ارتفاع دور المقاومة في هزيمة وحش الوحوش.

 

* نشرة "كنعان" الالكترونية عمل مشترك لمركز المشرق/ العامل للدراسات الثقافية والتنموية في رام الله – فلسطين المحتلة ومؤسسة فلسطين للابحاث والنشر في الولايات المتحدة الاميركية. تتكون هيئة ادارية من: ابراهيم مكّاوي وعادل سمارة ومسعد عربيد. يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان "كنعان" الالكتروني: mail@kanaanonline.org