"مجذومون".. أم انتفاضة قانونية؟!

عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق

"مع إننا لم نجد مخزونات من أسلحة الدمار الشامل، إلا أننا كنا على حق بضرب العراق"... هذا الكلام هو للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، أو هو آخر ما جاء منه في معرض ردوده المتواصلة على منتقدي حربه فاقدة المبررات والمصداقية في نظر شرائح واسعة، تتزايد وتتسع مع الوقت، من الأمريكيين. وهذا العراق الذي ضرب، وتم تدمير كامل أسس وبنى ومرتكزات الدولة فيه، ويسيل دم شعبه على مدار الساعة نتيجة لاستمرار غزوه واحتلاله، يظل، وفي ظل هذا المنطق، بالنسبة للرئيس بوش في وضع من يتحول إلى "مثال للإصلاح"... وما على العالم إلا أن يصدق أو لا يصدق،  فالأمر هنا سيان تحت طائلة عتو البلطجة الأمريكية، فالقوة وحدها تخلق مبرراتها، وهذه المبررات يكفي لتصويغها استصاغة مبتدعها أو ملفقها لها، وإصراره على توظيفها أو فرضها باعتباره مالكاً لهذه القوة، أو متفرداً بها..

هذا المنطق ينسحب تلقائياً على منطق آخر يستظل به، وينمو على ضفافه، ويستمد منه وقاحته الفريدة، أي المنطق "الإسرائيلي"، الأمر الذي يتجلى في أنصع مظاهرة في ردود الأفعال "الإسرائيلية" على قرار محكمة العدل الدولية فيما يخص جدار العزل التهويدي المتواصل بنائه في الضفة الغربية المحتلة.. قال "الإسرائيليون" في القرار ما لم يقله مالك في الخمر، ورفضوه جملة وتفصيلاً، واكتفوا بتطبيق قرار (محكمة العدل العليا) "الإسرائيلية"..! وإمعاناً في تحديه قرروا مواصلة بناء الجدار، وبدأوا في حملة كونية مضادة لهذا القرار. ووصل الأمر إلى أن يتهم شارون المحكمة الدولية "برعاية قتل الإسرائيليين"، ويدعو قرارها بـ"اللاأخلاقي"! أما وزير عدله تومي ليبد فقال: إن "قرار هاغ زائد سياسياً ويشكل استمرار للدعاية الفلسطينية". هذا بعض ما كان من "الإسرائيليين" رسمياً، أما إعلامياً فحدّث ولا حرج، صحيفة (معاريف) مثلاً، اعتبرته في أحد مقالاتها قراراً "ما بعد استعماري"! أما زميلتها (يدعوت احرونوت) فأطلقت في عنوان لأحد معلقيها على قضاة المحكمة الدولية صفة "المنافقين المجذومين"! ...هذا غيض من فيض، والمتتبع لردود الأفعال "الإسرائيلية" يجدها ذات وجهين:

الأول، استخفاف غير جديد، بل يعد أصيل بالنسبة للسياسة "الإسرائيلية"، بكل ما يندرج تحت ما يدعى مقولة الشرعية الدولية، وإمعاناً في تحديها، دون إخفاء أن ذلك يتم استقواءً برعاية أمريكية، أو استناداً إلى المنطق السائد في البيت الأبيض سابقاً وراهناً وحتى مستقبلاً، والذي تمت الإشارة إلى أنموذج منه بدايةً. أما الوجه الثاني، فهو قلق "إسرائيلي" حقيقي ذو نكهة غيتوية، ولا يماثله إلا ما يعتمل في صدر المجرم واللص عندما يواجه بشاهد على ما اقترفه. رغم اطمئنانه إلى صولة وقدرة المحامي الذي يدافع عن جرائمه ويبررها، وحتى، في الأغلب، ضمانه لتواطؤ من يحاكمه معه.. تقول (هآرتس)، التي تصف حصاد العمليات "الإسرائيلية" الدموية الراهنة في فلسطين المحتلة على ضوء قرار محكمة العدل الدولية بأنه "انتصار تكتيكي وهزيمة استراتيجية "إسرائيلية"":

أنه "يمكن بالطبع الاستخفاف بقرار المحكمة في لاهاي، والاعتماد على حق الفيتو للولايات المتحدة في مجلس الأمن، ولكن من يضمن لنا أن تنقذنا الولايات المتحدة دائماً، حيال جهود العرب بفرض عقوبات علينا على شاكلة جنوب إفريقيا"!.

بيد أن هناك من "الإسرائيليين"، وهذا جاء في مقال آخر لذات الصحيفة، من رأى وجهاً نافعاً للقرار الأممي، واستخلص منه "انتصاراً" كونه لأول مرة تعترف محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة من خلاله بحق "إسرائيل" في الوجود في حدود المحتل من فلسطين في عام 1948، "على نحو صريح وواضح".

لكن (يدعوت احرونوت) تلخص الهاجس "الإسرائيلي" الوجودي الذي أثاره القرار خير تلخيص، في مقال لها تحت عنوان "دولة خارج الجدار" تقول فيه:

"قراءة عشرات الصفحات للقرار في هاغ لا يترك مجالاً للشك: لو طلب إلى القضاة الدوليين إبداء رأيهم في قانونية إقامة "إسرائيل" نفسها لكانوا (بأغلبية الأصوات) يقررون بأن "الدولة اليهودية" هي مخلوق غير قانوني على نحو ظاهر، واستمرار وجود "إسرائيل" ينتهك حقوق الشعب الفلسطيني في التحقق الذاتي، وعلية يجب تفكيكها  في أقرب وقت ممكن".

لتصل، في استخلاص شاروني لمقال آخر يفسر بطريقة أو بأخرى مرامي خطة الفصل من جانب واحد والمساعي السياسية على هامشها، إلى ما يلي:

"لا يجب الأسف إذا ما اندثرت الهوية الفلسطينية ومنح رؤسائها ولاءهم السياسي لكيانات سياسية مسؤولة أكثر، مثل مصر والأردن لتحكم الفلسطينيين"!

الهاجس "الإسرائيلي" وجد صداه تلقائياً في المواقف الأمريكية، داخل محكمة العدل الدولية نفسها، وخارجها حيث الكونغرس أو عش المواليين لـ"الإسرائيليين" في الولايات المتحدة، ناهيك عن الناطقين الرسميين في الدوائر التنفيذية الأمريكية المتعددة.. لقد بدأ الأمريكان في نسج شبكة أمان لـ"الإسرائيليين"، فمجلس النواب الأمريكي صادق على مشروع قرار (غير ملزم) يستنكر قرار محكمة العدل الدولية، ويعتبره معيقاً للحلول! ويحذر الدول التي قد تستخدمه من أضرار سياسية.

أما الإدارة الأمريكية فعجلت بإرسال مبعوثها ستيف هيدلي نائب مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس، واليوم ابرامز (مدير شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي)، والهدف المعلن من الزيارة، المعدة  قبل قرار المحكمة الدولية، هو البحث مع "الإسرائيليين" "حول تخطيط البناء في المستعمرات" من أجل "إبقاء مساحات من الأراضي للدولة الفلسطينية"!!، وسيشكل الموفدون الأمريكيون مع "الإسرائيليين" كما تذكر المصادر "الإسرائيلية" فريقاً سيعمل كنوع من "لجنة عليا للتخطيط والبناء" في تلك المستعمرات. الأمر الذي يمكن الاستشفاف منه أن الأمريكان يريدون تولي مهمة مفاوضة "الإسرائيليين" نيابة عن الفلسطينيين أو الشريك غير الموجود بالنسبة لواشنطن وتل أبيب!

لكن واحداً من أهم الأهداف الراهنة للوفد، وما يشاع حول مهمته، هو الالتفاف على قرار المحكمة الدولية القاضي بلاشرعية الجدار والمطالب بإزالته. هذا الجدار الذي طلعت علينا (هآرتس) بتبرير تهويدي له يقول:

"إن التعليل الأمني ليس الوحيد من وراء إقامة الجدار. من المهم أكثر النظر إلى التعليل الديمغرافي"!

لعل الأخطر في ردود الأفعال الأمريكو-"إسرائيلية" هو زج الأمم المتحدة بشكل أو بآخر، والمطواعة غالباً، في لجة مواجه قرار محكمتها الدولية، وهنا نجد المبعوث التليد تيري رود لارسن يتبرع في الوقت المناسب، فيتما هي مع المواقف الأمريكية "الإسرائيلية"، لإثارة المقولة القديمة الجديدة حول فساد وعدم أهلية السلطة الفلسطينية، وهي مقولة قد يكون فيها بعض الحق، لكنها تثار حيث يراد بها باطلاً. والواقع أن تيرى رود لارسن الذي تجرأ ذات يوم فاستفظع مذبحة جنين ليتراجع بعد اتهامه باللاسامية، حتى قبل أن يجف دم مخيمها المراق، فيلحس أقواله، قد أعادنا إلى مآثر بلده النرويج المتمثلة في هاوية أوسلو التي لم تصل بعد بمن هوى فيها إلى قاعها. وحيث استشاطت السلطة غضباً أثر تقريره غير البريء أمام مجلس الأمن، وأعلنته، ولسان حالها يقول "حتى أنت يا لارسن"،  شخصاً غير مرغوب فيه، لم تجد مناصاً من التراجع أمام الغضبة الدولية، والهمس الإقليمي، لتقول أنه غير مرغوب فيه لكن ليس ممنوعاً عليه دخول مناطقها المحتلة. والواقع أنه في لجة تفاعل تقرير لارسن الذي يراد منه التغطية على قرار محكمة العدل الدولية، شاهدنا أنان ينتصر للارسن ويؤكد ثقته فيه، وحتى الفرنسيون أصابتهم الحمية فجأة فانتصروا في لحظة نفاق يلازم سياساتهم عادة لمهمة المبعوث الدولي التي تتعرض لهجمة فلسطينية، في حين لم ينتصروا للارسن عندما تعرض لهجمة "إسرائيلية" شرسة واتهم باللاسامية لا لشيء إلا لأنه لم يقو على الصمت وهو يشاهد مذبحة جنين..!

والآن، وحيث الأمريكان و"الإسرائيليون" يهجمون، والهيئة الدولية تنتصر لمبعوثها، والأوروبيون ليس هناك ما يدل على أنهم لن يتراجعوا، والعرب لا مبشر على أنهم لن يتقاعسوا، ولا ما يضمن أن السلطة أمام الضغوطات والإيحاءات لن تتهاود وتنكفئ عن مواصلة تحركها لاستثمار القرار في المحافل الدولية، ماذا ينتظر قرار محكمة العدل الدولية الذي يترصده (الفيتو) الأمريكي الذي هو عادة عدوان إمبراطوري مشرّع ضد العدالة، وجدار آخر في وجهها؟

السلطة لن تعرض الأمر على مجلس الأمن راهناً هروباً من (الفيتو) كما قالت، أو حتى لا تستفز واشنطن في عام انتخابي كما قال بعضها ونفته لاحقاً، وتم الاكتفاء مؤقتاً بعرض مشروع قرار عربي حوله على الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يقول السفير "الإسرائيلي" لدى الهيئة الدولية أنها تحتوي على أغلبية لاأخلاقية مؤيدة للعرب..!

هنا لا بد من التأكيد بأن القرار، عكس ما يشاع، ملزم لجهة كونه قراراً استشارياً لمحكمة دولية لكنه موجة إلى هيئات أممية تنفيذية استشارتها وعليه لا تملك هذه الهيئات حق تجاهله. كما لا يمكن إلا التنويه أيضاً بأنه موقف قانوني له تجلياته السياسية والاستراتيجية إن أحسن الإفادة منها.. لكن، وفي نفس الوقت، هل لنا أن نتجاهل كونه يأتي في ذيل جملة من القرارات الأممية المتوالية على مدى الصراع العربي الصهيوني حيال الحقوق العربية المشروعة في فلسطين، والتي ظلت أسيره الحيز القانوني وتم تطويق كامل تجلياتها السياسية والاستراتيجية؟!

والأهم، وفي ظل المنطق الأمريكي و"الإسرائيلي" المستظل به عادة، والنفاق الأوروبي، والتقاعس العربي، وقلة الحيلة الفلسطينية، هناك حقيقة تقول: أن قرار محكمة العدل الدولية مهما كان مصيره، يظل موجه بالدرجة الأولى للولايات المتحدة المستخفة بالقانون الدولي وحامية "إسرائيلها" الخارجة عليها.. يظل انتفاضة لهذا القانون الإنساني في مواجهة بلطجة قانون الغاب الذي يمثله المنطق البوشي والسلوك الشاروني أفضل تمثيل، وهنا تكمن أهميته التي استفزت الأمريكيين وأقلقت "الإسرائيليين".