تقرير لارسن أمام مجلس الأمن

صياغة "إسرائيلية" لأفكار دولية

محمد العبد الله/سوريا

جاء التقرير السياسي الذي قدمه مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في "عملية السلام" بمنطقة "الشرق الأوسط" السيد تيري رود لارسن بطلب من مجلس الأمن هذا الشهر، والذي تلاه يوم الثلاثاء الفائت، ليعبر عن تحول خطير في طبيعة فهم المنظمة الدولية لتطورات الوضع المتفجر داخل فلسطين التاريخية، والذي تسعى دولة العدو الصهيوني على أن تتطاير شراراته في عموم المنطقة. وعوضاً من التوصيف العلمي الموضوعي المستند على الحقائق المادية التي يفرضها الاحتلال (القتل والتصفيات، بناء المستعمرات، تدمير الأراضي وتجريف الترب الزراعية، تسميم الآبار، الإصرار على استكمال بناء جدار الموت العنصري، الحصار الرهيب للشعب داخل المدن والأحياء والقرى، فرض الإقامة الجبرية على رئيس السلطة داخل بضعة أمتار مربعة...) قفز ممثل الهيئة الدولية عن كل هذه الأوضاع، ليصل إلى أن السبب المباشر لكل ما يحصل هي "حالة الفوضى السائدة في المناطق الفلسطينية" التي عدد بعض مدنها مستشار السيد لارسن للشؤون السياسية  عز الدين شكري في غزة ونابلس واستثنى فقط أريحا لأن فيها سيطرة لقوات الأمن! هل يحتاج السيدان لتذكيرهما بأن السبب في كل ما جرى ويجري هو الاحتلال بكل إفرازاته المتوحشة، ألم تصل لأسماعهما عمليات القتل التي تجري على مدار الساعة في كل الأرض الفلسطينية من جنين إلى نابلس ومخيماتها والقطاع الصامد المقاوم، فجيش الاحتلال يحاصر (بيت حانون) منذ أكثر من أسبوعين، ويمارس بحق سكانها عمليات قتل منظمة بلغت حصيلتها للآن ثلاثة عشر شهيداً وأكثر من ثمانين جريحاً، وخلال الساعات القليلة الماضية أطلقت قوات الموت الحربية الصهيونية النار على عدة شاحنات دولية تابعة لمنظمات الأمم المتحدة (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين "أونروا") كانت تحاول نقل مساعدات إنسانية لأكثر من عشرين ألف مواطن يعانون من الحصار الذي يعني بكل بساطة الموت البطيء، هل كانت الفوضى أم جرافات جيش العدو التي ردمت منزل عائلة (خلف الله ) في مدينة خانيونس هي المسؤولة عن إعدام الشيخ العاجز والمقعد "إبراهيم خلف الله" الذي توقف قلبه عن الخفقان نتيجة تسوية بيته بالأرض وهو داخله، على الرغم من مناشدة أهله للقاتل، سائق الجرافة بالتوقف لإخراج الكهل المشلول. إن السيد لارسن لايجد سوى مشجب "الإصلاح" ليضع عليه كل معاناة شعبنا، والإصلاح كما يفهمه يتطابق مع تلك الاسطوانة الأمريكية المشروخة والمشبوهة التي تحاول تسويق هذا المصطلح الشافي لكل أمراض البشرية؟! والذي يؤدي حسب رغبات واشنطن و"تل أبيب" إلى "أمركة المنطقة وأسرلتها" ولهذا فمصداقية السلطة الفلسطينية في تطبيق ذلك الإصلاح هي التي تجعلها شريكاً في عملية السلام، كما يقول لارسن! وعلى الرغم من حاجة المجتمع الفلسطيني لمعالجة جذرية لكل مظاهر الفساد والترهل التي أصابت مؤسسات السلطة، فإن الاستجابة الذاتية  لمتطلبات النهوض والتقدم بعمل الأجهزة شيء، والتنفيذ الفوري في ظل سياسة الإملاءات الخارجية لرغبات الآخرين المحكومة بوقف المقاومة شيء آخر! وعندما حاول السيد لارسن التحدث عن الخلل الهائل في تدني الوضع الاقتصادي للفلسطينيين الذي يتقدم من الكارثة الكاملة على الحياة السكانية، والذي يعيده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان في حديثه للصحافيين في بانكوك قبل أيام إلى وجود الاحتلال (إن "إسرائيل" بصفتها قوة محتلة، مسؤولة عن رخاء الشعب الفلسطيني) أصرّ السيد لارسن في معرض حديثه على الإشارة إلى "أن العنف كان له أيضاً وطأة على الاقتصاد "الإسرائيلي"" وهو بهذا يحمـّل المقاومة والصمود الفلسطيني تداعيات الانهيار في بعض الأنشطة الاقتصادية داخل الكيان العنصري الصهيوني. وحتى نكون منصفين بقراءتنا لتقرير لارسن لا بد أن نشير إلى نقده لعدم تنفيذ حكومة العدو لوعودها وتعهداتها (عدم توسيع المستعمرات، تدمير البيوت، حظر التجول..) إلاّ أنه لم يركز في إحاطته تلك على ضرورة تحويل الرأي الاستشاري "قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي" من أن جدار الفصل العنصري غير شرعي ومن الضروري هدمه وتعويض السكان الفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة مروره في أراضيهم، إلى قضية مركزية يتحرك النشاط الدولي كله من أجل ترجمتها إلى قرار ملزم لدولة العدو، بل أن السيد لارسن قام بالإشارة الإيجابية لقرار المحكمة العليا الصهيونية بتحويل مسار الجدار حول القدس والذي يعني الاستمرار في بنائه، مع بعض الإجراءات الخاصة بمساره (محاولة تجميل شكلية لامتداده مجدداً).

لقد عبر نائب المندوب الدائم لكيان العدو في المنظمة الدولية "أرييه ميكيل" عن تقديره الكبير لما جاء في إحاطة السيد لارسن التي وصفها بـ "أنها معقولة جداً" إذ جاءت "واضحة وقوية وتأتي للمرة الأولى بهذا الشكل من حيث انتقادها للسلطة الفلسطينية". أما الجانب الفلسطيني فقد أدان بشدة تقرير ممثل الأمين العام للسلام في المنطقة، من خلال تصريحات السيد ناصر القدوة مندوب فلسطين بالمنظمة الدولية التي اتسمت بالتنديد لانحياز التقرير لجانب الاحتلال ولأننا متأكدون "بأن أحداً لم يعين حاكماً في الأراضي المحتلة اسمه لارسن".

إلاّ أن ردود فعل السلطة في رام الله كانت أكثر حدة مما عبر عنه مندوبها بالأمم المتحدة، خاصة ما صرح به نبيل أبو ردينة للصحافيين أمس (إن تيري رود لارسن شخص غير مرغوب فيه داخل الأراضي الفلسطينية) ليعقبه بيان منسوب لكتائب شهداء الأقصى  يهدد فيه لارسن بالقتل في حال وصوله لمناطق السلطة! مما دفع بالناطق الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة من الإعلان عن تضامن كوفي عنان وتأييده لتقرير لارسن، مما يعني تفجر أزمة خطيرة بين المنظمة الدولية والسلطة الفلسطينية، ستوظفها الولايات المتحدة وحكومة العدو الصهيوني لمصلحتهما بهدف العزل السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية على الصعيد العالمي، وتصوير الردود الرسمية التي عبر عنها بعض أركان السلطة من أنها جزء من "السلوك الإرهابي" الذي يطبع النضال الفلسطيني. إن معركة سياسية واسعة لا بد من خوضها مع الأفكار الخطيرة التي تضمنها تقرير لارسن، وهي تتطلب جهوداً دبلوماسية - سياسية تعتمد على تحشيد مواقف الدول العربية والإسلامية والصديقة (أوروبا، روسيا والصين) المستندة على القرارات الدولية المؤيدة للحق الفلسطيني وآخرها القرار الخاص الصادر عن محكمة العدل الدولية في لاهاي، وعلى المذابح اليومية التي تقترفها قوات العدو وقطعان مستعمريه في المناطق المحتلة.

إن شعبنا والعالم كله لم ينس كيف تعاملت عصابات القتل الصهيونية (عصابة شتيرن) مع الوسيط الدولي للأمم المتحدة عام 1948 في فلسطين، الكونت السويدي "فولك برنادوت" عندما اغتالته مع مراقب الأمم المتحدة، العقيد الفرنسي "أندريه سيو" يوم 17/9/1948 كتعبير عن رفضهم لمقترحات برنادوت، والذي جاء منسجماً مع سلوكهم الفاشي الدموي في تنفيذ مخططاتهم. إن العقلانية السياسية المنبثقة من حقنا في نضالنا الوطني بكافة أشكاله تفرض على الجميع اليقظة السياسية، والتنبه لمخاطر الانفعال أمام استفزازات الأعداء.