"حرب الإرهاب" سحنة ملوثة بغموض الأهداف

لهيب عبد الخالق/كاتبة وشاعرة من العراقي تقيم في الإمارات

مع قدوم الإدارة الأميركية الجديدة عام 2001 ودخول المحافظين الجدد للبيت الأبيض، بدا أن هالة كبيرة ألقيت على ما سمي بالأمن الأميركي، هذا الأمن الذي دفع ثمنه دول وحكومات وأناس كثر وراح ضحيته النظام الدولي بكل تفاعلاته، وكان العنف أحد أهم العكازات التي استندت إليها الاستراتيجية العرجاء للمحافظين الجدد. التهويل في معالجة ظاهرة العنف سياسيا وإعلاميا، كان الأسلوب الأمثل في تسويق مخططات استعمارية كان عنوانها الظاهري "محاربة الإرهاب". وهو مخطط استدرج العالم نحو مواقف وسياسات تخدم الهيمنة وتغطي على الاحتلال والنهب والاستغلال لموارد العالم الذي قامت وتقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، وتدعم الفرضية القائلة إنه يجري استثمار العنف واختراق المجموعات المسلحة، وإنه يبالغ في تقدير حجمها وخطورتها.

وبالنظر إلى قضايا العنف المسلح الذي ينسب إلى جماعات إسلامية والحجم الحقيقي للخسائر المترتبة عليها ومقارنتها بالانتهاكات والمجازر الفظيعة الكثيرة التي تجري في العالم مما لا ينسب إلى ما يسمى الإرهاب الإسلامي كالإعدامات والتصفيات التي تقوم بها الحكومات وعصابات المافيا والمخدرات حول العالم، نجد مبالغة كبيرة شطت عن المألوف والقانوني لتدخل في إطار نزوع أحادي عنصري واستعماري أعاد إلى الأذهان حقبة الاستعمار في القرون الماضية.

انعكس الغلو في الحرب الأميركية على الإرهاب على مناطق العالم الثالث وبالتحديد الدول الإسلامية، وانحصر بشكل اكثر تخصيصا بالشرق الأوسط إذا ما اعتبرنا أفغانستان ضمن دائرة الشرق الأوسط وفق التعريف الأميركي، ووجدنا إن دولا عربية عديدة قدمت تنازلات سيادية كثيرة في موضوع الأمن تحت بنود دعم محاربة الإرهاب.

ويذكر تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP) أن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وما تبعها مما سمي "الحرب على الإرهاب" قدمت للسلطة في بعض البلدان العربية مبررا واهيا للغلو في كبح الحريات، وربما كان الانقضاض على الحرية كما يقول التقرير من أوخم العواقب التي أسفرت عنها الحرب على الإرهاب، وقد خلقت السياسات الأمنية والإجراءات الصارمة التي اتخذتها الولايات المتحدة خلال هذه الحملة للتضييق على الحريات وتبنتها عدة أقطار عربية نامية، أجواء وأوضاعا مناوئة للتنمية الإنسانية.

حظيت الولايات المتحدة بدعم كبير في محاولتها لبناء تحالف دولي ضد ما يسمى بالإرهاب، لكن العديد من الدول أبدت تحفظاتها على المشاركة في حرب تقودها الولايات المتحدة معلنة أن التعاون سيكون أسهل إذا تمت تحت رعاية الأمم المتحدة.

العرب كانوا أول من دفع بنفسه إلى واجهة المرحلة التي وسمت بأنها مرحلة محاربة الإرهاب، فنددوا وانضموا للقافلة التي كانت تتهيأ للدخول إلى غابة الأفغان تحت ذريعة محاربة القاعدة والتي بدت سببا كافيا آنذاك ومتهما جاهزا لأحداث 11 أيلول/سبتمبر.

ورغم أن الإرهاب بشكل عام مرفوض إلا أن تعريف الإرهاب لم يتحدد بشكل أو صيغة وأخذ شكلا وحدودا فضفاضة تضمن لأميركا تنفيذ أهدافها التوسعية ورغم أن الدول العربية جميعها شربت هذه الكأس المسمومة إلا أن العراق ممثلا بحكومته السابقة رفض وبشكل موضوعي الحملة الأميركية التي استبطنت نواياها بشكل دقيق، وفي قول وزير الخارجية العراقي السابق الدكتور ناجي الحديثي دليل على اضطراب المعنى الإرهابي فيقول: "إن كل الشعوب الإسلامية مستهدفة من التحالف الأميركي الصهيوني البريطاني الذي يجري ضد أفغانستان، لذلك ندعو كل الدول الإسلامية لمناقشة قضية الإرهاب بعيدا عن الضغوط الأميركية، والكيل بمكيال واحد وليس الكيل بألف مكيال، إن الإجراءات العسكرية التي يقوم بها التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد أفغانستان غير قانونية وذات أهداف أبعد من افغانستان".

وفي الخط نفسه جاءت الدعوة اليمنية إلى عقد قمة عربية طارئة لبحث مكافحة الإرهاب، مما بدا ضرورة لبلورة موقف عربي موحد بما يكفل الخروج برؤية عربية موحدة حيال قضايا الإرهاب وسبل مواجهته، خاصة وان الدول العربية عدت متورطة في هذا المستنقع بعد أن طورد العرب الأفغان بتهمة أحداث أيلول/سبتمبر 2001.

دول العالم الثالث التي حسبت نفسها بين نارين: الحملة الأميركية الأوروبية، ونار المتطرفين والسلفيين التي تزداد اشتعالا، وجدت في النزول إلى حلبة التنافس على الرضا الأميركي والدخول في معمعة الحرب على الإرهاب ضرورة إجبارية وليست خيارا أبدا، بدءا من تركيا وانتهاءً بآخر بلد آسيوي عد نفسه مستهدفا بهذه الحرب، فأفغانستان ليست بلدا معزولا بل هي في قلب آسيا وهي بالتالي مؤثرة بامتدادات طالبان في القارة الآسيوية، وآسيا مرجل يغلي بالصراعات العرقية وتنافس المصالح الدولية.

منظمة المؤتمر الإسلامي بكل أعضائها والتي عقدت اجتماعا طارئا في الدوحة يومي التاسع والعاشر من أكتوبر عام 2001، أدانت فيه هجمات 11 أيلول/سبتمبر على الولايات المتحدة ورفضت أي محاولات للربط بين الإسلام والإرهاب، وهي بذلك كانت تستشرف مرحلة خطيرة تمثلت بتصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش التي وصف فيها حملته بالصليبية وعاد فتراجع تحت ضغط الرأي العام الدولي.

وقد رأى انه سيربح تحالفا اكبر إذا ألغى هذا الوصف وضمنه سياساته، خاصة وأن الدول الإسلامية دعت إلى جهد جماعي تحت مظلة الأمم المتحدة من أجل تعريف مفهوم الإرهاب دون انتقائية أو ازدواجية لاجتثاث جذوره وتحقيق الاستقرار والأمن ورفضت الربط بين الإرهاب وحق الشعوب الإسلامية والعربية بما فيها الشعبان الفلسطيني واللبناني في تقرير المصير ومقاومة الاحتلال "الإسرائيلي"، ولم تكن آنذاك الدولة العراقية قد وقعت تحت مطرقة الحرب الأميركية.

تحالف دولي... ولكن!

جردت الولايات المتحدة الجميع من حق تعريف الإرهاب والدخول في تفاصيل كثيرة جدا وانطلقت باتجاه الشرق الآسيوي مثيرة غبارات كثيرة وغموضا في المعنى وضبابية في كل النتائج التي كانت تعلن أنها توصلت إليها، فقد كانت تسابق الريح في توجيه رماح اتهاماتها باتجاه أعناق العرب والمسلمين هنا أو هناك.

مجلس الأمن الدولي حث خطاه ليبرر بقاءه كمنظمة دولية صاحبة الحق في اتخاذ القرارات الدولية، فأصدر قرارا يلزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات لمكافحة الإرهاب، هذا الدور الذي سنجد في ما بعد انه الغي تماما عندما شنت الولايات المتحدة حربها الثانية ضد العراق.

ولذا نرى أن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان شدد على أن "منظمة الأمم المتحدة هي المنتدى الطبيعي لتشكيل ائتلاف دولي، وهي وحدها القادرة على إضفاء الشرعية العالمية على الصراع الطويل الأمد ضد الإرهاب"، ولذا فانه يتوجب وفق هذا الرأي عدم توفير أي جهد يرمي إلى إحالة منفذي الهجمات إلى القضاء وذلك بطريقة واضحة وشفافة يتمكن الجميع من فهمها والقبول بها".

وهذا أكثر مما كانت تريده الولايات المتحدة لتبدأ سلسلة حروب الألفية الجديدة، هذه الحروب التي لم توفر جهدا لدى الغربيين باستعادة روح العنصرية ضد المسلمين وذوي الأعراق الآسيوية، وقد حذرت منظمة العفو الدولية من مقرها في بون حكومات العالم كافة من أن تقوم بالإضرار بالحقوق والحريات الأساسية من خلال مكافحتها للإرهاب.

تغيرت وفق السياسة الأميركية التي تصدرت لحرب الإرهاب، قائمة الإرهاب التي اعتادت الولايات المتحدة إصدارها سنويا، فرسمت محورا للشر تمثل في دول (العراق، ايران، سوريا، وكوريا الشمالية)، وبدأت تقض مضجع السعودية ووضعت لائحة بالأهداف التي حددها الرئيس الأميركي جورج بوش في حرب مكافحة الإرهاب والتي تضمنت 11 منظمة و12 شخصا وأربع منظمات خيرية هي:

المنظمات:

1 - القاعدة (أفغانستان).

2 - جماعة أبو سياف (الفلبين).

3 - الجماعة الإسلامية المسلحة (الجزائر).

4 - حركة المجاهدين (كشمير).

5 - الجهاد (مصر).

6 - الحركة الإسلامية الأوزبكستانية (أوزبكستان).

7 - عصبة الأنصار (لبنان).

8 - المجموعة السلفية للدعوة والقتال (الجزائر).

9 - الجماعة الإسلامية المقاتلة (ليبيا).

10 - الاتحاد الإسلامي (الصومال).

11 - جيش عدن أبين الإسلامي (اليمن).

الشخصيات:

1 - أسامة بن لادن.

2 - محمد عاطف (صبحي أبو ستة، أبو حفص المصري). سيف العدل.

3 - الشيخ سعيد (مصطفى محمد أحمد).

4 - أبو حفص الموريتاني (محفوظ ولد الوليد، خالد الشنقيطي).

5 - ابن الشيخ الليبي.

6 - أبو زبيدة (زين العابدين محمد حسين، طارق).

7 - عبد الهادي العراقي (أبو عبد الله).

8 - أيمن الظواهري.

9 - ثروت صلاح شحاتة.

10 - طارق أنور السيد أحمد (فتحي، عمر الفاتح).

11 - محمد صلاح (نصر فهمي نصر حسنين).

المنظمات الخيرية:

1 - مكتب الخدمات/الكفاح (مرتبط بالقاعدة).

2 - منظمة وفا الإنسانية.

3 - الرشيد ترست (مؤسسة متركزة في أفغانستان).

4 - مأمون دركزانلي (شركة تصدير واستيراد).

وابتدرت الصحف الأميركية بحملة مرافقة للإدارة الأميركية بتحديد شكل الإرهاب وأشخاصه وطرق العمل لتلافيه وبرزت جغرافيا الأمن القومي بغير حدود لتمر على جسد العالم، وصار الجميع محط ريبة واتهام، لقد نازع الأميركيون حتى بني جلدتهم وانقضوا على شعبهم في الداخل، ذلك الشعب الذي فتحت أمامه أبواب الهجرة بدعاوى الحرية والديمقراطية والذي اختنق كما يبدو بعد عام على 11 أيلول/سبتمبر بحبال الأمن القومي المزعوم.

ومع أصوات القاذفات الأميركية التي دكت أفغانستان، بدأ العالم يرى خلف غبار الحرب والأشلاء المتناثرة أن الحملة الأميركية تتجاوز أهدافها المعلنة إلى غايات أخرى تحقق المقاصد الأميركية في تلك المنطقة، وجرى الحديث عن مغانم خططت أميركا لاكتسابها من حملتها ضد الإرهاب، ورصدت تقارير المراقبين عدة أهداف ستتمكن أميركا من تحقيقها خلال حملتها ضد الإرهاب منها:

ـ تهدئة الرأي العام الأميركي.

ـ التمدد في منطقة بحر قزوين التي تحوي ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم.

ـ إضعاف النفوذ الإقليمي لروسيا وإيران.

ـ تعزيز الوجود الأميركي في العراق بما يخدم مصلحة "اسرائيل" ومخططاتها والذي تمثل في انهاء الدولة العراقية وإقامة عرق جديد أميركي السحنة و"اسرائيلي" التوجه.

ـ قطع الطريق نهائياً على الصين، ونسف مشاريعها لإعادة "طريق الحرير".

ـ القضاء نهائيا على أي احتمالات لبروز قوة عربية مناهضة لأميركا و"اسرائيل" في منطقة النفوذ الأمر- "اسرائيلي".

أفرزت حرب الإرهاب إذن على مختلف الأصعدة نتائج كارثية انعكست على الولايات المتحدة مثلما انعكست على العالم، فقد تزايد الكره لأميركا مع تصعيد حربها وغزو العراق واحتلاله وظهور ممارسات فضائحية كشفت القناع الحقيقي لحرب الإرهاب، تزامن مع تصعيد "اسرائيلي" متزايد وشرس باتجاه القضاء على أي احتمالات للتسوية وفرض الأمر الواقع الذي يتمدد كل مرة على العالم العربي.

وما كان ضمن الاحتمالات البعيدة في مجال الإرهاب أصبح واقعا ممضا وسيئا فقد دخلت المنطقة العربية في حقبة من العنف المبرر وغير المبرر، وما كان أرضا لا تصلح لظهور الإرهاب، صارت حاضنات لتفريخ أشد وأشرس الخلايا المتطرفة، بين إرهاب حقيقي وبين مقاومة بدأت تتلون بألوان شتى ولمصالح شتى، واختلط الحابل بالنابل، وصار كل شيء مستهدفاً ولم تعد هناك حدود أو أشكال للأهداف وللرؤى.

بات الجميع في غربال واحد ينزفون دما وأسفا وخوفا وخضوعا وتخبطا سياسيا، فلا أميركا نعمت بالأمن، ولا هي وفرته على الدول التي هدمتها بدعوى تحريرها، ولا هي استطاعت أن تقدم نموذجا حقيقيا واقعيا للإرهاب فقد سقطت هي نفسها في فخه وتحول الإرهاب من منظور الجماعة إلى إرهاب الدولة، وفي نهاية الأمر وجد الشركاء انهم ليسوا في مركب واحد ولكنهم جميعا غارقون، فانفصل من انفصل مستدركا طوق النجاة الأخير وبقي من بقي ليبلغ قاع البركة الموحلة.

واليوم نرى أن المنطقة العربية مرجحة لأكثر من انقلاب في شكلها وحياتها ونظامها الذي يسقط رويدا تحت معول هادم مجنون وسياسة خرقاء، ربما ليست خرقاء بالنسبة لصانعي السياسة الأميركية، فهناك بالتأكيد ربح وثمن حصلت عليه أميركا من كل ما حدث ويحدث، ويبقى السؤال الأهم في كل هذه اللعبة: من هو الإرهابي وما هو الإرهاب؟، سؤال بقي منذ ثلاث سنين يبحث عن حدود لشكله ومعان لمضمونه المائع بين نيران السياسة الأميركية.