"لببنة" العراق لتدويم الاحتلال؟

د. عصام نعمان *

فقدت الولايات المتحدة ذرائعها لغزو العراق. ذلك أن لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ توصلت إلى أن الأسباب الرئيسة للحرب على العراق، ومنها أن نظام صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، كانت خاطئة ومبنية على تقارير غير صحيحة ومبالغ فيها وضعتها أجهزة الاستخبارات.

السناتور الديمقراطي الواسع النفوذ وعضو لجنة الاستخبارات (كارل ليفن) اتهم إدارة الرئيس بوش بمواصلة إعطاء الانطباع بوجود رابط بين تنظيم "القاعدة" والنظام العراقي "السابق" على رغم إخفاق وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي أي" في تقديم دليل ملموس في هذا المجال. (ليفن) أشار أيضا إلى أن "إدارة بوش وليس الوكالة هي التي ضخّمت تعاون "القاعدة" مع نظام صدام لتبرير شن الحرب".

جورج بوش أقرّ بعدم العثور على أسلحة دمار شامل. لكنه استمر في المكابرة بقوله: "كنّا على صواب بذهابنا إلى العراق". لماذا؟ الجواب: "أطحنا عدوا معلنا لأميركا  كانت لديه القدرة على إنتاج أسلحة قتل شامل وعلى نقل هذه القدرة إلى إرهابيين".

إنها ذريعة قديمة – جديدة، لتبرير شن الحرب يقدّمها بوش بعد انكشاف ذرائعه السابقة. غير أن أهم ما تنطوي عليه تلك الذريعة هي محاكمة النيات. الارتياب وحده يكفي، في عرف بوش، لغزو بلد آخر وتدمير عمرانه وتقتيل سكانه، واحتلال أرضه.

حتى الارتياب بحاكم أو نظام لشن الحرب وتدويم الاحتلال يبدو أنه لا يكفي، أحياناً ، بدليل أن مصدراً في وزارة الدفاع العراقية أورد معلومات (نشرتها صحيفة صديقة للسعودية) مفادها أن وحدات من ميليشيا "البشمركة" تتدفق على العاصمة والموصل وكركوك لـ ِ"المساهمة في تعزيز العملية الأمنية في وجه تصاعد العمليات الإرهابية".

أضاف المصدر المذكور إن "مصلحة الأكراد الاستراتيجية تكمن في تقوية وجودهم العسكري في بغداد  وفي المناطق "الحدودية" (أي كركوك والموصل وبعقوبه!) لأسباب أهمها أن يكونوا مستعدين دائما لإجهاض أية محاولة سياسية معادية للمشروع الإقليمي الكردي في العراق".

مسؤولون في الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني) نفوا وجود قوات لـِ "البشمركة" في بغداد. غير أن "الحكومة المؤقتة" لم تتبرع بنفي موازٍ الأمر الذي أضفى على المعلومات المتداولة شيئا من الصدقية.

يتردد في بغداد أيضا إن تدفق قوات "البشمركة" إلى العاصمة جاء بعد إعلان حكومة إياد علاوي "إستراتيجيتها الأمنية"  لمكافحة "الإرهاب"!. فقد نُسب إلى مسؤول في (الاتحاد الوطني الكردستاني) قوله إن القيادة الكردية تؤيد إرسال قوات "البشمركة" إلى بغداد، "إذا كان ذلك ضروريا لدعم السياسة الأمنية للحكومة المؤقتة، لأنه من المهم أن لا نؤخذ على حين غفلة إذا ظهر نظام حكم مركزي يعاود اضطهاد الأكراد"!.

مصادر أخرى نسبت إلى "نائب رئيس الحكومة للشؤون الأمنية" برهم صالح – وهو مسؤول كردي بارز – وعداً بأن "تكون القوات الكردية النظامية على أهبة الاستعداد لمساندة أية خطط لضرب مناطق تشكّل بؤر عنف مثل الفلوجة وأبو غريب والرمادي وبعقوبة وتكريت"!.

هذا كلام خطير إذا ثبتت صحته.. ذلك أنه يفسح في المجال لحدوث صدامات مسلحة بين جمهور مؤيد للمقاومة في بغداد ومناطق ما يُسمى "المثلث السني"، وجمهور كردي في بعض أحياء بغداد وبعض المدن المختلطة في تركيبتها السكانية مؤيدٍ للحكومة المؤقتة.

لا أستغرب أن يكتنف هذه المعلومات المتداولة مقدار وفير من المبالغة، وحتى من الكذب، إذْ ليس من مصلحة الأكراد، كما سائر مكوّنات الشعب العراقي، "لبننة" الصراع على نحوٍ يجّر الفئات العراقية إلى حرب أهلية كالتي عانى منها لبنان سحابة خمس عشرة سنة. وليس من شك في أن مؤدى حرب أهلية محتملة تمزيق البلاد شعبا ومؤسسات، وتبرير تمديد إقامة الاحتلال الأميركي في ربوعها.

وحدها الولايات المتحدة لها مصلحة في "لبننة" الصراع. فهي إذْ تبرر تدويم الاحتلال تسهم، فوق ذلك، في تحقيق غرضين خطيرين: تسهيل تقسيم العراق لتأمين السيطرة على ثروته النفطية، إنتاجا واحتياطا، ومساعدة "إسرائيل" على إقامة ما تسميه "حدوداً آمنة"، وهي عبارة عن جمهوريات موز قميئة مبنية على أسس إثنية وقبلية ومذهبية يُراد نشرها على امتداد بلاد الشام وبلاد الرافدين.

في هذا الإطار، يمكن تفسير دافع أميركا إلى مباشرة محاكمة صدام حسين.. ذلك أن المحاكمة أفضت وستفضي باطراد إلى تأجيج العصبيات والانقسامات وإيجاد الذرائع اللازمة لتقسيم البلاد.

أليس مفجعا عن يتلهّى الناس عن مقاومة الاحتلال بالانقسام إلى مؤيدين لصدام ومعارضين له، بل إلى مطالبين بعودته إلى السلطة من جهة ورافضين ذلك، من جهة أخرى، حتى حدود التهديد بقتل المحامين الذين يتبرعون بالدفاع عنه!

رغم كل المحاولات الخبيثة، أحبط وعي العراقيين فتنة مذهبية كان يُراد لهم أن ينزلقوا إليها. غير أن الرهان على الوعي وحده لا يكفي. ثمة حاجة عميقة وشاملة إلى عقد مؤتمر وطني جامع للقوى القومية والإسلامية واليسارية الحية من أجل التوافق على بناء جبهة وطنية وإقرار برنامج مرحلي لمقاومة الاحتلال وإنهائه وإعادة تأسيس الدولة على أسس الديمقراطية والعدالة وحكم القانون والإنماء المتوازن، وعودة العراق إلى الاضطلاع بدوره العربي.

- لا مسوّغ للتهاون في مقاومة الاحتلال، كما لا مسوّغ للدعوة إلى عودة "النظام السابق".

- لا مصلحة في اعتماد العنف الأعمى ضد المدنيين الأبرياء أو ضد المدنيين من المتعاونين مع الاحتلال لأنه يرتد على الشعب نفسه ويباعد بينه وبين المقاومة.

- لا مصلحة للأكراد في الرهان على سياسة جورج بوش في العراق والمنطقة لأن لا ضمانة لإعادة انتخابه. حتى لو فاز بولاية ثانية فإنه مضطر إلى التراجع عن بعض مواقفه وتدابيره الفجة بسبب الأذى الذي ألحقته بأميركا سياسيا واقتصاديا، لاسيما بإزاء حلفائها الأوروبيين وأصدقائها العرب.

- لا مصلحة للعرب في استعداء الكرد أو في إنكار حقوقهم ضمن عراق ديمقراطي موّحد لكل أبنائه.

- لا مصلحة للكويتيين في ممالئة الأميركيين على حساب العراقيين لأن الإخوة القومية والجيرة الجغرافية والمصالح المشتركة أبقى وأولى وأفعل.

هذه الدعوات تبقى مجرد أُمنيات ما لم تقترن بجهود صادقة وفاعلة، فكرية وعملية، لتغيير موازين الإرادات كسبيل لتغيير موازين القوى لمصلحة الشعب العراقي في مواجهة أعداء وحدته واستقلاله وديمقراطيته المنشودة ودوره العربي المرتجى.

التحديات كثيرة وكبيرة، فلا بد من أن تكون الاستجابات في حجمها لتغدو المواجهة محكومة بإرادة النصر.

* دكتور في القانون العام - محام بالاستئناف - وزير سابق للاتصالات - كاتب ومعلق سياسي (لبنان)