الداخل الأميركي بركان أشعلته سياسات بوش وعجزت عن إخماده
لهيب عبد الخالق/كاتبة وشاعرة من العراق تقيم في الإمارات
يواجه الوضع الداخلي الأميركي مأزقا أشد من المأزق الذي تواجهه السياسة الخارجية الأميركية في مستنقعات حرب الإرهاب، فالداخل الأميركي يغلي بمشاكل وتعقيدات عديدة تكاد تخنق السياسة الداخلية وتتصاعد كلما اقتربت الانتخابات الرئاسية واقترب معها حسم المستقبل الأميركي لأربع سنوات مقبلة.وفي الواقع يوصف الواقع الذي تعيشه الولايات المتحدة في الداخل بأنه من أسوأ ما حصل للولايات المتحدة، فالتضخم الاقتصادي يكاد يودي بالهرم الرأسمالي. والبطالة في تفاقم ومستوى الخدمات الاجتماعية والصحية في تدنى كما ان البيئة ليست بأفضل حالا من غيرها، وزاد الأمر سوءا تصاعد حجم الجريمة واستخدام العنف المسلح خاصة من قبل الأطفال الذين بدوا مشكلة تبحث عن حلولها في أسلوب الأميركيين في العيش الذي يكاد يستند الى التسليح وتصدير العنف والإحساس بعدم الأمان مما لم يسبق أن حدث في الولايات المتحدة عدا عن القوانين الجديدة والتطرف في استخدامها مما أفرزته حقبة ما بعد 11 أيلول/سبتمبر.
ونجد مؤشرات المأزق الداخلي الأميركي في تصاعد الرفض لأسلوب الإدارة الأميركية في الداخل ومعالجاتها القاصرة والجاهلة أحيانا لهذه المشاكل، بل إن مصالح الطبقة الرأسمالية تكاد تحكم السياسة الداخلية وتوجه سلوك البيت الأبيض لما عرف من ارتباط إدارة البيت الأبيض وأفرادها بمصالح مشتركة ومتشابكة مع لوبي المصالح الذي بات يتحكم حتى بصعود الرئيس وبالسياسة الخارجية.
ويجد الباحثون أن تفاقم المشاكل الداخلية كان سببه سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش التي وصفت بأنها جاهلة، فقد تجاهل بوش رغبة الشعب في قضية الخفض الضريبي الذي قابله زيادة في الإنفاق العسكري لان المستفيد الحقيقي من هذا الخفض الضريبي هم الأثرياء وحدهم ،والطبقة الوسطى هي وحدها المتضررة من فشل تحقيق بوش لهذه الرغبة، التي فشل ريغان وبوش الأب في تحقيقها كما تشير الدراسات.
ورغم أن بوش الذي دخل البيت الأبيض بشكل مثير للجدل واصبح سيده، إلا إننا مازلنا نرى تحفظا شعبيا لدى الجمهور الأميركي على طريقة وصول بوش إلى كرسي الحكم التي يعتبرها كثيرون شكلا للفساد الإداري الذي استغل ثغرات قانون الانتخابات، هذا القانون الذي تزايدت المطالب بإصلاحه.
ويرى الباحثون أن بوش جاء إلى البيت الأبيض بلا برنامج واضح سوى برنامج مضاد لسياسة الرئيس السابق بيل كلينتون الاقتصادية التي حققت نجاحا خلال فترتي حكمه، ولم يستطع بوش بكل الجيش الإداري والاقتصادي الذي دخل معه إلى البيت الأبيض من تقديم سياسات بديلة مقنعة.
وقبل الدخول في تفاصيل المشاكل الداخلية الأميركية لا بد من الإشارة إلى أن الميول العسكرية لإدارة بوش والتي ضخمتها حوادث أيلول/سبتمبر أشرت هوسا مرضيا لدى بوش وإدارته يقارنه المراقبون والسياسيون داخل وخارج أميركا بردة فعل الرئيس السابق كلينتون إزاء انفجارات (أوكلاهما وأتلانتا).
ويرى الدكتور محمد النابلسي إن بوش "فشل في كسب اليمين المتطرف وميليشياته المعادية للحكومة الفيدرالية بسبب خضوعها لليهود، حيث بينت الحرب العراقية خضوعاً اكبر لـ"إسرائيل" ولا بد من التذكير بأن هذه الميليشيات هي المسئولة عن انفجار اوكلاهوما، وشعورها بالسيطرة "الإسرائيلية" على القرار الأميركي يجعلها ميالة للتمرد ضمن الهوامش والفرص المتاحة له".
لقد شهد الداخل الأميركي حركة معارضة شديدة للسياسة الأميركي فتصاعدت التظاهرات المعارضة للعولمة، كما تصاعدت معارضة الشعب الأميركي للتورط العسكري الأميركي في العراق وغيره، وشهدت اتساعاً مع زيادة الأخطار على الجنود الأميركيين في العراق وأفغانستان.
وتصاعدت أيضا حملة الاضطهاد التي تعرضت لها الجماعات العرقية والإثنية والأقليات التي يتشكل منها المجتمع الأميركي، فقد شنت سلطات الأمن الداخلي الأميركي حملة واسعة ضد الأقليات "الشرق أوسطية" المتعرضة للاضطهاد بمناسبة حوادث أيلول/سبتمبر، كما شمل الاضطهاد الأقليات المهتمة بالتجسس لصالح أصولها العرقية (الصين وروسيا على سبيل المثال).
إضافة لحملة اضطهاد الزنوج وكاثوليك أميركا اللاتينية والمهاجرين الجدد والآسيويين وغيرهم، التي لوحظ تصعيدها بعد 3 اشهر من دخول بوش إلى البيت الأبيض، إذ نشبت حوادث الشغب العنصري في مدينة سينسيناتي الأميركية في 142001 وفق التقارير الصحفية.
ولا يمكن تجاهل إضراب عمال الموانئ الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر 2002 الذي كلف الاقتصاد الأميركي ملياري دولار يوميا، وارتفاع معدل البطالة الأميركي، واضطرار الشركات لتسريح قسم من العاملين فيها تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، إضافة إلى تضرر الشركات الكبرى من سياسات إدارة بوش، التي تستفيد منها شركات الطاقة والأسلحة وتتضرر منها بقية الشركات.
وضرر هذه الشركات يؤثر على عدة أصعدة، فهو يهدد بزيادة أعداد البطالة وبتراجع الثقة بالاستثمارات الأميركية وأيضا باعتماد هذه الشركات لسياسة تشجيع القطب المواجه لإدارة بوش، مع تصاعد فضائح الفساد المالي التي تطال رؤوس إدارة بوش.
لقد أضرت عسكرة المجتمع الأميركي بالمواطن الأميركي سواء في الداخل أو الخارج، ففي الداخل حرمته من برامج الدعم الاقتصادي والاجتماعي والصحي والتعليمي، مثلما أثرت الانعكاسات السلبية للسياسات المجنونة في تقسيم المجتمع، و الخوف من بعضه البعض، وتأليبه على نفسه من خلال السياسات و الإعلام المعادي لكل شعوب الأرض وبشكل خاص المسلمين، وجعلت الأميركيين نموذجا مرفوضا من قبل المجتمع الدولي ومعرضا للكثير من التهديد خارج أميركا مثلما هو في داخلها.
نمط اجتماعي مأزوم
يتعرض د. مصطفى النشار لطبيعة المجتمع الأميركي الذي يراد تعميم نمطه على مجتمعات العالم، فيشير إلى أن "سكان أميركا يتسمون بأقصى قدر من التنوع العرقي، فقد اظهر إحصاء ظهر عام 1997 الكثير من الدلالات، فالأميركيون بلغ عددهم في ذلك العام 267 مليون شخص، بلغت نسبة السكان البيض بينهم 73%، وبلغت نسبة السود 13%، وأهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر بلغت نسبتهم واحدا في المائة، وبلغت نسبة السكان الآسيويين 4%، أما الهيسبانون فقد بلغت نسبتهم 11%.
ومع أن هذا العدد إجمالا يبلغ أقل من خمس سكان دولة مثل الصين، فإن إجمالي الناتج القومي لهم بلغ في ذلك العام اكثر من ضعف إجمالي الناتج القومي للصين، ورغم ذلك فان الميزان التجاري للولايات المتحدة عام 1996 كان مصابا بالعجز التجاري مع اليابان والصين وكندا والمكسيك وألمانيا.
وبلغت نسبة من عدوا تحت خط الفقر فيها نحو 5.36 مليون من عدد سكانها، كما بلغت نسبة البطالة نحو5.5%، وبلغت نسبة الجريمة لكل 100 ألف من السكان نحو 5078 جريمة، سواء كانت جرائم عنف أو جرائم ممتلكات، وهناك دلالة أخلاقية واضحة عن طبيعة المجتمع الأميركي متعدد الأعراق والأجناس، نجدها في دراسة أعدتها جامعة ساوث كارولينا عام 1993 عن اغتصاب النساء في الولايات المتحدة، حيث تبين انه قد اغتصب في ذلك العام وحده 1.12 مليون امرأة بالغة".
وتشير التقارير إلى انه وللمرة الأولى في عشر سنين ترتفع جرائم العنف والاعتداء على الممتلكات في الولايات المتحدة إذ بلغت في العام الماضي وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي نسبة 2,1% مقارنة مع العام 2000، وتعود الزيادة في جانب منها وفق المحللين إلى الركود الاقتصادي وآثار الهجمات التي شنت بطائرات ركاب مخطوفة على الولايات المتحدة في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر من العام الماضي.
ويقول جيمس آلان فوكس أستاذ القانون الجنائي بجامعة (نورث ايسترن) إن اللوم يقع على الركود الاقتصادي "فالموقف قد يزداد سوءاً بخاصة في ضوء الإجراءات التي اتخذتها السلطات المحلية والاتحادية لتنفيذ القانون في ما يتعلق بخفض المخصصات المالية والتركيز بشكل اكبر على مكافحة الإرهاب"، ويقول القس جيسي جاكسون "الوظائف الجيدة تصدّر إلى الخارج ومعدلات البطالة في ازدياد".
ذلك يحيلنا إلى أخطر مشاكل الداخل الأميركي وهي الديون، فالولايات المتحدة وفق أكثر التقارير والتحليلات تفاؤلا مفلسة ولا تستطيع السلطات الفيدرالية إقراضها ما يكفي من المال، ويتحدث آلن غرينسبان رئيس مصرف الاحتياطي الفدرالي الاميركي عن سك مزيد من الأوراق النقدية لإبقاء عجلة الأمور دائرة (بما أن معدلات الفائدة قد خفضت إلى الصفر)، كما أرهقت التكاليف المتعاظمة لحرب شاملة متعاظمة على الإرهاب الميزانية الفيدرالية، ويراهن الخصوم الديمقراطيون على أن أرقام الجمهوريين لن تحقق الأهداف المرجوة، وهو ما يستخدمه الديمقراطيون كورقة ضاغطة في الانتخابات الرئاسية.
ومن المنتظر أن يبلغ عجز الموازنة الأميركية رقما قياسيا هذا العام، وهو 521 مليار دولار، بسبب خطط الإنفاق التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش من جهة، وقيامها بإجراء تخفيضات ضريبية من جهة أخرى، وقد حذر غرينسبان في شهادته أمام لجنة الموازنة بالكونغرس من تزايد عجز الموازنة الأميركية، وحث أعضاء الكونغرس على تخفيض الإنفاق العام، محذرا من أن يتضخم عجز الموازنة في السنوات القادمة بسبب تزايد الإنفاق على معاشات التقاعد والرعاية الطبية.
وقد ذكر المراقبون إن استمرار ارتفاع نسبة البطالة سيدفع بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي إلى الإبقاء على سعر الفائدة منخفضا للتشجيع على الاقتراض والاستثمار، وهو ما تحقق فعلا أواخر عام 2003، وهو ما دفع بوش إلى التعهد بتخفيض العجز الهائل في الموازنة الأمريكية إلى النصف في عام 2009، لكن بوش يواجه انتقادات عنيفة من جانب الديمقراطيين الذين يقولون انه بدد فائض الموازنة الذي تركه الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ويرون أن تخفيض الضرائب في الوقت الذي يشهد زيادة بمقدار 7% في الإنفاق العسكري يعتبر سياسة غير مسؤولة.
تحذير غرينسبان امتد إلى السنوات القادمة التي ستشهد زيادة كبيرة في أصحاب المعاشات، وستبدأ موجة من هذه الزيادة في عام 2008، كما يقول، فهناك حالة من عدم الوضوح بشأن قدرة الموارد المالية العامة على سداد المستحقات لأصحاب المعاشات في السنوات القادمة، وان هذه الحالة تتزايد، وينتظر أن تعيش الأجيال القادمة من أصحاب المعاشات سنوات أطول، الأمر الذي يزيد من تكلفة برامج المعاشات وبرامج الرعاية الطبية.
وترتفع في الوقت الحالي تكلفة برامج الرعاية الطبية التي تقدمها الدولة للمسنين بشكل سريع، خاصة بعد أن قرر الكونغرس تمديد هذه البرامج بمنح معونة لشراء الأدوية ينتظر أن تبلغ تكلفتها 535 مليار دولار خلال السنوات الست القادمة.
من جانب آخر تشكل البطالة مشكلة كبيرة فقد أوضحت أرقام أداء الاقتصاد الأميركي في شهر تشرين الثاني/نوفمبر إن نسبة البطالة لا تزال مرتفعة، إذ بلغت 9,5% من إجمالي قوة العمل،وساهمت أرقام البطالة المرتفعة في الولايات المتحدة في انخفاض سعر صرف الدولار تجاه اليورو في الأسواق الدولية، ويطلق الاقتصاديون على هذه الظاهرة (النمو بلا توظف) وهي تمثل وضعا استثنائيا للوضع المعتاد، وهو زيادة الوظائف مع زيادة النمو.
وبشكل عام من المفترض أن تصاحب زيادة النمو ارتفاع في مستوى التوظف، إلا أن هذا لم يحدث في الولايات المتحدة كما يقول انتوني كرايداكس رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية في بنك (كابيتال وان).
وتذكر الدراسات أنه مع وصول بوش إلى سدة الرئاسة انهارت أسهم الشركات بشكل كبير كما لم تتفاءل به الأسواق الأميركية كرئيس للبلاد فانخفضت اسهم الشركات التكنولوجية إلى النصف تقريباً خلال الأشهر الأولى من حكمه، إلى أن جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر التي تسبّبت بخسارة البورصة.
وخاصة أسهم النازداك (Nasdaq) أكثر من ألف مليار دولار خلال فترة قصيرة وسببت الخسائر في الأسهم عجزاً لكل ولاية من الولايات الخمسين، فكان عجز كاليفورنيا 30 مليار دولار لسنة 2003 وعجز ولاية نيويورك 9 مليارات دولار وقد اضطرت الحكومة الفدرالية لاقتراض 500 مليار دولار من السوق لتغطية العجز الاقتصادي، كما انخفض الاستثمار المباشر من قبل المستثمرين الأجانب إلى 30 مليار دولار عام 2002 بعد أن كان 63,335 مليار دولار عام 2000 حسب الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة الاقتصاد الأميركية.
وفي تقارير عن تزايد حالات الفقر في أميركا نجد أن 34 مليون أميركي يعيشون دون مستوى الفقر ويولد كل 43 ثانية طفل من أسرة فقيرة ويموت كل 53 دقيقة طفل أميركي بسبب الفقر، كما يوجد عشرة ملايين مسنّ بلا تغطية للدواء.
من المشاكل الأخرى التي يواجهها المجتمع الأميركي في ظل إدارة بوش هي هوس التسلح، وأحد أبرز آثاره الجانبية جرائم المدارس، حيث سجلت عشرات الحوادث التي قام بها أطفال مدارس بقتل رفاقهم، في حوادث قتل جماعية.
الداخل الأميركي إذن يغلي بالمشاكل والأزمات ولعل أكثرها تعميقا لتصاعد المعارضة ضد بوش وإدارته هي تلك المتعلقة بسيطرة الحزب الجمهوري المطلقة على الكونغرس لدرجة أن هذه المؤسسة الصعبة المراس باتت خاضعة تماما، وصار واضحا أن من يدير الأمور هم (بل ترنت لوت وميتش ماكونيل وديني هاسترت وتوم ديلاي).
وهؤلاء كما هو معروف يسمون بمفاتيح (ايباك)، كما أن عدم القبض على أسامة بن لادن تزيد من الشعور بعدم الاطمئنان وبإلحاح السؤال الذي صار أكبر معضلة أما بوش وإدارته والمتعلق بعمق الحقد الذي يواجهه الأميركيون في العالم ن ويكمن أكبر خطر سياسي يواجهه الرئيس- ولا يبارح تفكير طوال النهار-في اعتداء جديد لـ"القاعدة" في الداخل الأميركي، الذي يخفي من الأزمات أكثر مما يطفو على السطح تماماً.