المقاومة العراقية غيرت المعادلة الكونية

د. ثائر دوري – (جريدة آفاق) السورية 28/8/2004

إذا كنت تستمع إلى أخبار الفضائيات العربية، وإذا كنت من قراء الجرائد اللبنانية، وبشكل خاص (الحياة) اللندنية، وكنت تملك شعوراً وطنياً يجعل رفضك للهيمنة الأمريكية أمراً بديهياً كتنشقك الأكسجين وطرحك غاز الكربون، فذلك يعني أنك ستصاب بإحباط شديد وستسود الدنيا في عينيك، لأن كتاب هذه الجرائد، ومحرري أخبار المحطات الفضائية، قد عقدوا حلفاً غير مقدس فيما بينهم واتفقوا على أن يقنعونا أن المشروع الأمريكي هو المشروع الوحيد القابل للحياة في المنطقة العربية. ولسان حالهم يقول إما المشروع الأمريكي وإما فوضى لا تبقي ولا تذر!.

كما أن كتاب هذه الصحف، باستثناءات قليلة، قد اتفقوا على ذم المقاومة والسخرية منها بأشكال مختلفة، مرة عبر تصيد ما يسمى بأخطائها، وأخرى عبر تبني الدعاية الأمريكية ضدها، ليستنتجوا أنها إن انتصرت فستحل كارثة على رؤوسنا جميعاً!. وإذا كانوا محايدين قليلاً، وضعوها في كفة واحدة مع الاحتلال كسبب من أسباب معاناة الشعب العراقي!.

أما الفضائيات فلن تسمع منها سوى مقتل ثلاثة عراقيين وأمريكي، ثم تكتشف في ثنايا الخبر أن أحد العراقيين الذين قتلوا يعمل مترجماً مع قوات الاحتلال وأن الآخرين قد قتلتهم قوات الاحتلال بفتحها النار بشكل عشوائي بعد كل مرة تتعرض لهجوم!. كما أنها تختزل الحدث العراقي إلى جانبه الأمني فقط. فيتحول مطلب الأمن إلى المطلب الوحيد الذي يطلبه الشعب العراقي!، ويضاف إلى ذلك التركيز على الصعوبات المعشية كانقطاع الكهرباء!. طبعاً لا نقلل من حاجة الشعب العراقي إلى الأمن و الكهرباء وبقية المتطلبات اليومية الأخرى.. لكن الفضائيات تستخدم هذين الملفين للتغطية على المشكلة الأصلية وهي وجود الاحتلال، متناسين أنه هو سبب كل الكوارث، ولا تصح أية معالجة للملف المعيشي والأمني بعيداً عن زوال الاحتلال. هذا دون أن نشير إلى تعبير ((مسلحين)) بدل ((مقاومين)) الذي يطمس وجود مقاومة..!!

كما أن أخبار الهجوم على معسكرات الأمريكيين وعلى همراتهم غائبة بشكل شبه تام عن هذه الفضائيات!.

بعد متابعتك كل هذه الأخبار ستصاب بإحباط شديد، وإذا كنت لا تقف على أرضية فكرية صلبة ستقتنع أن حكومة الاحتلال في بغداد هي الخيار الوحيد الممكن، وأن ما يجري على العراق قتل عبثي (لاحظ، عبثي، لأنه في عرفهم لا يوجد شيء اسمه مقاومة)، تمارسه أطراف خارجية يعاني منها الشعب العراقي!، وإذا تحلى بعضهم بقليل من الموضوعية قال إن الشعب العراقي يقع بين ما يسمى بسندان المقاومة ومطرقة الاحتلال!!..

هذه الأقلام المشبوهة التي تلاقيك كل لحظة وكل دقيقة، هدفها أن تقطع عنك أي بصيص من الأمل.. هدفها أن تمنعك بأن تحلم بمستقبل أفضل متحرر من الهيمنة الأمريكية الصهيونية.. باختصار الهدف الأساسي لهم هو زرع اليأس وتضييع بؤرة الصراع بين الأمة العربية بعمقها الإسلامي وبين قوى العدوان الصهيو- أمريكية. إنهم يهدفون إلى قتل روحك.

فإذا وصلت إلى حالة اليأس هذه أنصحك، إن كنت تتقن لغة أجنبية، أن تقرأ بعض ما ينشر في الصحف العالمية عن الوضع العراقي أو فتش عن كل ما هو مترجم عندها، سترى صورة مغايرة لما يحاول الكتاب العرب والفضائيات والصحف العربية رسمه، وأرشح لك على سبيل المثال الكاتب البريطاني (روبرت فيسك) الذي ذهب إلى بغداد وعاش فترة طويلة هناك وكتب مقالاته عن المقاومة وعن عملياتها من معايشته اليومية. في حين يكتب كتاب الصحف العربية من غرفهم المغلقة دون أن يلموا بشيء من تعقيدات الوضع العراقي، ودون أن يكون لهم أية معرفة بالجغرافيا أو السياسة في العراق سوى ما يمدهم به الليكودي توماس فريدمان ومن على شاكلته من العاملين في مراكز الأبحاث والدراسات الصهيونية من توصيفات جاهزة للوضع العراقي والعربي بشكل عام من نمط ((المثلث السني)) و((المستطيل الشيعي)) وعن مظلومية الطائفة الفلانية، وعن الأقلية والأكثرية الطائفية على اعتبار أن الانتماء الطائفي هو الانتماء الوحيد الذي يعترفون به للإنسان العربي أو المسلم..!! لكن جهلهم هذا لا يمنعهم من التنظير للوضع العراقي!.

كما أن (روبرت فيسك) بريطاني ولن يتهمه أحد بالأصولية أو العيش خارج العصر عندما يشير بمقالاته إلى فعالية المقاومة وإلى التعتيم الإعلامي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية عن خسائرها.

على أية حال اقرأ أي تحليل غربي رصين عن الوضع العراق شرط أن لا يكون صادرا عن توماس فريدمان وأمثاله من العاملين في المعاهد الصهيونية، عندها ستشاهد صورة مغايرة لثقافة اليأس التي يحاول بعض الكتاب العرب نشرها لتدمير روحنا و لتسخيف ثقافة المقاومة.

حديثي سينصب على مقالة هامة اسمها ((الإمبراطورية والمقاومة)) لـ(والدن بيللو)، الذي ورد في تعريفه (والدن بيللو)، المدير التنفيذي "لموقع فوكاس على جنوب العالم" ومقره بانكوك، وأستاذ علم الاجتماع والإدارة العامة في جامعة الفلبين، والحاصل علي جائزة حق الحياة (الجائزة البديلة لجائزة نوبل) عام 2003، ومستشار علمي لجامعة كاليفورنيا في (إيرفين) لعام 2004. ونشرها موقع (زي نت) وترجمها خالد الفيشاوي وأعادت نشر المقالة كثير من المواقع (البصرة، دورية العراق، الكادر) ويمكن لمن يود الإطلاع عليها كاملة على الموقع الأصلي على الرابط http://www.kefaya.org/04index.htm

يقول كاتب هذه المقالة:

((عندما نزل جورج دابليو بوش على حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لنكولن على ساحل كاليفورنيا في الأول من مايو العام الماضي لإعلان نهاية الحرب في العراق، ظهرت واشنطن كما لو أنها في أوج سلطانها، وكثير من المعلقين يسمونها، بنظرة تجمع بين الرعب والاشمئزاز، "روما الجديدة". النزول بحاملة الطائرات، كما أشار الدارس الكندي انتوني هال، كان احتفالا بالقوة – مشهد تم إخراجه بمقدرة عالية الاحتراف على نفس خطوط الفيلم الأمريكي الشهير ’يوم الاستقلال‘ وفيلم لني رايفنشتال ’انتصار الإرادة‘.

في المشهد الافتتاحي للانتصار، تم تصوير أدولف هتلر يطل من السماء على تجمع للحزب النازي في نورمبرج عام 1934. بدأ الرئيس بوش عرضه العظيم على سطح أبراهام لنكولن لامسا ظهر السفينة في رداء (S-3B) بسواد الفايكنج. كان ذيل الطائرة موسوما بهذه الكلمات "القائد العام". اطل الرئيس الأمريكي برأسه من الطائرة وهو يرتدي ملابس الطيار الحربي الكاملة، باعثا في المخيلة المشاهد الدرامية النهائية لفيلم يوم الاستقلال. في هذه المشاهد، يقود رئيس أمريكي تحالفا كوكبيا من قمرة قيادة طائرة نفاثة صغيرة مقاتلة. هدف العملية التي تقودها الولايات المتحدة هي الدفاع عن الكوكب في وجه هجوم كائنات غريبة من الفضاء الخارجي.

ولكن الحظوظ متقلبة، خاصة في وقت الحروب. اليوم، يتمنى بوش ومستشاروه لو انهم لم يقوموا بتمثيل مشهد الأول من مايو الفوتوغرافي. حدثان وقعا متقاربين معا الحقا اللعنة بالمشروع الأمريكي: المقاومة في مدينة الفلوجة والفضيحة التي ثارت حول الانتهاك الجنسي لسجناء المعتقل العسكري الرئيسي "أبو غريب" في بغداد)).

وعن معركة الفلوجة التي تتجاهل أهميتها الاستراتيجية كل الصحف العربية يصفها هذا الكاتب بأنها نقطة تحول.. يقول الكاتب:

((كرر سكان المدينة شعارا مستهينا أثناء اشهر الاحتلال يقول "الفلوجة مقبرة الأمريكان". شاهد شهر ابريل هذا الشعار وقد أصبح حقيقة، بمصرع عدد له مغزاه من وفيات الكتيبة الأمريكية 102 بسبب القتال في المدينة وحولها. ولكن هنالك معنى أكبر في أن الشعار أصبح حقيقة: الفلوجة أصبحت مقبرة سياسة الولايات المتحدة في العراق )).

ويتابع الكاتب:

((الشيء الهام، أنه مهما كانت الترتيبات الملموسة على الأرض، أنه قد لوحظ أن الفلوجة قد أصبحت ترى كهزيمة للولايات المتحدة وأن أثر تلك الهزيمة المرجح هو إمداد صفوف المقاومة المزدهرة توا بآلاف المقاومين الجدد)).

ويضيف الكاتب:

((أعتقد رجال بوش أنهم قادرون على إجبار العراقيين على الخضوع أو شراؤهم. لقد فشلوا في تخيل شيئ واحد: الروح. بالطبع، الروح المعنوية لا تكفي، والتطور الذي حدث في العام التالي للاحتلال، كان حركة تنتقل بسرعة في خط بياني حاد من الاستفادة بالدروس: تصرفات المقاومة العشوائية بلا تنسيق إلى تكرار العمليات بشكل أرقى في التقنية تجمع ما بين استخدام أجهزة المتفجرات المصنعة يدويا (IEDs)، وتكتيكات اضرب واجري، واشتباكات بالنيران دفاعا عن منطقة، وإطلاق الصواريخ الأرضية)).

ويطلق الكاتب على عملية نقل السلطة اسم استراتيجية اليأس، ويتساءل:

((لمن سوف تسلم "السيادة"؟ من أي شيئ بالضبط سوف تتشكل السيادة؟ من أين سوف تنبع شرعية الحكومة؟ ما هي بالضبط العلاقة بين الحكومة القادمة مع الأمم المتحدة؟ تحتفظ الولايات المتحدة بالحق في بقاء قواتها العسكرية في العراق والسيطرة عليها وأن تستمر في ذلك لأجل غير مسمى. المسوغات التي جعلها وزير الخارجية الأمريكي باول شرطا لجلاء الولايات المتحدة هي أن تطلب الحكومة القادمة منها ذلك، هي مسوغات ماكرة، حيث أن النظام القادم لن يطلب أبدا إلغاء القوة العسكرية التي يعتمد عليها وجوده هو نفسه. تلك هي المسائل التي لا يوجد لها حل والتي توفر أساس للاتهام الذي تقوله النيويورك تايمز بأن "الموضوع الوحيد الذي يوحد هؤلاء مع سياسات واشنطن هو اليأس القاتل". مصادقة مجلس الأمن الأخيرة على ترتيبات ما بعد 30 يونيو لن تجعل من مثل هذا الحل الأمريكي المفروض أمرا مقبولا سواء للشعب العراقي أو للعالم)).

وهو عكس ما حاول النظام الرسمي العربي وكتابه إقناعنا به خلال الشهر الماضي.

وحول ما يثيره بعض الكتاب عن ما يسمى بأخطاء المقاومة وبعض الأساليب التي تتبعها، يقول الكاتب:

((حتى الآن، لا توجد أية حركة ضخمة من أجل التحرر والاستقلال القومي وجدت الرضا التام، فقد أعرب التقدميون الغربيون أيضا عن قلقهم من بعض أساليب حركة الماوماو في كينيا، وجبهة الإنقاذ الوطني في الجزائر، وجبهة التحرير القومي في فيتنام. لكن ما يتناساه التقدميون الغربيون هو أن حركات التحرر الوطني لم تطالبهم أساسا بالدعم الأيديولوجي أو السياسي، إن ما يحتاجونه بالفعل من الخارج هو الضغط الدولي من أجل انسحاب قوات الاحتلال غير الشرعية لكي تتمكن القوى الداخلية في العراق من تشكيل حكم وطني حقيقي، إلي أن يحقق نشطاء السلام الأمريكيون هذا الحلم في وجود حركة ليبرالية نموذجية تتفق مع قيمهم، سيبقوا مثلهم مثل الديموقراطيين، واقعون أسرى تصوراتهم التي يريدون فرضها علي غيرهم من الشعوب)).

ويتابع الكاتب:

((........ يجب أن يشير المرء إلى أن القتل العشوائي لحوالي 100 ألف مدني عراقي من قبل القوات الأمريكية في العام الأول من الاحتلال واستهداف المدنيين في حصار الفلوجة هي أفعال على نفس المستوى الأخلاقي لهذه الأفعال التي تقدم عليها المقاومة الإسلامية والعراقية. في الواقع، لطالما انخرطت "الطريقة الأمريكية في الحرب" في قتل وعقاب السكان المدنيين. قصف درسدن بالقنابل، وطوكيو بالنيران، وهيروشيما ونجازاكي بالقنابل الذرية، وعملية العنقاء في فيتنام – كل هذه العمليات كان لديها الهدف الاستراتيجي لكسب الحروب عن طريق الاستهداف المتعمد للمدنيين. لذلك، من فضلكم، وفروا علينا الوعظ الأخلاقي الخاص بما يسمى السلوك المتحضر في الحرب الذي ينتهجه الغرب وما يسمى بالسلوك الهمجي للمقاومة العراقية)).

ويختم الكاتب بالإشارة إلى الحقيقة التي يتجاهلها كل كتاب المارينز العرب:

((دعوني أنتهي إلي القول بأن الأمريكيين لن ينتظرهم في العراق إلا ما هو أسوأ، علاوة علي ذلك، فالمقاومة العراقية غيرت المعادلة الكونية، الولايات المتحدة اليوم أضعف مما كانت عليه قبل بداية مايو 2003، وحلف الأطلنطي الذي كسب الحرب الباردة لم يعد له وظيفة أو فاعلية، والوضع في أفغانستان أصبح الآن أكثر اضطرابا عما كان عليه منذ عام، والقوات الأمريكية تجلس علي خازوق أخر هناك، وتنمو اليقظة والإحياء الإسلامي الآن بقوة كبيرة على عكس ما تستهدف أمريكا، والآن أيضا، نري في البرازيل، والأرجنتين، وبوليفيا، حكومات تعلن صراحة عن عدائها للسياسات الاقتصادية للنيوليبرالية القديمة التي تفرضها واشنطن، وتعاني منظمة التجارة العالمية من سلسلة الاضطرابات والمصاعب بعد انهيار مؤتمرها الوزاري الذي عقد في كانكون في سبتمبر الماضي، وعجز واشنطن عن فرض رؤيتها الخاصة بتحرير التجارة في البلدان الأمريكية بسبب معارضة بلدان أمريكا اللاتينية خلال الاجتماع الوزاري لمنظمة الدول الأمريكية الذي عقد في ميامى في نوفمبر الماضي)).

هذه المقالة نموذج من عشرات بل مئات النماذج التي تنشر يوميا في صحافة الغرب وتشير إلى الوقائع بموضوعية من وجهة نظر غربية أما الكتاب المارينز العرب فلا عمل لهم سوى نشر روح الإحباط بين الناس وحجب الانتصارات التي تحققها أمتهم في الميدانين العراقي والفلسطيني كي لا تنتشر روح التمرد على الهيمنة الأمريكية في بقية أرجاء الوطن العربي ولقتل روح المقاومة التي لولاها لتحولنا إلى أشبه بالدواب!!.