هذا العراق المجيد

من ثورة العشرين إلى ثورة 14 تموز إلى المقاومة

ناهض حتر/الأردن

نشأت الدولة العراقية الحديثة، نتيجة تسوية بين ثورة العشرين التحررية والاستعمار الإنكليزي. ولذلك، فأنها حظيت بدرجة من الاستقلال الفعلي، أتاح تطوير مؤسساتها المدنية والعسكرية، وتوجهها نحو الأيديولوجية القومية.

وخلال العقود الأربعة التالية، ازدهرت الحركة الوطنية العراقية، بتياراتها اليسارية والقومية والليبرالية، واصطدمت، مرارا وتكراراً بنظام سياسي لم يكن قادرا على استيعاب المشروع الوطني العراقي وبعد سلسلة من الثورات والانتفاضات الفاشلة، نجح العراقيون باستكمال تحرير البلد في ثورة 14 تموز 1958 التي لم يعرف التاريخ العربي الحديث، نظيرا لها من حيث الجماهيرية والجذرية.

غير أن الثورة - ويا للأسف - غرقت في الصراع الدامي بين التيار اليساري والتيار القومي اللذين تذابحا بينما كان أعداء العراق الدوليون والاقليميون فرحين بتجميد نهضة البلد المرشح، بسبب ثرواته الطبيعية والبشرية، لاحتلال موقع القوة الإقليمية الرئيسية في المنطقة.

في 17 تموز 1968، تمكن حزب البعث من الوصول إلى السلطة وظل فيها إلى 9 نيسان 2003 حين أسقطه الغزاة الأمريكيون.

خاض البعثيون معارك تنموية ضخمة، وكذلك، فأنهم تحت قيادة الرئيس صدام حسين، خاضوا حربين كبيرتين: الحرب ضد ايران، والحرب ضد الولايات المتحدة الأمريكية في الكويت العام 1991، وفي العراق نفسه، العام 2003.

انتهت الحرب الأخيرة، ولكن بدأت حرب جديدة هي حرب المقاومة الوطنية ضد الغزاة. وهي ما تزال مستمرة، ومرشحة للتصاعد. وهناك ما يشبه الإجماع بين المحللين الاستراتيجيين على أنها - أي المقاومة العراقية - تسير نحو الانتصار.

في كل عهوده واجه العراق، المشكلة الكردية التي استخدمها الإمبرياليون والرجعيون كورقة ضد بغداد. وربما يتم استخدامها غدا لإنشاء كيان عنصري موال للاستعمار في كردستان، مثلما حال الكيان الصهيوني في فلسطين.

ووقفت ايران، دائماً، ضد المشروع الوطني العراقي، وهدفها الأول منعه من التحقق، وهدفها الثاني هو التسلل إلى جنوب العراق وشقه طائفياً لتحقيق الأحلام الفارسية في بلاد الرافدبن. وهي تحاول أن تفعل ذلك الآن.

ولقد اعتبرت "اسرائيل"، دائماً، العراق، عدوها الأول. وهو كذلك فعلا. فبالنظر إلى أن الدولة العراقية، مركزية وطرفية في الآن نفسه، فقد بلورت سياسة قومية جذرية إزاء القضية الفلسطينية، يكفل لها الحضور في قلب الوطن العربي. وإلى ذلك، فأن "اسرائيل" تدرك مصادر القوة العراقية، وإمكانات هذا البلد العربي القادر على تحقيق الاختراق التنموي، وتجهيز قدرة عسكرية تلجم الأطماع الصهيونية، وقد لعبت "اسرائيل" أدواراً أساسية في التحريض على الحرب الأمريكية ضد العراق، وينشط عملاؤها الآن في البلد وخصوصاً في كردستان، تحت حماية المحتلين الأمريكيين وعملاؤهم في الحكومة المؤقتة.

تحسبت الأنظمة العربية - بما فيها القومية - من إمكانات القوة العراقية وساهم معظمها - بما في ذلك نظام الرئيس عبد الناصر - في جهود، علنية وسرية، لتقويض المشروع الوطني العراقي. ومعروف أن عدة أنظمة عربية، لعبت أدواراً مباشرة في الحرب الأمريكية على العراق العام 2003 .

نستطيع تقسيم تاريخ العراق المعاصر إلى ثلاث مراحل:

(1) مرحلة ثورة العشرين غير المستكملة، والتي استمرت من سنة 1920 حتى سنة ،1958 حين جرى استكمال تحرير العراق وإطلاق قواه.

(2) مرحلة ثورة 14 تموز التي استمرت، بأشكال مختلفة، بما فيها المرحلة البعثية. وجرى خلالها تحقيق الكثير من المنجزات التاريخية التي أطلقت روح العراق من عقالها.

(3) مرحلة المقاومة العراقية التي بدأت في 10 نيسان 2003، جسدت تاريخ العراق الثوري. وهي تهدف - كما هو معلوم - إلى طرد المحتلين، وإعادة تأسيس الدولة العراقية في أفق جديد من الترابط بين التنمية والديمقراطية.

وبالنظر إلى الثروات الضخمة التي يتمتع بها العراق، والطاقات البشرية المميزة لشعبه، وخبراته العلمية والتقنية والسياسية المتراكمة، فأن العراق سيخرج من النار، قوة إقليمية رئيسية لها حضور دولي، ستكون القاطرة التي تعيد العرب إلى التاريخ.