عن الزعيم سعادة
لميس بلال/ اللاذقية - سورية
حاولت كثيراً أن أكتب بموضوعية عن أخطاء التاريخ وعثراته، البعيد منه والقريب وذلك بتلميحات خفيفة الظل كيلا أفتعل الجدل، وبدون تحديد مطلق ذلك أني لا أؤمن أصلاً بالأشياء المحددة تماماً وبالأمور المطلقة.. ومع بعض الانتقادات التي بدأت أسمعها من القلّة الذين فهموا تلميحاتي.. ومع خيبة الأمل تجاه الكثرة ممن لم يلاحظوا شيئاً عرفت أن زمان التلميح ولّى، وأن المباشرة وتسمية الأمور بمسمياتها، والتكرار والإلحاح أيضاً، ربما يمكنهم معاً أن يتركوا أثراً...
لماذا نلجأ للتلميح والمداورة إذن، ربما يعود ذلك إلى الطبيعة الشائكة المميزة لمواضيعنا التاريخية وتعصبنا اللا إرادي تجاه رموزنا المحببة وأسمائنا الممجدة، إضافة إلى اندثار بعض الحقائق مع التاريخ بطريقة ترضي أطرافاً يفعلون ما بوسعهم لاستمرار الحجب والتعتيم خاصة بعد انقضاء الوقت والاستقرار بطريقة ما بعد مرور العاصفة...
إن الباحث عن الحقيقة ينبغي أن يتحلّى بالمرونة والشجاعة ويضع الجميع "الجميع دون استثناء" كعيّنات بحث تحت المجهر ثم إعلان نتائجه بعلمية ووقار دون ميول أو تأثيرات شخصية.. وهذه طبعاً ليست بالمهمة السهلة، بل إن أداءها يفوق مقدرات البشر المخلوقين على ميول وأطماع ورغبات وعواطف، إلاّ إذا تمّت التربية على أسس علمانيّة فتحت عوالم العقل والمخيّلة على آخرها ووظفتها لخدمة الحقيقة دون قيود وضعية تؤطّرها ضمن عقيدة ما، أو بيئة ما أو حقبة زمنية ما...
ذلك أن العيش والعلاقات الإنسانيّة والتعامل السليم المتوازن بين المادّة والروح على المستوى الفردي يتطلّب فعلاً أسساً معيّنة من العقيدة والبيئة الاجتماعية والمرحلة الزمنية.. أما العلم فلا.. بل ينطلق من التجريد والتحليل والاستنتاج ثم العرض لتعميم المنفعة وتوضيح الرؤى وتصحيح المفاهيم.
وإذا كان كلّ ما سبق مقدّمة نظرية تمهّد لما سوف يلي.. لا شك أن القارئ سيتوقّع أن أنشر حقيقة واحدة على الأقل تمّ السكوت عنها تاريخيّاً لسبب أو لآخر.. لكنني لن أكتب عن حدث بل عن رجل يؤكّد أنّ التباين والاختلاف في المقدرات الإنسانية أمر مسلّم به فقد كان رجلاً حقّاً وقد رأى المستقبل بعيونه الوطنية واستطاع أن يقرأ منذ عشرينات العقد الماضي ما يحدث الآن على الساحة الدولية، وهو الذي وضع أمريكا في أوقات تبجّحها بالحريّة والإنسانية مكانها الحقيقي كمصدر للشر والخراب، واسفنجة امتصاص لا تشبع من دماء الشعوب الحرّة كي تكدّس الدولارات في خزائنها وتتمتّع ببريقها، وتسقط في النهاية من مجال احترام التاريخ.. أتحدّث عن الزعيم أنطون سعادة القائل في عام 1924: "الظاهر أن لمعان الدولارات قد أعمى بصيرة الأمريكيين حتى أنهم أصبحوا يوافقون على الاعتداء على حرية الأمم بدم بارد وعجرفة متناهية"
وهو القائل أيضاً: "في الساعة التي أمضت الولايات المتحدة صك المصادقة على استعمار سوريا مع ما تعلمه بما سيحل بسوريا من ويلات ذلك الاستعمار، أمضى التاريخ حكمه وسقطت الولايات المتحدة سقوطاً أدبياً مخجلاً"..
من الجدير ذكره أن سوريا كانت بالنسبة للزعيم تمتد على مساحتها الطبيعيّة وكان يعني بهذا الاسم العزيز جميع بلاد الشام والعراق وربّما أكثر وكان يستطيع الدفاع عن قناعاته علمياً وهو يشنّ حرباً حقيقية على الوجود الأجنبي والاستعماري في الفكر الاجتماعي والنفسيّة الفردية قبل وجوده السياسي على الأرض..
وبعيداً عن السياسة والأحزاب والسلطة.. لا بدّ من استعادة حقّ الزعيم المصادر منذ وقت طويل بنشر أفكاره الوطنية لاسيما في فترة نحتاج فيها لكل بارق يضئ أمتاراً في دروبنا السوداء التي طالت.