ما بين وثيقة تل أبيب وتقرير لارسن تنبعث رائحة المؤامرة

بقلم: جميل حامد/صحفي وكاتب فلسطيني

التوقيت الذي اختاره "مبعوث الأمين العام للشرق الاوسط" تيري رود لارسن لتقريره المسموم أمام مجلس الأمن الدولي أتى متزامنا مع الكشف عن وثيقة لكبار قادة الجيش "الاسرائيلي" تحمل نفس مضامين تقرير لارسن مما يشير إلى أن هذا التزامن ليس وليد صدفة ولا يمكن التعامل مع المسالتين كتوجهين مختلفين أو منفصلين فكلاهما حمل نفس العنوان وكلاهما حذر من المرحلة القادمة وكلاهما ألقى بمسؤولية فشل جهود التسوية على الرئيس الفلسطيني.

ففي الوقت الذي كان تيري رود لارسن يدلي بتقريره حول جهود التسوية أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي على الجانب الآخر كشفت وسائل الإعلام "الاسرائيلية" عن وثيقة لكبار قادة جيش الاحتلال تحمل ذات المضامين التي عبر عنها تقرير لارسن في مجلس الأمن.

الوثيقة العسكرية التي اشرف على صياغتها قادة وخبراء وجنرالات وممثلين عن وزارة الدفاع "الاسرائيلية" وهيئة أركان الاحتلال وأجهزتها الاستخبارية بالتنسيق مع المستوى السياسي في الكيان العبري تتمحور حول الآثار التي قد تترتب على رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وانعكاساتها على المستويين الداخلي والدولي إضافة إلى تعرضها إلى سيناريوهات الاحتلال الثلاث للخلاص من الزعيم الفلسطيني ومن ضمنها اغتياله بل إن الوثيقة تعدت سيناريو الاغتيال والقتل إلى البحث في مكان دفن الرمز الفلسطيني وما قد ينعكس على محاولة الفلسطينيين دفنه في القدس المحتلة وهو الذي طالما رفع شعار الشهادة في سبيل القدس كعاصمة تاريخية للفلسطينيين.

بالنظر إلى ما تضمنته الوثيقة من تخوفات "اسرائيلية" لمرحلة ما بعد عرفات وانعكاس رحيله على الشارع الفلسطيني نتوقف عند ما تضمنه السيناريو الذي يؤكد الرابط بين تقرير لارسن وما تضمنه ضد الفلسطينيين وعلى رأسهم رمز القيادة وبين الإعلان عن الوثيقة العسكرية "الاسرائيلية" التي أشارت بشكل واضح إلى إمكانيات تدخل دولي في الأراضي الفلسطينية اذا ما انهارت الظروف الأمنية وأدى رحيل أبو عمار إلى انتفاضة جديدة تستدعي تدخلا دوليا لاحتوائها.

لا بد من الإشارة إلى أن إرسال قوات دولية وضرورة تدخل المجتمع الدولي في إنهاء الصراع بين الفلسطينيين و"الاسرائيليين" يعتبر أحد المرتكزات السياسية التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية في مواجهة التصعيدات "الاسرائيلية" المتتالية واجتياحاتها غير المبررة للمدن الفلسطينية والذي يفترض أن يكون مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة أحد الشواهد الرئيسية عليها.

ولا بد من الإشارة أيضا إلى أن موظفي الأمم المتحدة وعلى رأسهم بيتر هانسن "مفوض وكالة الغوث الدولية" التابعة للأمم المتحدة التي يمثلها كوفي عنان نفسه لا يتحركون داخل الأراضي الفلسطينية وبين المدن إلا بتصريح وإذن من الإدارة المدنية التي تعود في مرجعيتها إلى ما يعرف بقيادة المنطقة الوسطى في الجيش "الاسرائيلي".

السيد لارسن الذي يعيدنا بالذاكرة إلى التاريخ الأسود لرئيس هيئة التفتيش الدولية عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق إبان لجنة (انموفيك) وما تكشف عن علاقته بـ"الموساد الاسرائيلي" وأجهزة صنع القرار في دولة الاحتلال الصهيوني خطى على ذات الدرب الذي يؤكد دون أن يدع مجالا للشك بأن هيئة الأمم المتحدة مؤسسة صهيونية قلبا وقالبا وأنها ليست أكثر من فقاسة لتفريخ الجواسيس الأمميين.

حقيقة إن الدور الذي قام به تيري رود لارسن جاء أولا لإجهاض قرار محكمة العدل الدولية بخصوص جدار الفصل العنصري ومنح الاحتلال حصانة دولية بتوجيه بوصلة الاهتمام العالمي إلى قضايا تدميرية لن تطال ياسر عرفات وحدة بقدر لحرقها "منطقة الشرق الاوسط" برمته وتوفير المناخ المناسب لكافة الجهات التي تعبث بالشأن الفلسطيني ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين من خلال تبنيها لجهود أمنية صرفة لضمان ما يسمونه الأمن "الاسرائيلي".

إن الترويج لقتل الزعيم الفلسطيني عالميا وبين أروقة مجلس الأمن ومن خلال مبعوثي مجلس الأمن الذراع التنفيذي للأمم المتحدة يعد عارا أخلاقيا وإنسانيا وقيميا وحضاريا لن يخلف وراءه سوى وثائق "اسرائيلية" تحذر من انتفاضات وثورات فلسطينية جديدة من جهة وسيدعم منطق القائلين بان منظمة الأمم المتحدة ليست اكثر من شركة خدماتية عامة وتعمل بنظام الملكية الفكرية والصناعية تحت إدارة منتدبة من الحركة الصهيونية العالمية والكنيسة المتصهينة في أمريكا.

هنا يأتي الرابط الأكثر وضوحا لدور الأمم المتحدة في تقويض الرأي القانوني لمحكمة لاهاي فيما يتعلق بالجدار وإخراج "اسرائيل" من مأزق الإحراج الذي ستسببه للسياسة الأمريكية وللرئيس الأمريكي شخصيا الذي يقترب من موعد الانتخابات عبر استخدامه "الفيتو" في أي تصويت ضد الجدار الفاصل الأمر الذي سيفقده آلاف الأصوات العربية في مختلف الولايات الأمريكية.

إن الترويج لاغتيال أبو عمار وتحميله فشل ما يدعى بالجهود المصرية الهادفة إلى دفع الإصلاحات داخل السلطة الفلسطينية قدما ليس اكثر من التغطية على الجريمة التي ترتكبها الأمم المتحدة عبر تيري رود لارسن بالتنسيق مع الأجهزة الاستخبارية "الاسرائيلية" بحكم أن مستوى المسؤول الاممي لا يعدو كونه مندوبا يؤدي دورا أنيط به من سكرتاريا الأمم المتحدة للبحث في السيناريوهات "الاسرائيلية" وإمكانيات تنفيذها على الواقع الفلسطيني.

فالحديث عن تدريب كوادر أمنية وتطوير الأجهزة الأمنية الفلسطينية عبر جهات إقليمية مختلفة مرتبط تماما بالوثيقة الاحتلالية التي تشير إلى إمكانيات تدخل قوات دولية لحفظ الأمن والسلام في الأراضي الفلسطينية في حال اندلاع مواجهات عنيفة مع الاحتلال "الاسرائيلي" انتقاما للرمز التاريخي للشعب الفلسطيني ومرتبط بالتحريض الذي تمارسه المنظمة الدولية ضد الرئيس عرفات والشعب الفلسطيني بأكمله وما يرافق ذلك من تمهيد السبل لدخول قوى عربية في قطاع غزة والضفة الغربية بالإضافة إلى نشر قوات أجنبية في القدس المحتلة او مندوبين من الأمم المتحدة في خطوة لإنهاء قضية القدس من خلال تدويل الجزء الشرقي منها واتباعه مدنيا لإدارة خارجية تتولى الإشراف على الأجهزة والمؤسسات الفلسطينية التي يفترض أن تنضوي ضمن الرؤيا القادمة لحل الصراع ما بعد الخلاص من أبو عمار وبالتالي إغلاق ملف القدس نهائيا.

من هنا فإن دور المبعوث الخاص للامين العام للأمم المتحدة تمحور على مدى سنوات انتدابه بين رام الله واريحا وعمان والقاهرة وواشنطن حسب الفرضيات القائلة بان المبعوث الأممي مقاطع "اسرائيليا" بدعوى تمرده على التهديد الشاروني بمقاطعة كافة المسؤولين الدوليين الذين يلتقون بالرئيس الفلسطيني المحاصر في مقر المقاطعة في رام الله منذ اكثر من عامين وهنا ارتكب الفلسطينيون خطأ آخر عندما اعتقدوا بأن رود لارسن ينطلق من المباديء والشعارات التي قامت عليها عصبة الأمم قبل أن تتحول إلى هيئة الأمم.

نحن بصدد سولانا آخر ذلك العراب الأوروبي الذي بصق في الصحن الذي طالما أكل منه في مقر المقاطعة عندما تحول من منسق للسياسة الخارجية لدول الاتحاد الأوروبي إلى عراب للسياسة الأمريكية وشاهدا على ابن الحرام الذي حملت به السياسة الأوروبية في واشنطن وأنجبته في تل أبيب أو العكس.