تيار الصدر ظاهرة اعتبارية قابلة للذوبان

بقلم: جميل حامد عبد الله/كاتب وصحافي من فلسطين المحتلة

انتظار "آية الله العظمى" علي السيستاني ثلاثة أسابيع لإطلاق دعوته لفض القتال الدائر في النجف وفي محيط الصحن الحيدري بعد حالة من الصمت المدقع وغفوة لازمت القصف الجوي والأرضي للنجف ومحيط الصحن الحيدري إن لم يكن بداخله يشير دون أن يترك مجالا للشك بأن احتواء الزعيم الشيعي الصغير مقتدى الصدر بات في قبضة اليد وحل "جيش المهدي" وتحويله إلى حزب سياسي أو أقل بات ممكنا أكثر من أي وقت مضى.

الهجوم الأمريكي على العتبات المقدسة للشيعة لا يوازي الهجوم على الفلوجة رغم أن الفلوجة والموصل وسامراء وتكريت وكل المحافظات العراقية عانقت ألم النجف، إلا أن صدى الفضيحة العلاوية السيستانية في النجف فاق صدى القنابل والقذائف التي هزت أركان الصحن الحيدري ومرقد الإمام علي كرم الله وجهه وعلت على هدير الطائرت الأمريكية التي تلقي بقنابل الموت على الفلوجة يوميا تحت غطاء الشرعية الهاورية العلاوية!.

لا شك بأن قبول مقتدى الصدر للخطة الأمريكية أمر يصعب فهمه واستيعابه رغم أنني وكتبت مرارا عن "جيش المهدي" وحركة الصدر واعتبرتها ظاهرة زائلة لارتباطها المرجعي بالسيستانية التي منحت الاحتلال الأمريكي الغطاء والشرعية من خلال ما أصدرته من فتاوي تعطي الأمريكان حقوق الملكية السياسية والاقتصادية والأمنية في "عراق ما بعد صدام حسين".

إن انجراف الصدر السريع نحو تسليم كل ما بحوزته للحوزة العلمية السيستانية يجعل منه مسحوقا سريع الذوبان والزولان، ويؤكد وجهة النظر القائلة بأنه ظاهرة اعتبارية تخدم مصالح فئوية تصب في مجملها ضد المقاومة العراقية، خاصة وأن مقتدى الصدر يملك ما لا تملكه الفلوجة وغيرها من المحافظات العراقية من أوراق رابحة على رأسها الصحن الحيدري والعتبات المقدسة التي تمثل الرمزية الروحية والفكرية والعقائدية لملايين الشيعة في العراق ومحيطه العربي الذين لن يقفوا صامتين إذا ما تجاوزت الدبابات الأمريكية حدود المائتي متر التي اعتبرت المرسم الحدودي لفكفكة الظاهرة الصدرية.

وإذا ما افترضنا عدم صدقية هذه التحليلات فما الذي منع الدبابات الأمريكية من تجاوز حدود المائتي متر عن الصحن الحيدري؟!.. قد يرجع البعض هذا الأمر إلى المقاومة الشرسة التي أبداها مقاتلوا "جيش المهدي"، وهذا حقهم، ولكن من حق كل مواطن عربي أن يسأل إذا كان هذا "الجيش الجبار" يملك هذه القدرات الفائقة فأين أخفاها لحظة استباحت أمريكا وبريطانيا كل أرض العراق؟! هذا أولا، ولماذا لم يرفض هذا الجيش تسليم أسلحته للمحتل الأمريكي تحت ستار حماية المقدسات، واحترام قرارات الحوزة العلمية ومن خلفها السيستاني، الذي بارك العلاوية بكافة إفرازاتها ومواقفها، هذا ثانيا.. أما ثالثا فهل حملة الترويج التي ترعاها داخلية علاوي لإبقاء الصدر حرا طليقا تأتي من باب إغواء الرجل ودفعه للهروب بجلده من شبح الاعتقال أو القتل؟! أم هي إعادة تغليف وزخرفة لأحد بنود اتفاقية سرية يتم برمجتها في مقر القوات الأمريكية، تقضي بمنح الحصانة الأمنية والسياسية لمقتدى محمد صادق الصدر وتياره، الذي وضع على رأس أولوياته الدفاع عن المذهب الشيعي، مخلفا وراءه العراق كقضية وطنية وكيانية!!.

إن الهدية التي منحها مقتدى الصدر إلى حكومة علاوي بإلقاء السلاح والدخول في نفق السيستانية شأنها شأن العديد من الهدايا والتسهيلات التي قدمتها الحوزة العلمية للأمريكان إبان هجمتها على العراق والتي أثمرت عن حكومة محكومة للكونغرس، وما يسمى بالمنطقة الخضراء، فهل ستثمر هدية الصدر لعلاوي والأمريكان حصادا مغايرا على صعيد المقاومة؟!!.. هذا ما ستظهره المرحلة القادمة التي يقودها الآن محتل وعميل وعراب، لكن لا أحد يعلم من سيقودها غدا في ظل مقاومة لا تستكين.