العراق وثمن الخروج من النفق

من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصّدام حسين

ابتداء من هذا العدد من المحرر ننشر على حلقات كتاب (العراق وثمن الخروج من النفق – من محمد علي باشا إلى عبد الناصر فصدام حسين) للباحث والكاتب الفلسطيني حمدان حمدان الذي يقيم في دمشق مع التقدير له على جهوده القيمة وشكر خاص لما يرسله لنا من مقالات وتحاليل وبحوث قيمة كما نتوجه بالتقدير والشكر لدار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام في بيروت التي سمحت لنا بنشر فصول هذا الكتاب في موقع المحرر.. لذلك نتمنى على كل من يريد أن يأخذ من هذا الكتاب أي موضوع أو مادة أن يشير إلى ذكر دار الناشر مع العلم أن الناشر (دار بيسان للنشر والتوزيع والإعلام) أكدت لنا خلال زيارتنا لهم في بيروت "أنه لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت "إلكترونية" أو "ميكانيكية" أو بالتصوير، أو خلاف ذلك، إلا بموافقة كتابية من الناشر) لذلك اقتضى التنويه..

 

الإهــداء

إلى فلوجة العراق

من جنين فلسطين

وشائـج قربـى

شراكـــة دم 

أنّــات ثكالى

يُـتم طفـولـة

وحبس دمـعـة

وخنق ألـــم

فـــــدىً

لوجه الكـبرياء

وعيون الحريـة

 

حمدان حمدان

 

الفصل الأول

لماذا يكرهوننا

مَن هو هذا السيناتور الضخم الذي يقترح حرباً مع دولة مجاورة لنـزاعٍ على مراعي الخنازير؟. ويأتيك الجواب على الفور: - إنه تاجر خنازير!..

في مقارنة غير حاذقة، بين أسباب صعود الإمبراطوريات وسقوطها في التاريخ، يطرح المفكر الأمريكي رونالد ستيل، أطروحة مقلوبة تقول (إن قرن أمريكا على النقيض من قرني الإمبراطوريتين الرومانية والبريطانية في التاريخ، ففي حين كانت روما ولندن، تسعيان بقوة الغزو، لتحقيق مصالحهما على حساب الشعوب، فإن شعوب العالم الفقيرة اليوم، هي التي تنهب ثروات أمريكا وتستنزف مواردها).

ومع هذا المقطع الذي يروم زيارة التاريخ، فإنه لا حاجة للتبرم من استدعاء الماضي، بصفته كتاباً مفتوحاً بين دفتي تاريخ قريب قياساً إلى تواريخ الشعوب الأخرى، فحضور التاريخ الأمريكي لا يحتاج إلى أركولوجيا أو آثار، أما التصوّر القائل بأسبقية الماضي لمعرفة الحاضر، فهو تصور تبسيطي، من حيث أن الرؤى التي يحملها الإنسان عن ماضيه، قد لا تكون بالضرورة هي الماضي ذاته، وأن الحاضر العياني هو الذي يُشكّل تأثيراً موضوعياً راجعاً لمعرفة الماضي الذي هو بصورةٍ ما، يتشكّل انطلاقاً من الحاضر، حيث يصطفي ما هو تاريخي في صيرورته، أي ما تطوّر من الماضي فأنتج حاضراً موصولاً به..

من هنا فإن الولايات المتحدة، التي لم تعش قديم التاريخ، بحيث أن ماضيها وحاضرها سواء بسواء (إذ تشكلت حكومتها الرسمية على يد جورج واشنطن في العام 1789)، لا تستطيع استخراج صكوك البراءة من حجر هيروغليفي أو لوحة سومرية أو رقٍّ بُطرسيّ فاتيكاني، كي (تضيع الحقيقة) في مجاهل تاريخ عريق وموغل، بل إن تاريخ أمريكا كلّه، لم يدخل متحفَ التاريخ بعد، وأن لوحة الماضي الأمريكية مفتوحة لكل ذي بصر نافذ، فمن جورج واشنطن إلى جورج بوش، ظلّت المهمة الأخلاقية! ماثلةً في كرنفالات الإبادة للأغيار الآخرين، وينصعقُ المرء لذاك النهم الأمريكي القيامي الذاهب لسفك دماء الشياطين من أبناء الشر، وهناك في تاريخ الأدب الأمريكي قراءات درامية تشي بساديّة الأوصاف الحادة للأعداء، إضافةً إلى الهاجس المرَضي لرؤية قيامة ما بعد التاريخ، أما الذهنية المأزقية التي خدّرت شرايين صُنّاع القرار في تاريخ أمريكا، فهي التي تشرعن لممارسة العنف الاستباقي حيث الإبادة عقاب من الله على أيدي مختاريه، وفي هذا المقام يقول المؤرخ الأمريكي مارتن مارتي واصفاً الأمريكيين: (إنهم مثل اليهود، مسكونون دائماً بهاجس الخطر الذي يهدد وجودهم وثرواتهم، فبالأمس يجيء خطر الاسلام سواء كأيدولوجيات أو هجرات). واستطراداً مع أطروحة المفكر الأمريكي ستيل، صاحب نظرية نهب الشعوب لثروات أمريكا، نتساءل، إذ مَنْ هي تلك الشعوب التي استنـزفت موارد أمريكا ونهبت ثرواتها؟ وهي المخبأة خلف أوسع محيطات العالم؟!..

أهي الشعوب الهندية التي كانت هي أصل أمريكا وتاريخها وجغرافيتها؟ وفي هذه الحالة مَنْ الذي نهب الآخر؟!..

إن السائح الأجنبي الذي يتزوّد بالدليل السياحي في مطار واشنطن، يظفر أول ما يظفر بصورة الرئيس واشنطن حيث النظرة الناعسة المتكسّرة والابتسامة الجوكندية الغامضة، وبعض المعلومات التاريخية فوق مقبرة تاريخ المدينة الملغي وعبارة تقول (أبهى عواصم العالم اليوم، كانت قد بُنبت فوق مجاهل مُستنقعيّة..) أما باقي الشرح فيقول: (إن جورج واشنطن الذي هو من الآباء العظام، هو الذي اختار موقع هذه المدينة فوق أرض عذراء على ضفاف نهر بوتومك..) (منير العكش كاتب يعيش في أمريكا) وبالطبع، ومثلما هي سياسات الإدارات الأمريكية عبر تواريخها، فإن الدليل السياحي لمدينة واشنطن، لا يروي في بلد لا يشكو من أوصاف الكمال، شيئاً عن شعب كونوي الهندي، الذي تمّتْ إبادته بصورة جماعية في العام 1623، تحت أديم هذه المدينة المُبجّلة، حيث سمّاها البيورتان من الأنغلو – ساكسون (واشنطن عاصمة "إسرائيل" الجديدة)، أما شعب كونوي فقد سمّوه شعب كنعان البائد، الذي تتطاير أشلاؤه أمام دوي الظفر، الذي يحرزه شعب الله المختار، وكان ذلك قبل أن يولد تيودور هرتزل بثلاثة قرون!..

إن الشعب الآخر الذي نهب ثروات أمريكا في أطروحة ستيل، لا بد أنه الشعب الزنجي، شعب العبودية والرق في تاريخ أمريكا الأبيض!. فمنذ حكومة واشنطن مروراً بالعام 1863 موعد إعلان الرئيس إبراهام لنكولن بلاغ تحرير العبيد، وانتهاء باغتيال لوثر كنغ الذي طالب بمبدأ المساواة بين البيض والسود، يكون الشعب الأسود قد عاش نصف تاريخ أمريكا في حياة العذاب والعبودية، ومع أن الكونغرس الأمريكي قام بتعديلات عديدة على فقرات الدستور، بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية، إلا أن المساواة المنشودة، لم تتحقق في أرض الواقع الاجتماعي الأمريكي، إلا بعد مرور ما يقرب من قرن على اغتيال لنكولن في نيسان من العام 1865، فشعارات المطاعم النيويوركية في الشمال والتكساسية في الجنوب، القاضية بمنع دخول الكلاب والزنوج.. إنما كانت تمثل ذروة الاستعلاء الأنغلو- ساكسوني الأبيض (W.A.S.B)، وحتى وقت قريب من ستينات القرن العشرين، ورغم (الديكورات) التي تتزيّن بها بعض الإدارات في منحها المناصب الكبرى للزنوج، إلا أن عقيدة الشعب المختار، لا تسمح أصلاً بالمساواة بين شعبين غير متساويين أساساً في خلق إله التوراة، فما يجول في قرارة اليقين هو شيء آخر، إذ يظل الزنجي على منصبه الكبير، يشعر بعدم النديّة، طالما أن المنصب كان منحة من الأبيض يسبغها عليه، وفي الحياة الاجتماعية يأخذ التباين بين الأبيض والأسود، شوطاً أكثر قتامة، فمُحرر العبيد نفسه، الرئيس لينكولن قال ذات مرة: (صحيح أنني أطلقت وثيقة تحرير العبيد.. إلا أن ذلك لا يعني أن أقترن بزنجيّة!..).

لقد تواضعت الإدارات النيوليبرالية، ما بعد رونالد ستيل، فتنازلت عن مقولة نهب الشعوب لثروات أمريكا.. وكان البديل في الفكرة الإبداعية القائلة بتمام التطابق بين أهداف العولمة الأمريكية وتطوراتها الخارقة، ومصالح البشرية جمعاء فوق كوكب الأرض، أما الذين يعترضون على فكرة التطابق هذه، فهم عصاة مردة ومتوحشون، وتصبح المهمة المقدسة، استئصال هؤلاء الإرهابيين بحرب صليبية مديدة ومتجددة، وذلك في سبيل خلق عالمِ لائق ومتمدّن، حرّ وديمقراطي لا شيّة عليه.

وفي سبيل خدمة هذه المهمة المقدسة، فإن التبادلية بين إرادة الله في السماء، وإرادة واشنطن على الأرض، تصبح واجبة بل ومُلزمة، وقبل أن نصل إلى أحداث أيلول/سبتمبر الأمريكية عام 2001، فإنه لا بد من فتح سجّل تاريخيّ موجز، علّه يحمل الجواب على السؤال الأمريكي: (لماذا يكرهوننا)؟!.

لقد مخَرَت سفينة الحرية الأمريكية عباب المحيطات المُطلّة على جهات الأرض الأربع، وكان في مجال هذه المهمة – بعد خروج أمريكا من هاجس الاحتماء خلف المحيطات – ما يكمّ الأفواه، إذ مع مآثر الهنود الحمر ومآسي الرقيق، وقبل نشوب الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، كانت أمريكا تقتطع من المكسيك بقوة السلاح، أكبر ولايات المناطق الجنوبية في أمريكا (تكساس) وفي العام 1912، اقتطعت في عهد الرئيس وليم تافت من المكسيك أيضاً، ولايتي نيومكسيكو وأريزونا وقد أعلن الرئيس تافت في غمرة اقتطاع الولايتين المذكورتين: (إن من واجبي أن أحمي شعبنا وممتلكاته في المكسيك، إلى أن تفهم الحكومة المكسيكية أن هناك ربّاً في "إسرائيل" ومن الواجب إطاعته) ولا يغربن عن البال، أن الخطاب الرسمي الأمريكي غالباً ما كان يتضمّن تعبير ربّ "إسرائيل" الجديدة، أي ربّ الولايات المتحدة نفسها!..

وعلى طريق التمدّن والديمقراطية، تابعت سفينة الحرية الأمريكية ناشرةً أشرعتها باتجاه بورتوريكو والفلبين وكوبا وكلها كانت تحت السيادة البحرية الأسبانية، ثم إلى جزيرة اسبانيولا التي هي اليوم، تاهيتي وجمهورية الدومينكان، وتحت مبدأ الدومينيون أطلق الرئيس العجوز جون كوينسي آدامز (جمهوري) العنان لما سيُسمّى بمبدأ مونرو، وأن القارة الأمريكية الجديدة للأمريكيين، وأن القارة القديمة للأوروبيين، وأنه لا شيء يقف في وجه التجارة وفتح الأسواق... وقد لخصّ وزير خارجية الرئيس وودرو ويلسون السيد روبرت لانسنغ مبدأ مونرو بقوله: "في دفاعها عن مبدأ مونرو، فإن الولايات المتحدة لا تدافع إلا عن مصالحها الخاصة فقط، أما إنصاف الأمم الأمريكية الأخرى فهو مسألة نافلة، وليس غاية في حد ذاتها، وبقدر ما يبدو هذا المضمون مبنياً بشكل فريد على الأنانيّة، فإنّ واضع هذا المبدأ، ليس لديه دافعاً أسمى كي يقدّمه"، وعندما سئل الرئيس ولسون عما يقوله وزير خارجيته أجاب: "لا شك أن تصريح السيد لانسنغ يُعتبر بمثابة سوء تصرّف سياسي، لكن حيثيات تصريحه صحيحة ولا يمكن أن تُهاجَم..".

وفي زمنٍ أقرب إلينا، خرجت أساطيل الحرية الأمريكية كي ترث الاستعماريَن الغاربين، بريطانيا وفرنسا، بعد أن أنهكت الحرب العالمية الثانية قواها المتذابحة، ففي غمرة مجزرة كونية آلت إلى خمسة وخمسين مليوناً من الضحايا، حيث المأساة المذهلة تُقدّم بحساب الدولار، لا الإنسانية، أو بحساب المجالات الحيوية التي تم قضمها من أراضي الغير، فإن أول ما قدمته الولايات المتحدة، بعد قصفها النووي لليابان، (علماً بأن إدارة ترومان كانت على علم مسبق بنيّة اليابان على استلام جاهز ووشيك)، هو إنذار نووي لحليف الأمس خصيم اليوم، الاتحاد السوفييتي، فمن ذهنية المأزق الاستباقي، تصور الرئيس ترومان، أن جوزيف ستالين في تخطيطه لغزو أفغانستان، إنما يريد الاقتراب من المياه الدافئة، أي من القوس الذهبي النفطي، الذي وطّنت أمريكا نفسها على وراثته العائلية، من امبراطورية بدأت الشمس تغرب عن قرنها، وقد تصادف أنه في عهد الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي انتخب لثلاث دورات رئاسية، 1933 – 1945، خلافاً للقانون الأمريكي الذي لا يسمح للرئيس أن يخدم أكثر من دورتين، وهو الرئيس الذي أخلى المكان لرئاسة ترومانية اعترفت "بإسرائيل" بعد دقائق من قيامها، وهي نية مسبقة لانحياز علني وصريح..

واستتباعاً نقول، لقد تصادف أن الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم وامتدت من العام 1929 إلى العام 1933، كانت قد أصابت العالم العربي بنوائبها، وفي مثل هذا الجو من الإملاق العالمي، كانت الولايات المتحدة ترمي شباكها باتجاه الجزيرة العربية وفلسطين، إذ مقابل مئة ألف دولار كقرضٍ لعبد العزيز بن سعود، وضعت شركة استاندرد أوف أويل كومباني أوف كاليفورنيا يدها على أراضٍ مساحتها 932 ألف كيلومتر مربع لاستثمار البترول لمدة 66 عاماً، ثم باعت 50 بالمئة من هذا الاستثمار إلى شقيقتها النفطية، تكساس أويل كومباني، لقاء 21 مليون دولار في العام 1936، وهذا معناه أن مئة ألف دولار قيمة القرض المنوه عنه أعلاه، قد تحولت في غضون ثلاث سنوات فقط إلى عشرات الملايين لنصف الاستثمار، ثم كرَّت السُبّحة باتجاه الشركات الصناعية الأمريكية المتخصصة بالسيارات وقطع الغيار والإطارات ومدّ الطرقات والمحطات والأنابيب والمطارات واحتكار استخراج الذهب من منطقة مكة المكرمة وهكذا إلى العام 1939 موعد الاتفاقية التكميلية الأمريكية مع حكومة ابن سعود، حين منحت الاتفاقية الجديدة مساحة إضافية تبلغ 207.2 ألف كيلومتراً مربعاً ولمدة 66 عاماً بغرض استثمار النفط، كي تصبح المساحة الإجمالية للامتيازات النفطية الأمريكية تعادل نصف مساحة المملكة بالكامل، ومع هذا المدخل الامبريالي – الاحتكاري إلى عالم النفط العربي، كانت تتصاعد في الوقت نفسه، حمّى خرافات توراتية وقيامية، تقول بواجب دعم اليهود، لفتح الطريق من أجل العودة إلى أرض الميعاد، وقد اندمج هذا الواجب المقدس، بالقرار الأمريكي السياسي، الذي يَمتحُ من جذور مذهبية موازية، فقد مَضَت مسيرة طويلة منذ جورج واشنطن، وأمريكا تغوص في تهويمات العهد القديم، وكان من الواضح، أن حبلاً من مسد القرارات والمواقف، ظل يتطاول في غلوّه الاعتقادي، من أن فلسطين هي أرض الميعاد لشعب اليهود، علماً بأنه لم يكن ثمة ميعاد أو شعب يهودي واحد (حيث النموذج في يهود الخزر!..) وأن كل شعب في العالم، كان قد تلقّى ميعاده الخاص!.. وفي هذا المقام، لينظر المرء إلى ما تفوّه به الرئيس الأمريكي ترومان حين صُبّت عليه المدائح في معهد لاهوتي يهودي، كونه أول رئيس عالمي يعترف بوجود "إسرائيل" بعد دقائق، فعندما قدّمه عريف الحفل إيدي جاكسون على أنه الرئيس الذي ساعَدَ على خلق "إسرائيل"، أجاب ترومان وعيناه تلمع خلف نظارته: (ماذا تعني بقولك "ساعد على خلق "إسرائيل"" إنني قورش أيها الرجل، وهل ينسى أحد أن قورش هو الملك الفارسي الذي أعاد اليهود من منفاهم المزري في بابل، إلى أرض أجدادهم في أورشليم)!..

لا سبيل إلى سرد التاريخ التسجيلي أو التفصيلي للعلاقة المزدوجة والمتقابلة، بين أمريكا و"إسرائيل"، ثم بين أمريكا والعرب، فآخر موقف أمريكي صفّق له العرب، كان موقف الرئيس دوايت أيزنهاور، حين ندّد بالعدوان الثلاثي على مصر (1956)، ثم أنذر بوجوب رحيل المعتدين بمن فيهم "إسرائيل" عن أرض مصر، ولعلّ ذلك الموقف كان إشارة فارقة لحضور مراسيم استلام صكّ الوراثة العالمية من استعمار آفل لصالح استعمار طالع، فمبدأ أيزنهاور في ضرورة ملء الفراغ الناجم عن رحيل الاستعماريين القدامى من المنطقة العربية، كان يشي بفتح الأبواب أمام قوة كبرى باتت الأولى في عالمٍ كانت الحروب قد مزقته..

لم يكن السوفييت، رغم كونهم القوة الكبرى الموازية في عالم أيزنهاور، يحلمون رغم إنذارهم لقوى العدوان الثلاثي، أن يطأوا الأراضي التي تطل على المياه الدافئة، وفي الوقت المستقطع، تمهيداً لنضوج الظروف والشروط الآيلة لثورة تحررية كبرى، ظلّ الاتحاد السوفييتي يلعب في دائرة العرب غير النفطية، سورية، فلسطين، مصر، اليمن، السودان.. وبصورة اقل، العراق، ليبيا، وتبعاً للمصالح العالمية لا غيرها، كان من الطبيعي أن تقف أنظمة وطنية (لحظّها العاثر باتت شمولية بالعدوى) إلى جانب دول الاشتراكية والشيوعية، أو دول عدم الانحياز التي كانت تراها أمريكا بأنها الاحتياطي المقبل للاصطفاف إلى جانب الأممية العالمية، أما النصف الآخر من أنظمة العرب النفطية، الذي يدين في قرارة نفسه، بمنشئه ووجوده للصانع الأمريكي، فقد واظب على التمسك برزايا السياسات الأمريكية، رغم علانية موقفها العدائي المَرَضي، للعرب كأمة، والإسلام كدين، والدول كنظُم، والمجتمعات كنسق حضارة وتراث..

يقول هنري كابوت لودج وهو سيناتور جمهوري معروف، كان يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، يقول في معرض دفاعه المستميت عن "وعد بلفور": "إن الشعب اليهودي يرغب في أن يكون له وطن قومي في البلاد التي كانت مَهْدَ أجداده لآلاف السنين، إنه على حق فيما يطالب فيه، كما أنني إضافة إلى ذلك، لا أحتمل فكرة وقوع أورشليم في أيدي المحمديّين".. (من خطاب له في مدينة بوسطن 26 أيار/مايو 1922).

وبالفعل فقد سبَق لبلفور نفسه، أن علّق ساخراً على هرولة الرئيس الأمريكي ولسون للاعتراف بوعده قائلاً: "يصعب علي أن أفهم، كيف يوفق الرئيس ولسون بين تأييده للحركة الصهيونية التي تريد أن تحل محل شعب آخر، وبين مبدئه في إطلاق حق تقرير المصير!..".

***

لم يأبه الأمريكيون للاحراجات الشديدة التي يتسببون بها لحلفائهم في النظام الرسمي العربي، بسبب موقفهم الداعم لـ"إسرائيل" والمعادي للقضية العربية، فعلى مدى خمسين عاماً وما يزيد، قدمت أمريكا من صنوف الأسلحة والعتاد، ومن قروض مجدولة ومعونات شاملة، ما لم تقدّمه لولاية أمريكية بذاتها، حتى أن "إسرائيل" باتت في العُرف الشعبي العربي، أهم ولاية من ولايات أمريكا تحظى بالدلال، وعلى الصعيد السياسي، منذ "وعد بلفور"، إلى مراحل إطلاق الهجرة اليهودية العالمية إلى أرض فلسطين، ثم من قرار التقسيم، إلى الدعم المالي لبناء المستعمرات اليهودية.. فإن المواقف الأمريكية كانت تزداد غلواً سنة بعد أخرى، وعلى الطرف الآخر من الدبلوماسية الأمريكية في مجالات الشرعية الدولية، كان "الفيتو" الأمريكي جاهزاً في كل مرة، للحيلولة دون إدانة "إسرائيل"، رغم مئات الارتباطات العدوانية عبر الحدود، وضد سكان الداخل من أهل فلسطين، أما الحروب التي ظفرت بها "إسرائيل" ضد الجيوش العربية، فكلها كانت بفضل الجسور الأمريكية التي لا تنقطع، وهذه الجسور لم تكن ذات طبيعة عسكرية فحسب، ولا هي ذات منافع مالية واقتصادية أو إنشائية صناعية وزراعية فقط، بل ذات دعم استراتيجي ودبلوماسي وإعلامي، مفتوح دون سقف، وقد يرى التاريخ السياسي الأمريكي، اختلافات بين حزبي الإدارة الرئيسيين، إلا في الموقف من "إسرائيل"، فإذا أسرف حزب ما في تأييده لـ"إسرائيل"، كان الحزب الثاني له بالمرصاد ليعلو فوقه، وفي الحملات الانتخابية الرئاسية، بل وفي مواعيد ما قبلها، يتبارى الحزبان في تقديم فروض الموالاة لـ"إسرائيل"، حتى دون الاعتبار لمصالح الولايات المتحدة في منطقة كلها من العرب، ذلك أنه جرياً على العادة، فقد أَلِفَ الأمريكيون من الحكام العرب وداعةً قلّ نظيرها، وأن (الآباء) الأمريكيين مهما فعلوا، فإنهم يظلّوا أولياء نعمة، وأن المقولة القديمة القائلة، بأن "إسرائيل" هي حارسة المصالح الغربية، بان خطلُها، من حيث أن "إسرائيل" نفسها، من ضمن هذه المصالح الكبرى، وأن الولايات المتحدة هي حارس "إسرائيل" وداعمها ومعززها، منذ نشأتها وحتى يومنا هذا..

لقد كان في لُغز المواقف الأمريكية حيال "إسرائيل"، ما يبعث على الدهشة حقاً، فمصالح أمريكا هي مع العرب وليست مع "إسرائيل"، فإذا كان الأمر كذلك، إذن ما الذي يدعو الولايات المتحدة للوقوف خارج مصالحها مع "إسرائيل" وضد العرب، وكان بالإمكان أن يستقيم هذا السؤال الاستغرابي، لو أن حكام العرب يحتضنون قضايا شعوبهم حقاً، لا مع قضايا عروشهم، بالمقابل فإن ما وراء المصالح (الأمريكية) يفسّره تواتر طقسي كنسي بروتستانتي متعاقب من الخَلف إلى السلَف دون توقف، وباستثناء الرئيس جون كيندي، فإن أحداً من رؤساء أمريكا، لا يؤمن بالإنجيل قدر إيمانه بالتوراة، وهو ما ينعكس سياسة خالصة لصالح "إسرائيل".. حتى كولن باول الذي لا يفترض أن يستقي مورده المذهبي من التوراة (باعتبارها عقيدة النخبة من بيض الأنغلو ساكسون)، فقد صرح في 25 أيلول 2003 بقوله (نحن دولة مسيحية يهودية) وبعد أن انتبه لما يقول (كوزير خارجية) استطرد باصطناع (ومتعددة الأعراق والأديان) وحتى مع هذا الاستطراد، كيف لباول أن يفسر لنا، علمانية الدولة تحت ظلال المسيحية اليهودية التي ظلّت الموجّه الأول للسياسة الخارجية الأمريكية!. سيقتفي جنرال بلباسه العسكري اسمه ويليام بويكن، أثر كولن باول، عندما يقول من خلال محطة إن بي سي الأمريكية يوم 15 تشرين الأول/أكتوبر 2003، بأن (إلهي هو إله حقيقي وإن إله ذاك المسلم الصومالي هو صنم) ثم يردف: (نحن في قيمنا المسيحية – اليهودية في حالة صراع دائم مع الشيطان!..).

لقد ارتفعت المسارات الأمريكية – "الإسرائيلية" من درجة التحالف إلى درجة الشراكة، فالتماثل قائم في كل شيء، من لغة استخدام القوة، إلى تدمير العباد والبلاد، إلى (تلبيس) الإرهاب لكل مقاومة وطنية، إلى إلغاء دور الدبلوماسية لصالح تهديد المدفع.. ثم إلى ازدراء أي دور لمؤسسات الأمم المتحدة، وكلها سياسات مرسومة ومبيّتة، ووفق هذا التبيّت المنكر، والذي يعتبر نقطة من مداد السجل الأسود الذي كان يهيؤه الغربُ لمصير المنطقة، بدءاً من فلسطين إلى مشاريع النهب الكبرى مروراً باستراتيجيات السيطرة على الموقع والواقع، فإن أحداث أيلول 2001لم تكن لتسقط من فراغ، إنها الاحتقانات الانفجارية، لتراكمات الظلم المكبوت منذ اللنبي الإنكليزي الذي استرد (أورشليم!)، إلى شوارزكوف الأمريكي الذي استرد بابل.. ورغم تأكيدنا – نحن العرب والمسلمين – على عدم موافقتنا على المبدأ الانتقامي في نموذج أيلول، حيث البريء مع المذنب، والصالح مع الطالح، فإننا نعود إلى استرداد السؤال الأساس، إذاً ما الذي يدفع بعصبةٍ مسلمة كي تفعل ما فعلت في أيلول؟ وهل هي حقاً تلك العُصبة التي حدّدها الطاقم الأمريكي الحاكم دون دليل قضائي حتى اليوم؟. ثم هل يجوز أن تُشنّ الحروب وتسفك الدماء في أفغانستان وبعده العراق على مجرّد دليل اسمه الاشتباه؟ فنعوم شوموسكي أستاذ اللسانيات في (جامعة ماساتشوستس للتكنولوجيا)، كان قد علّق على سؤال الدليل بما يلي: (معظم العالم كان قد طالبَ الولايات المتحدة بتقديم دليل يثبت ارتباط ابن لادن وقاعدته بالجريمة.. لم يكن من المستحيل على قوة عظمى مثل أمريكا، أن تقدم أدلة دامغة على التورط، وعندما أعلنت طالبان أنها ستسلّم ابن لادن حال تقديم الدليل على تورطه، أجابت الإدارة: إن الموضوع غير قابل للتفاوض، ثم أهملت العرض بازدراء، وكان ذلك لصالح استخدام القوة الغاشمة) ونحن نضيف، تفعيل العقاب قبل الدليل، والإدانة قبل المحاكمة!.

وفي حمأة التفتيش عن ألغاز أيلول/سبتمبر، صدر مؤخراً كتابان أمريكيان، الأول للكاتب والصحفي بوب وودورد صاحب فضيحة ووترغيت عام 1974، وهو الصحفي الأكثر إطلاعاً في العاصمة الأمريكية، حيث يشغل اليوم منصب مدير تحرير جريدة (الواشنطن بوست)، الأكثر انتشاراً في الولايات الأمريكية، حيث يشغل اليوم منصب مدير تحرير جريدة الواشنطن بوست، وقد جاء كتابه تحت عنوان (بوش في حرب)، وبرغم أن الكتاب كان قد صدر أواخر العام 2002، إلا أن الصُوَر المطروحة في سياقه، تكشف عن سؤال ظلّ يشغل العالم مؤداه كيف تحوّل المشروع الامبراطوري الأمريكي من الحرب ضد الشيوعية، ثم من الحرب ضد الإرهاب إلى حرب ضد كابول ثم إلى حرب الحاقية ضد بغداد، وبإيجاز كيف تحولت الحرب ذات الأقنعة المسرحية من الشيخ أسامة بن لادن إلى ملامح الرئيس صدّام حسين وما بينهما ياسر عرفات؟!.

وتبدأ صورة العرض الأولية بلقطة خاطفة على مائدة إفطار صباحية في الساعة الثامنة والربع من صباح يوم 11 أيلول/سبتمبر، أي بعد دقائق معدودات من حدَث صَدْم البرجَيْن، وكان على المائدة جورج تينت مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وصديقه وراعيه السيناتور ديفيد بورين رئيس لجنة الأمن والمخابرات في الكونغرس، ثم يقتحم الجلسة المغلقة، أحد حرّاس تينيت ليقول: سيدي المدير، لقد حدثت كارثة، لقد وقع هجوم على مبنى البرجيَن بطائرات مدنية، ويلتفت تينيت إلى بورين على الفور ليقول: ذلك عمل ابن لادن ولا أحد غيره!..

وتدل عشرات بل ومئات الأوراق والمحاضر التي يستند إليها بوب ووردورد في كتابه (كذلك مقابلاته مع مئة مسؤول أمريكي من مختلف المستويات والمُهمّات) إلى الخطّة التي أقرتها الإدارة مجتمعة (ليلة 12 أيلول/سبتمبر) أي بعد ما يقل عن 24 ساعة من وقوع أحداث أيلول، وتشير هذه الخطّة إلى قائمة من المطاليب تشرع الإدارة في تحقيقها بالسرعة المطلوبة:

إنه لا بد من تصدير هذه الكارثة إلى خارج الولايات المتحدة بأقصى سرعة ممكنة..

يترتب على المطلوب الأول المذكور أعلاه، تحديد عدو خارجي، تُلقى عليه المسؤولية قبل انتظار التفاصيل أو التحقيقات.

تحضير تعبئة شاملة ضد العدو (المُختار) لصبّ مشاعر عدائية شعبية عارمة ضدّه..

استدعاء الوطنية الأمريكية كجامع للأمة، بحيث يُقطع الطريق على أية شكوك أو تساؤلات، وحيث تصبح هذه الشكوك بمثابة خيانةٍ وطنية عظمى.

تحريض الحاجة الروحية باستدعاء الدين مع استحضار أرواح القديسين والشهداء، لما للدور المعتقدي في هذه المرحلة من أهمية فعّالة.

ورغم عدم التجانس في الطاقم الإداري عموماً (إلا في ازدراء الغير) فقد تم تصدير الأزمة بروح جماعية قلّ نظيرها!.. كذلك وقع الاختيار على عدو مختار، ثم استدعيت وطنية العَلَم الأمريكي المخطط والمرصّع بالنجوم، وكثرت زيارات الرئيس لقواعده وأكاديمياته العسكرية..

وكان من أوائل تصدير الأزمة، حسب (نيويورك تايمز) في 16 أيلول 2001 (خمسة أيام على الحدَث)، أن (واشنطن طالبَتْ باكستان بقطع جميع الإمدادات واختصار قوافل الشحن الباكستانية التي تُؤمّن معظم حاجات الدواء والغذاء والمؤن للسكان المدنيين الأفغان..).

وبالإغراء أو الاستقواء، فرَضتْ واشنطن على جيران أفغانستان، إقامة حصار شامل، لا يحق لأحد أن يخترقه، واستجابت باكستان، ورحَّبت إيران، ولم تمانع طاجيكستان أو تركمانستان.. بهذا الخنق المفاجئ، مقابل معونات موعودة..

ومع تفاقم مفاعيل الحصار، وتصدير الأزمة حسب الخطّة، فإن برامج المساعدة الدولية والمعونات المقدمة، لشعبٍ فقير وجائع، يكون قد أصابها الشلل، وقد أفاد أحد عمال الإغاثة الدولية (بأن شعب أفغانستان كان معلقاً بحبل نجاة، فجاء الأمريكيون وقطعوا هذا الحبل، إن أفغانستان الفقيرة بحاجة إلى معونات وليس إلى حصارٍ يبعث على موت إضافي).

وبالطبع فإن الأفغاني لا يهرب إلا إلى باكستان، وحين أُقفلت الحدود بناء على طلب من واشنطن، ومُنع اللاجئون من الدخول، فإن أعداداً لا تُحصى من الكبار والصغار والنساء كانوا يموتون تحت أقدام الشعاب الجبلية بصمتٍ كئيب..

وفي 27 أيلول نشرت بوسطن غلوب على صفحتها الأولى، تصريحاً من أحد الأفغان يقول: (.. حتى الأمريكيين الأفظاظ، لا بد أن يشعروا بشيء من الخجل، لما يفعلوه في بلادنا المُدمّرة أساساً..).

مع كمال الجريمة ضد شعب لا يعرف أين هي نيويورك، وفي استكمال عدد الوفيات من مزار الشريف إلى جلال أباد عبر كابول، سيصرخ رامسفيلد وزير الدفاع المتأثر بيوشع خلف أسوار أريحا، (لقد انتهت الأهداف في أفغانستان، لم يعد ثمة أهداف نضربها، في الأساس لا يوجد في أفغانستان أهداف تستحق الضرب..).

ويضيف بوب وورد على لسان رامسفيلد (هناك نقطة يتحتم علينا أن نأخذها بعين الحسم، هناك مكان آخر في هذا العالم غير أفغانستان.. لا بد أن نوجه ضرباتنا إليه بعد الآن، إلى الدول الراعية للإرهاب، العراق أولها، فصدّام حسين ليس له صديق في هذا العالم يُدافع عنه، حتى في روسيا والصين) ثم يزيد: (ليس لدينا في جميع الأحوال، أي نقصٍ في هذه الدول، فهناك إيران وسورية والسودان وليبيا..). ولما شعر بأن هذه الدول كلها على ديانة الإسلام، أضافت كونداليزا رايس: (نعم. وكوريا الشمالية أيضاً)!..

إن هذه الرغبة الرامسفيلدية التي يشاطره فيها خمسون موظفاً في الإدارة ما بين مسيحي توراتي ويهودي أمريكي، حسب سُلّم التطرف، بدئاً من تشيني إلى بيرل إلى وولفويتز إلى باول ورايس.. وانتهاءً بوزير العدل جون أشكروفت مُنشد التوراة في الكنائس الإنجيلية، ودانييل بايبس المُفكّر الذي وضع الإسلام مباشرة بعد إمبراطورية الشرّ الشيوعية، على قائمة أفظع الأعداء المُرتَقبين، أولئك الذين يهددون حضارة الغرب، منذ (معركة بواتيه)، أو منذ أن أرسل هارون الرشيد بساعته الشهيرة إلى شارلمان فرنسا، أو ربما منذ أن طرق العثمانيون المسلمون بوابة فيينا.. وكلها استثارات ذرائع لحاضر دموي، بذرائع ماضٍ عف عليها الزمان.

والخلاصة، فإن رغبة اليمين التوراتي في إدارة بوش، التي يسكت عنها اللسان، ويلهج فيها الفؤاد، تذهب إلى اجتثاث جذور الإسلام عن طريق اجتياح مغولي، لحضارته وتاريخه وواقعه، وقد ورد في تقرير الكونغرس أوائل أيلول/سبتمبر 2003، فيما يتعلق بالسعودية (وبالطبع كل الأقطار العربية المسلمة)، أنه (يتوجب على هذه الدول الامتناع عن طبع نسخٍ جديدة من القرآن الكريم)، وقد أخفت الإدارة الأمريكية هذا المقطع (ومقاطع أخرى) عن الإسلام في التقرير لدواعٍ تكتيكية.. ومن الواضح الجلي، أن الإدارة الأمريكية في عهد بوش الابن، ظلت كامنة، تهتبل الهجوم على الإسلام والمسلمين، بمظهر الذريعة وباطن العداء، وهنا يقع الدور في إيضاح الصورة، على الكاتب والصحفي الأمريكي ديفيد فروم في كتابه الرجل المناسب، وهذا إيجاز لمحور الكتاب:

يقول فروم: (في آخر شهر من العام 2001 اتصل بي في مكتبي بالبيت الأبيض، كبير كُتّاب خُطب الرئيس السيد مايكل جيرسون، وقال: عندي لك اليوم مهمة تتعلق بخطاب الرئيس السنوي عن حالة الاتحاد، وتعلم أن الرئيس يلقي هذا الخطاب عادة في نهاية كانون الثاني من العام الجديد، فهل أستطيع الاعتماد عليك في صياغة فقرة أو أكثر، تكفي لشرح الأسباب التي تدعو أمريكا لاصطياد العراق)!..

وفهم فروم أن ما يطلبه جيرسون، هو صياغة ذريعة أو اصطناع فتوى تبرر حرباً جديدة ضد العراق.

وفي العادة، يتابع فروم، فإن (كُتّاب خُطب الرئيس لديهم ما هو فائض من التوجيهات والمعلومات ومحاضر الجلسات.. بحيث يوجد تحت يد كل كاتب مادة تكفيه).

وجعل فروم يُقلّب في أوراق المعلومات الخاصة بالرئيس العراقي، بادئاً من القديم إلى القريب، ولم يرق لفروم كما يقول في كتابه، أن يستدعي القديم من الأحداث، لأنه لا مجال لمحاسبة صدّام حسين عن تاريخ لا علاقة للرئيس الأمريكي الحالي به، ثم نظر إلى تاريخ صدّام القريب، فوجد أن دائرة الإدانة ستشمل إدارة كلينتون القريبة، والبلاد بحاجة إلى التوافق في أيام الشدّة، ثم حاول أن يستخرج ذريعة من استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد، فوجد أن تاريخ الحَدَث، كان على علاقة ما بإدارة الرئيس ريغان، وفكّر فروم بالتقاط حِجّةٍ هي، (محاولة اغتيال الرئيس الأب) في الكويت، فمال إلى تصديق الرواية القائلة باختراع المحاولة على يد الاستخبارات الأمريكية ثم تساءل فروم عن الذريعة الطبيعية المقبولة، هل تراها في النظام الديكتاتوري العراقي فيما العالم مليء بمثل هذه الأنظمة. بل ومؤيد في معظم الأحيان من الولايات المتحدة نفسها، أم تراها في ارتباط ابن لادن بصدّام ولا شيء يشير إلى صدقية هذا الربط..

وأخيراً اهتدى الرجل إلى ثنائية سديميّة غير قابلة للإمساك وتالياً غير قابلة للتشكيك أو النقد، إنها ثنائية الخير والشر، حيث تاريخ المُنتصرين يُصنّف البشر على هواه..

وإذن فإن نظام صدّام القابع على راس محور الشر، هو الذي يهدد استقرار العالم وسلامه، فخطر صدّام لا يستهدف الولايات المتحدة وحدها، بل والعالم بأسره، وعندما علم فروم بأن وقع الفكرة نال رضا الرئيس، اكتمل إعجابه بنفسه، فروى الواقعة لزوجته، فطار الخبر، ثم طار فروم من منصبه ككاتب مُتخصص في البيت الأبيض!..

لقد كان محور الشر الذي ابتدعه فروم ونال إعجاب الطاقم الإداري الأمريكي، هو بادئة الطريق للعدوان على العراق، لا لشيء وإنما لأن هذا المحور يتسّع لجميع الادانات الأخرى دون حساب، من أسلحة الدمار الشامل، إلى الارتباط بالقاعدة، إلى حرب إيران فغزو الكويت.. ثم إلى النظام الديكتاتوري القاسي الذي يتوجب تبديله، ومثلما كان أيلول هو بادئة (الخير) الأمريكي لأفغانستان، فإن شرور العراق كانت هي بادئة الطريق إلى بغداد، وحيث أن الإرهاب والشر لا يخضعان لأي تحديد في القاموس السياسي الأمريكي، أو لأي تعريف أو تفسير، فإن إسقاطهما كيفياً وبحسب المصالح، يمكن أن يظلاّ في حالة بحبوحة في الإلصاق والاتهام.

إن حروب أيلول الأمريكية، قد أجرت دماءها في رقاب الشعوب لا الأفراد، وهو هوس انتقامي جماعي قادم من أجواء التوراة، فإذا كان ابن لادن هو وراء أيلول، فما دخل طالبان في أيلول، وإذا كانت طالبان شريكة ابن لادن في فعْلته، فما علاقة شعب أفغانستان بما جرى، وإذا كان شعب أفغانستان هو الذي أنتج نظام طالبان، فما علاقة شعب العراق بشعب أفغانستان، وإذا كانت كابول وبغداد تشتركان في الشماتة لما حلّ بغطرسة أمريكا على يد مجهول، إذاً ما علاقة القدس وجنين وغزة وبيت لحم.. بما جرى؟ أم أنها الروح التعميمية الحاقدة على (الأغيار) من سكان هذا العالم على شكل صراع حضارات ونهايات تاريخ؟! يبقى في النهاية سؤال لا يريد التخلي عن سذاجته:

هل من قبيل الصدفة السعيدة، أن السلاح الأمريكي الأشد فتكاً، لا يحقق نجاعته في الاختبار، إلا فوق أراضٍ عربية أو إسلامية؟ (أما مثال كوسوفو الذي تتباهى به طغمة واشنطن الحاكمة، فلا يعدو كونه أكثر من تدمير نهائي لبقايا السلافية الشيوعية!..)، وهل ما جرى على محور: كابول، بغداد، القدس، (في ظرف أقل من سنتين مقابل عشرات بل مئات ألوف الضحايا)،كل ذلك، كان من قبيل الحنين التوراتي إلى قمع الأغيار، أو إلى (الغوييم) حسب مصطلح يهودي – أمريكي مشترك؟!

فإذا كان القياس قد اشترك في التكافل الصهيوني – الأمريكي، بين إقران واقع إسقاط الاتحاد السوفييتي (ومجموعته)، وإمكانية إسقاط الإسلام بذات الطريقة، فإن على أمريكا أن تنتظر قطف المستحيل، فالاتحاد السوفييتي (ومجموعته) كان نظام دول، وأيدولوجية أحزاب، وكراديس جيوش، ومهارة أجهزة، ومشاريع تقنيات، وألعاب سياسة.. أما الإسلام، فعقيدة إيمان وتراث حضارات وسُلّم تشريعات وتجليات عدالة، ووصايا تراحم وأوامر شورى.. فإذا اختلف المسلمون فعلى أيّهمُ الأَوْلى بحمل الحقيقة الإيمانية، أو أيّهم الأصدق في حمل الرسالة السماوية، لا بما يتخرص الإنسان عن حميد خصاله وكمال معتقده، بل بإيمانه الحقيقي بمبادئ الرحمة والافتداء وبحرية الإنسان وسعادته، أفلا تنظر أمريكا إلى شغفها المُدمّر لتحقيق مصالحها الكليّة فضلاً عن مصالح أفرادها، حتى ولو كان على حساب إنسانية الإنسان الآخر، ومستوى معيشته وفقره وتعسه ونُكسه.. أفلا تنظر أمريكا إلى نتائج سياساتها المدمرة لتاريخ الإنسان وحضارته وهويته، حين تصم عالماً بحاله، على أنه عالم إرهاب ومروق؟ أفلا تنظر أمريكا إلى تاريخها المتواضع، إزاء تواريخ شعوب بآلاف السنين من مسيرة البشرية، الموشحة بالحضارة والعراقة وفخار التقدم على طريق رسالة الإنسان في حياته وبعد مماته.. أفلا تنظر إلى واقع عداواتها العالمية فيما هي تُدير الظهر للسؤال الأساس لماذا يكرهنا العالم؟ ألعلّةٍ في طبيعته، أم لعللٍ في غطرسة مواقفنا واختلال مكاييلنا أم ماذا؟

فإذا كان الهجوم على الإسلام لعُنفه، فإن الإسلام في قرآنه وصحيح حديثه، لم يعنف إلا مقابل العدوان، (ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى. ص) وحتى الاستزادة في العدوان، فقد نهى عنه الإسلام بصورة جازمة.. أفلا تدرس أمريكا تاريخ الإسلام، فتُمعن في وصايا خلفائه الكبار.. أليس من فارقٍ مفجع بين (لا تهدموا صوامع وبيع يُذكر فيها اسم الله..) وبين إبادة مدن بحالها مع مئات الألوف من سكانها، في هيروشيما وناغازاكي ودرسدن؟! ألا تشعر أمريكا في تهافت مدرستها السياسية المتكئة على العنصرية والغلوّ والدموية الفارق المحزن بين (لا تقتلوا طفلاً أو امرأة أو شيخاً ولا تقطعوا شجرة.) وأربعمائة طفل وشيخ وامرأة ذهبوا في العامرية بضربة أمريكية واحدة، وماذا نقول عن الضربات الأمريكية في فيتنام وأمريكا الوسطى والجنوبية وآسيا وأفريقيا.. ماذا نقول باليورانيوم المُخصّب، حيلة أمريكا ومكرها لتمرير استخدام الأسلحة المحرمة.

ماذا نقول عن حضارات شائخة، كما يُحبّ أن يدينها رامسفيلد بسخريته عن القارات العجوز، وهي التي ظلّت في تاريخها العريق، تبحث في فلسفة متصاعدة، عن العقل الكلي لبناء كمال الروح، وإقصاء روح الأنانية والعدوان واستلاب الآخرين، ثم ماذا نقول عن (حضارة) المسدسات التي لا سعي لها، سوى انتزاع الروح، وتدمير البلاد والعباد من أجل دولار زائد؟!..

إنه رغم هذا التاريخ المليء بآيات الشواهد، فإن الأمريكي المسكون بحقائق إعلامه وتجديفات إداراته، مازال يتساءل لماذا يكرهوننا؟ وما نخال الجواب إلا عند إداراتهم نفسها، أو لدى القائمين على صنع القرار في كواليسها، إذ لا يُعقل أنه رؤساء أمريكا وبمعيّتهم إداراتهم التي تشتمل على كبار الأدمغة والمفكرين وأساتذة مراكز الأبحاث، وخبراء عالم المعلوماتية والاتصالات، ورجال مرحلة العولمة وما بعد الحداثة.. لا يُعقل أن هؤلاء جميعاً، لا يميزون بين الحق المجرد والباطل المُجَسّد، أو بين بياض النهار وسواد الليل، أو بين حق الفلسطيني الساطع كشعاع الشمس، وباطل "الإسرائيلي" الغاطس في حلكة الليل وسواده، إذ مَنْ هو الذي سجّل فلسطين، في الممتلكات العقارية للرب يهوه!.. ثم مَنْ هو الذي أعطى أمريكا شرعية احتلال العراق، مَنْ هو الذي نصّبها حاكماً على هذا العالم، أو قاضياً عالمياً في محكمة الشعوب، مَنْ الذي أعطاها مرجعية الدفاع عن الديمقراطية، وأول وآخر ديكتاتوريّي هذا العالم من صُنعها، ألا تنظر إلى دعمها المفتوح لنظام القتلة في تل أبيب، ألا تنظر إلى ما فعلته بتاريخ أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا؟.. أم هو حق قوة رغم التشدق بالإيمان والأخلاق؟!.. ففي خطاب له يوم الجمعة بتاريخ 12 أيلول/سبتمبر 2003، ألقى الرئيس بوش خطاباً في جمع من الضباط الجدد بولاية فرجينيا قال فيه "إن الولايات المتحدة اليوم، في حالة حرب مع مركز الإرهاب العالمي الذي أصبح في العراق الآن"، وقد طفق الرئيس يكرر بصيغ متنوعة، إقران الإرهاب بالإسلام المتشدد.. والعراق، ولما كانت المناسبة هي مرور سنتين على أحداث أيلول، فإن شاهداً واحداً لم يقل بعلاقة العراق بأيلول، وأنه من قبيل قلّة الأدب، أن يقول شخص ما، لرئيس أهم دولة في العالم: - سيدي.. أنت كاذب:

وسنة بعد سنة، يتوغل الرئيس الأمريكي في تصعيد تطرّفه ضد الإسلام، حيث يتساوى الإسلام والإرهاب في لغة كامل الطاقم الإداري في ولاية بوش الراهنة، ولعلّ هذا التصعيد يشي بخلفيةِ تكثيفٍ في دروسه اللاهوتية، على يد كهنةٍ من كبار الإنجيليّة التوراتية، أولئك الذين ظلّوا يضمرون الكراهية والازدراء بل والشرّ كله للعرب والمسلمين، فالقس فولويل أحد كبار المبشّرين بعقيدة المسيحية – اليهودية.. هو أول مواطن في الولايات المتحدة، يتلقى من رئيس الوزارة "الإسرائيلية" الأسبق، ميناحيم بيغن، خبَر تدمير المفاعل النووي العراقي، وقد تفاخر بأنه تلقى هذا النبأ (السار) من "إسرائيل"، قبل أن يتلقاه رئيس الولايات المتحدة نفسه!..

وكان جواب القس فولويل: (ليبارك الله هذه الـ F.16 الأمريكية التي قامت بهذا العمل الرائع !..).

حتى وسائل الموت والدمار، في عقيدة هؤلاء المبشرين من أمثال: غراهام وفولويل ولندسي وروبرتسون، تظل موضع مباركة من (الله) الذي يتم تصوّره على شاكلتهم سواء بسواء..

لم يتعرّض الرئيس بوش، وفق ما تم تلقينه، لما تفعله سياسات أمريكا بالعالم الآخر، لا قَطْعاً من تاريخ الهنود الحمر والزنوج، ولا ابتداءً من (مبدأ مونرو) وتاريخ الحروب والتوسع والسيطرة على بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية والمكسيك، ولا انتهاءً من اعتبار موروثات العرش الإسباني في القارة الأمريكية ودول بحر الكاريبي ملكية آيلة إلى الولايات المتحدة بالشراء البخس أو بحروب التوسع، بل من تاريخها معنا كأمة ممتدة من المحيط إلى الخليج، إذ لا يخلو قطر عربي واحد، من سياسات تآمرٍ عليه، بغية الهيمنة على ثروات موقعه وواقعه بآن. كذلك لم يتعرض الرئيس بوش، لعديد الحلفاء الذي انفضّ من حوله، في دعوته المثقوبة لشن الحرب على العراق، وقد صَفَع أحد النواب الديمقراطيين في الكونغرس، دونالد رامسفيلد عندما تحدث هذا الأخير، عن قوى التحالف المشاركة لأمريكا في حربها على العراق قائلاً: كفى مزاحاً أيها السيد رامسفيلد، إنك تتحدث عن 18 دولة مجهولة تشارك في تحالفكم اليوم، فيما كان التحالف مع والد الرئيس يضمّ مئة وأربعين دولة في هذا العالم!..

إن عالم الشر الأمريكي، هو عالم النبوءات القيامية في التوراة، فهو لا يستثني إلا الأنغلو – ساكسونية من المسيحية التوراتية بإضافة "الإسرائيليين"، وهذه حقيقة مذهبية من مذاهب الكنائس الإنجيلية والقيامية والدهرية بحيث لا تقبل تأويلاً آخر، فالمسيحية حسب جذر اللوثرية، هي اليهودية بثوب جديد، والعهد القديم، هو الكتاب المقدس الذي تُشتقّ منه سنن الحياة والعبادة، وما الأناجيل الأربعة في معتقد المسيحية الكاثولوكية أو المسيحية الشرقية، بأكثر من سِيَرٍ للرُسل، لا تصلح لأن تكون طقوساً للعبادة، أو قوانين تُنظّم شؤون العباد والمعاد.. وعلى هذا، فإن التوراة ونبوءاتها القيامية، وما تحفل به من (دراما) شديدة الخرافة، كذلك التلمود وما يحفل به من تنظيم شؤون الحياة والعلاقات، هما ما عشقهما (الآباء المؤسسون) لتاريخ أمريكا، وهي (مانوية) درجت عليها السياسات الأمريكية بين خير وشر وقبح وجمال، طالما أن الاصطفاء الإلهي، هو الذي قرّر أن شعوب التوراة هي الخير في هذا العالم، فيما شعوب ما سواها، من مسلمين ومسيحيين وبوذيين وهندوسيين وكونفوشسّيين وزراداشتيين وإبراهميين.. الخ، لا يكون بمقدورها إلا أن تُمثّل عالم الشر الخالص بقدرية لا رادّ لها. لقد بكى بوش على سقوط الضحايا من الأبرياء في البُرجين ومبنى البنتاغون، ونحن نتحدى أن العالم كله، بجميع أديانه ومذاهبه وطوائفه.. كان قد بكى لهول الفاجعة، لكن ذلك لم يلفت نظر بوش وإدارته من حوله، لأن بكاء العالم غير الأمريكي، على موت ضحايا أمريكيين، إنما يعزز مقولة إنسانية الإنسان مهما كان جذره ومعتقده، حتى البهيمية فإنها تحنو على الآخرين من جنسها وفصيلتها وصغارها، فكيف بالإنسان الذي ميّزه خالقه بقدرات المحاكمة والإدراك والتكيّف والطبع والتطبّع، وبوش لا يريد أن يرى إنسانية الإنسان إلا في شعب التوراة!.

لقد بكى بوش، إلا أنه لا يريد أن يرى العالم الذي أبكته أمريكا خلال عقود وعقود، لا يريد أن يرى شعوب أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية، الذين وضعتهم مصالح بلاده في قيعان التخلف والفقر والمرض، وهو لا يريد أن يرى مئات الألوف من قتلاهم، على يد دكتاتوريات سبق لأمريكا أن صَنعَتْها.. لا يريد السيد بوش، أن يرى ماذا فعلت أمريكا بأفريقيا وتاريخ أجداده مع الزنوج الذين سيقوا كالبهائم في أسفل عنابر سُفنه العابرة للبحار!.. وهو لا يريد أن يرى ماذا فعَلت السياسات الأمريكية في آسيا، فمنذ أواسط الخمسينات، وأمريكا ذاتها، تقف وراء كل انقلاب عسكري ديكتاتوري في مناطق آسيا، ومنذ أواخر الأربعينات وقفت أمريكا – كأول دولة عالمية – إلى جانب الباطل الصهيوني ضد شعب فلسطيني لم يَعْتدِ على أحد، هذا في الوقت الذي ظلّت أمريكا تزوّد "إسرائيل" بكل وسائل الدعم، المالي والعسكري والديبلوماسي والصناعي.. لغايات عدوانية توسّعية واحتلالية، إلى أن أصبحت "إسرائيل" سادس قوة نووية في العالم. لا يريد بوش، أن يرى تاريخ أمريكا في إيران أيام الدكتور مصدق، ولا تاريخ أمريكا في مصر، أيام جمال عبد الناصر، ولا تاريخ أمريكا في السودان وليبيا والجزيرة العربية وسوريا ولبنان والعراق، طوال نصف قرن من تاريخ المنطقة. لقد بكى على الأمريكيين فقط، لأن ملايين القتلى بدواعي المصالح الأمريكية، لا يستحقون البكاء، وقد سبق للسيدة مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية في ولاية الرئيس كلينتون، أن قالتها جهاراً نهاراً "إن موت مليون عراقي، هو ثمن متواضع أمام أهداف الولايات المتحدة ومصالحها العليا"!.. فهل (المليون) عراقي الذين تحدثت عنهم السيدة أولبرايت من طرف شفتيها، لا يعادلون شيئاً في قاموس مذهب الخير التوراتي.. ثم لماذا تبكون وتنسون بكاء الآخرين؟!..

لماذا لا تجيبون بإنصاف، على دوافع كراهية شعوب العالم للسياسات الأمريكية، وربما اليوم لشعب أمريكا نفسه؟ هل يسقط حبُّ الإنسان وكراهيته من فراغ، هل بمقدوركم أن تبرروا بمنطق العدل، سياساتكم الداعمة لشخصٍ مثل شارون، وهل في العالم إنسان يحمل عقله في رأسه، فيقول بأن شارون رجل سلام، إذن مًنْ قَتَل الأطفال وروّع الأمهات، ودمّر البنيان واقتلع الأشجار.. وهو الغاصب المُحتل الذي لا يريد الاعتراف باحتلاله وجرائم سياساته.. فالسيد بوش يرى ما تفعله حماس وما يفعله الجهاد.. ولا يتساءل عن دوافع العنف وأسباب تصاعده، إنه لا يرى الاحتلال "الإسرائيلي" لأرض فلسطين، وما يفعله بأهلها، تماماً مثلما أنه لا يشعر بتبكيت في الضمير، جرّاء احتلال العراق وتدمير بُنيته وإبادة أهله، فبوش لطبيعةٍ مذهبية تاجُها الانتقام، يرى الإرهاب في الإسلام، وهو لطبيعة سياسية مخادعة، يراه في المقاومات الوطنية للشعوب ضد المُحتلين، وفيه مخالفة صريحة لشرعية الأمم المتحدة نفسها، وهو في أحيان أخرى، يرى الإرهاب في عقيدة الإسلام الداعية للجهاد، وهو ما يدعوه لإزالة بعض الآيات من القرآن الكريم، هذا إنْ لم تكن الدعوة لشطب القرآن كله، لدواعٍ مرضية صليبية مازالت تتفاعل معه حتى الآن. ويحار المرء في مضمون الذريعة التي يختارها بوش والركب الإداري من حوله، كتمهيد للعدوان، وقد وصل التهافت في طلب الذرائع، حسب تقرير الكونغرس الأمريكي، الذي تم إخفاء بعض فقراته (آب/أغسطس 2003)، حد اتهام المملكة السعودية بضلوعها في أحداث سبتمبر، لمجرد أن الأميرة السيدة هيفاء الفيصل، زوجة السفير السعودي في واشنطن الأمير بندر، كانت قد قدمت مساعدة مالية (عشرة آلاف دولار لا غير) لأحد المحتاجين من الطلاب السعوديين واسمه أُسامة باسنان، حيث تبيّن فيما بعد، أنه كان على (تعاطفٍ) مع القاعدة، وكذلك تنسحب فقرة أخرى من التقرير، على أعضاء في السفارة السعودية كانوا يقومون بدفع أجور السكن، لطلاب سعوديين اتهموا باتهام مماثل!.. فهل هي ذرائع كافية لتغطية سبعين عاماً من علاقة اقتران سعودية – أمريكية غير قابلة للطلاق؟!..

وفي مجال الذرائع، التي وصلت سقف الأكاذيب المفضوحة، نشرت مجلة (شتيرن) الألمانية (منتصف أيلول/سبتمبر 2003)، وهي مجلة أسبوعية، إحصاءً طريفاً لحجج العدوان على العراق، والتي هي في عُرف المجلة نفسها، لا تستأهل وصفاً غير وصف الأكاذيب، فقد ألغت المجلة كلمة (ذرائع) أو حجج، واستبدلتها بتعبير أكاذيب، على النحو التالي:

حانت ساعة العدّ العكسي لبوش.. وبصورة أكبر لبلير فالمسألة لا تتعلق بخداع شعبيهما.. والأمم المتحدة والعالم أجمع وتزوير الوثائق والمستندات والتحايل والغش في كذبة أو اثنتين أو ثلاث.. بل في عشر أكاذيب على الأقل، فإن أفلتا من واحدة أو حتى خمس منها سيظل الباقي يدينهما حتى يطيح بهما في أقرب انتخابات قادمة.. كان هذا ما أشارت له مجلة (شتيرن) الأسبوعية الألمانية تحت عنوان (الأكاذيب العشر في حرب العراق).. عرضتها واحدة واحدة على النحو التالي:

1 - أكذوبة القاعدة:

كان مستشار البنتاغون (ريتشارد بيرل) قد ادعى حدوث لقاء بين محمد عطا قائد عملية تفجيرات 11سبتمبر مع عضو من المخابرات العراقية يدعى (أحمد خليل العاني) في السفارة العراقية في براغ في نيسان/إبريل 2001م.. وذلك لمحاولة ربط العراق بتنظيم القاعدة وعملية 11 أيلول/سبتمبر.

الحقيقة:

أنه لم يتم العثور على أي دولة تثبت وجود علاقة بين صدّام حسين وتنظيم القاعدة، وفي خريف 2002م أرسل الرئيس التشيكي (فاتسلاف هافيل) مذكرة سرية للولايات المتحدة أكد فيها عدم حدوث أي لقاء بين عطا والعاني، وفي 2 تموز/يوليو 2003 ألقت القوات الأمريكية القبض على العاني في العراق.. وأيضاً نفى حدوث هذا اللقاء المزعوم.

2 - أكذوبة شراء اليورانيوم من النيجر:

أعلن بوش في خطابه حول حالة الاتحاد في 28/1/2003 أن العراق قام بشراء كمية كبيرة من اليورانيوم لإنتاج الأسلحة النووية مشيراً إلى أن هذه المعلومات جاءت من تقارير المخابرات البريطانية. الحقيقة: أنه قبل ذلك بعام ومنذ بداية عام 2002م كانت المخابرات الأمريكية نفسها قد قيّمت التقارير حول شراء العراق لليورانيوم من النيجر بأنها تقارير كاذبة، وفي 7 آذار/مارس 2003 أكد رئيس هيئة الطاقة النووية محمد البرادعي أن الوثائق الأمريكية المتعلقة بذلك مزورة تماماً، ثم كشفت قصة اعتماد التقرير البريطاني على رسالة جامعية منشورة على الإنترنت لأحد الطلاب في أمريكا، وفي 6 تموز/يوليو 2003م أعلنت الحكومة الأمريكية نفسها أن اتهاماتها تلك اعتمدت على معلومات غير مؤكدة.

3 - أكذوبة الخمس وأربعين دقيقة:

اتهم بلير في كلمته أمام مجلس العموم البريطاني في 24/9/2002 النظام العراقي بإنتاج أسلحة دمار شامل، وأنه يمكن استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية خلال 45 دقيقة فقط من إصدار صدّام للأوامر مشيراً إلى أن ذلك جاء من معلومات لجهاز المخابرات البريطانية.

الحقيقة:

أن أحد العاملين في المخابرات البريطانية أعلن لقناة BBC البريطانية أن هذه الفقرة في التقرير أضيفت بناءً على مطالب موظفي الحكومة البريطانية، هذا بينما أعلن وزير الدولة في وزارة الدفاع البريطانية 'آدم إنجرام' أن مدة 45 دقيقة جاءت من مصادر فردية لم يتم تأكيدها أبداً.

4 - أكذوبة أسلحة الدمار الشامل:

أعلن بوش في أول كلمة له بمناسبة توليه السلطة في 19/1/2001 أن العراق يسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، ومنذ ذلك الوقت تم تكرار هذا الاتهام وتكثيفه حتى تحول إلى حجة قوية لتبرير الحرب ضد العراق.

الحقيقة:

أن مفتشي الأمم المتحدة الذين فتشوا العراق تحت قيادة (هانز بليكس) قبل الحرب والـ 1400 جندي أمريكي قاموا بتفتيش العراق تحت قيادة الجنرال (كيث دايتون) بعد الحرب جميعهم فشلوا في اكتشاف وجود أسلحة دمار شامل أو حتى أي أدلة تشير إلى إنتاجها.

5 - أكذوبة الأسلحة البيولوجية:

أعلن وزير الخارجية الأمريكية'كولن باول' في كلمته أمام جلسة مجلس الأمن في 5 شباط/فبراير 2003 أن صدّام قام بأبحاث لمدة عشر سنوات في مختبرات بيولوجية لإنتاج فيروسات تسبب أمراضاً مثل التيفوس والكوليرا والحمى الصفراء.

الحقيقة:

أن (كولن باول) عندما كلف بقراءة الملف قبل إلقاء كلمته أمام مجلس الأمن يقال إنه ألقى أوراق الملف في الهواء وقال: "مثل هذه الكلمات لا يمكنني إلقاؤها".. (it's shit) "هذا خراء'"! ورغم ذلك أجبر على إلقاء كلمته مما قدمه له مدير مكتب ديك تشيني إلا أن جميع المفتشين فشلوا في العثور على أية أدلة تؤيد هذا التقرير المزور.

6 - أكذوبة مدى الصواريخ:

في كانون الثاني/يناير 2002 قدمت المخابرات الأمريكية تقريراً قالت فيه:

أن العراق قد يكون قام بتطوير تكنولوجيا صواريخ (سكود) لإنتاج صواريخ (الحسين) ويصل مداها إلى 650 كم، و(العباس) التي يصل مداها 900 كم، أو على الأقل إعادة إنتاج (سكود)، وفي أيلول/سبتمبر 2002م قدمت المخابرات البريطانية ملفاً يقدم أدلة مزعومة حول إنتاج صواريخ يزيد مداها على 150 كم وهو ما كان قد حظره قرار مجلس الأمن رقم 687 عام 1991.

الحقيقة:

أنه قبل الحرب مباشرة أخذ المفتشون الدوليون على العراق امتلاك صواريخ 'صمود' التي يصل مداها إلى 200 كم فقط، مما اعتبر مخالفة لقرارات الأمم المتحدة ولذا تم تفكيكها ومنذ ذلك الوقت لم يعثر مفتشو الأمم المتحدة ولا مفتشو الجيش الأمريكي ولا جهاز مخابراتها على أي صواريخ أخرى.

7 - أكذوبة الأسلحة الدقيقة:

أعلن البنتاغون قبل الحرب مباشرة أن 80% من جميع القنابل والصواريخ التي سيتم إلقاؤها على العراق ستكون من الأسلحة الدقيقة حرصاً على المدنيين العراقيين.

الحقيقة:

أنه بناءً على معلومات سلاح الجو الأمريكي نفسه فإن 19948 قنبلة فقط من بين 29199 ألقيت على العراق كانت من القنابل الدقيقة وهذا ما يقارب 68%، وقد أعلن البنتاغون أنه استخدم حوالي 1500 قنبلة عنقودية في الحرب، والقوات البريطانية وحدها ألقت ما يزيد على 2000 قنبلة عنقودية في جنوب العراق هذا بينما تقدر منظمة العفو الدولية عدد القنابل الشديدة التفجير التي تم استخدامها في ضرب العراق إلى 9000 قنبلة مما يمثل خطراً مستمراً على المواطنين.

8 - أكذوبة (جيسكالينش):

في 4 نيسان/إبريل الماضي نشرت صحيفة (واشنطن بوست) تقريراً حول الجندية الأمريكية (جيسكالينش) قالت فيه: أنها تعرضت للأسر بعد معركة أصابها فيها الجنود العراقيون بعد أن أمطروها بالرصاص بعد مقاومة شرسة، وأنها تعرضت إلى معاملة سيئة في (مستشفى الناصرية). وأن وحدة أمريكية خاصة استطاعت تحريرها بعد صراع مرير مع القوات العراقية.. وقدم البتناغون للإعلام شريط فيديو تعرض للمونتاج يظهر اقتحام القوات للمستشفى.. وأثناء ذلك يظهر الجنود الأمريكيون وهم يتعرضون لإطلاق رصاص بصورة مكثفة.

الحقيقة:

إنها جميعاً معلومات كاذبة، فإصابة (جيسكالينش) جاءت بسبب اصطدام سيارتها بإحدى سيارات فرقتها نفسها مما أصابها بكسر في الساق نتج عنه نزف كمية كبيرة من دمها، ولأن فصيلة دمها نادرة (0+) أو (موجب) فقد تبرع لها أحد أقارب الدكتور (سعد عبد الرازق) الذي كان يعالجها في المستشفى بدمه، كما أن العاملين بالمستشفى هم الذين سلموها للقوات الأمريكية مع أن الجنود الأمريكيين فتحوا النار على سيارة الإسعاف التي تحمل (جيسكا) وعندما اقتحموها لم يجدوا بداخلها أي جنود عراقيين وبالطبع فلم يقم أحد بإطلاق النار على الجنود الأمريكيين، أما شريط الفيديو الخاص بالنتاغون فقد ثبت أن من قام بتصويره (مصور من هوليوود) كان قد عمل مصوراً في الفيلم الحربي (بلاك هوك داون) حيث كان مساعداً لـ(ريدلي سكوت) وعرضت المجلة صورة لينش وهي ملفوفة بالعلم الأمريكي وتحتها عبارة جسيكا وتحريرها المزعوم.

9- أكذوبة مخبأ صدّام:

أعلن وزير الدفاع رامسفيلد في 20 آذار/مارس نجاح القصف الأمريكي في أول ليلة في دك مخبأ في بغداد يحتمل أن يكون صدّام أو ابناه موجودين فيه.

الحقيقة:

إن أعضاء المخابرات الأمريكية والكولونيل الأمريكي (تيم مادر) كانوا من بين من فحصوا موقع القصف بعد الحرب. ثم أعلن (مادر) لقناة CBS الأمريكية أنه لا كان هناك مخبأ من الأساس ولا عثر على بقايا بشرية، فصحيح أنه يوجد في المكان حفرة هائلة ناتجة عن قصف بالقنابل إلا أنه لا يوجد أي هدف مدمر.

10- أكذوبة سقوط تمثال صدّام:

في 9 ابريل عرضت التليفزيونات العالمية مشهد تحطيم تمثال صدّام حسين في ميدان الفردوس وتحدث المحللون السياسيون حينئذ عن تهليل الشعب العراقي المحرر.. حتى أن رامسفيلد قارن ذلك بمشهد سقوط سور برلين.

الحقيقة:

أن المشهد بكامله كان من تأليف وتدبير الجنود الأمريكيين، فهذا الميدان كان خالياً حتى وقت التصوير وذلك بعد أن قطعت الدبابات الأمريكية شوارع بغداد وبذا لم يتمكن أي عراقي من الوصول للميدان ولم يزداد عدد العراقيين الذين شاركوا في أحداث سقوط التمثال عن مائة عراقي جلبهم الأمريكيون معهم حتى أن عدد الصحفيين الموجودين لم يزد على خمسة!..

مجلة (شتيرن) الأسبوعية الألمانية

يقول ونستون تشرشل (إن الحقيقة هي الغائب الأول في إعلام الحروب، ذلك أن أسواراً من الأكاذيب تشاد حولها)!..

إن الأمريكيين عموماً لا يحبون قراءة التاريخ، فهم من أكثر الشعوب ازدراءً للماضي، ذلك لأن الإنسان بطبيعته يكره ماضيه، إذا كان ماضياً مليئاً بالدموية، فتاريخ أمريكا تأسس على سوء طالع الآخرين، والمشكلة أن هذا التاريخ لحداثة عهده وقربه من مقاربة الأحكام القيمية، غير قابل للنسيان، فعمر أمريكا الفعلي، لا يمتد لأكثر من خمسة أجداد على التعاقب، ففي عُمر الأجداد الخمسة، ما يكفي لتغطية ثلاثة قرون لا أكثر، فآيات أمريكا الظلامية، خلف مياه المحيطين، كانت تكتفي بداخليتها في الاقتتال على دولار زائد، أما مباهج حياة (الوسترن)، وبطولات الرجال من رعاة البقر، فلم تكن أكثر من سيناريوهات صالحة لهوليود، لا للتاريخ، فالجانب المظلم من تواريخ التوسع الأمريكي نحو الغرب والجنوب، كان يتحصل عبر دماء الآخرين من الشعوب الأصليين.. وفي مناسبة مثل أيلول، القادم من دموية أمريكا في تاريخ كينونتها، فإن المرء مهما كانت مذهبيته، لا يستطيع أن يقف إلى جانب القتل على الغارب، لكن المرء يستفظع هذا الفعل على يد الأمريكيين في هيروشيما وفيتنام وتشيلي ونيكاراغوا.. وقارات العالم أجمع. فأنت لا تستطيع أن ترى فظاعة أيلول غير الهابطة من فراغ، إلا في تاريخ أمريكا تجاه الشعوب، فأيلول – على استنكاره – هو ناتج اغتصاب واحتلال – إنه ناتج حصاد نهب ثروات العرب حتى الإفقار، وأيلول كفعلٍ مؤدى وانبهار شعوب، هو ناتج حصاد مكاييل السياسات الأمريكية المختلّة من هذا العالم، ففيما تملك "إسرائيل" مئتي قنبلة نووية مع حاملاتها، يُحرّم على العالم الآخر، إجراء تجربة على ذبابة، وفيما الصفاقة الأمريكية مع (أباتشي) "إسرائيل" (وأبرامز) دباباتها المُصدّرة لإفناء شعب آمن.. ينـزلق لسان السيد بوش مُستفيضاً في ذكر مقابر صدّام، وغازات صدّام، وحروب صدّام.. فيما تؤكد تقارير الأمم المتحدة، بأنه ما من حرب نشبت في المنطقة، إلا وكانت "إسرائيل" وراءها أو وراء تغذيتها والحضّ عليها، منذ تأسيسها وحتى حرب العراق الأخيرة، مروراً بالعدوان الثلاثي، ومجازر دير ياسين وقبية ونحالين، وصولاً إلى عدوان الخامس من حزيران/يونيو 1967 وغزو لبنان 1982 وما تلا ذلك من اعتداءات غاشمة على سوريا ولبنان والأردن وحتى عينتيبة في أفريقيا، أو باب المندب جنوب جزيرة العرب والمفاعلات النووية في العراق ونوايا الصواريخ "الإسرائيلية" التي تصل إلى الدار البيضاء.

لم يقرأ السيد بوش تاريخ المنطقة، لأن فراغ وقته لم يكن يتّسع – حسب سيرته الذاتية – لأكثر من معاقرة الخمرة ومطاردة النساء، وعندما تاب وأناب وآمن بمسيحية العهد القديم، فإنه لم يبرع بأكثر من النَفْخ المزاميري في وجه أهل الشرّ، الذين يشكلون تسعين بالمئة من سكان الأرض أو يزيد!.. فيا لرفاه القلّة الضئيلة في دنيا ودين هذا الكون، ويا لشقاء الأكثرية الكاثرة في حكم السماء وبؤس الأرض! لقد سبق عدوانُ السياسات الأمريكية على معظم شعوب العالم، أحداثَ أيلول بتاريخ كامل، فبالنسبة لنا نحن العرب، اعترف الرئيس الأسبق هنري ترومان بـ"إسرائيل" بعد قيامها بدقائق، وكان قبله الرئيس ولسون قد اعترف بـ"وعد بلفور" لمجرد إعلانه، وفي أيلول من العام 1922 وافق مجلسا النواب والشيوخ من جهتهما على قبول وعد بلفور، وفي أيار من العام 1922 هلل الرئيس هاردنغ (خَلَف ولسون)، لإنشاء الصندوق القومي الأمريكي – اليهودي لصالح إعادة اليهود إلى فلسطين، وفي حزيران عام 1928 صفّق الرئيس هربرت هوفر، لعودة فلسطين إلى الاخضرار على أيدي الروّاد اليهود.. وفي الخمسينات أجبرت الولايات المتحدة ألمانيا على دفع تعويضات ثمناً للدم اليهودي أيام النازية.. وكانت عشرات ملايين الماركات الألمانية، بمثابة الضخ الاصطناعي لفلب كاد يتوقف عن الخفقان، لا لشيء وإنما ببساطة، لصُنعية زرعه، ونشاز موقعه، وافتقار مقوماته ( ففلسطين ليست دولة في التاريخ، إنما هي جزء من دولة أشمل)، وهكذا بقيت "إسرائيل" لأسباب تتعلق باصطناع وجودها، دولة متسوّلة بامتياز، فلولا الغرب لما قامت، ولولا أمريكا لما استمرت، ولولا النظام الرسمي العربي الخائب.. لما انتصرت..

ومع ذلك فإن أمريكا أعطت الوهم للعرب (فترة العدوان الثلاثي وبعدها ولاية كيندي )، بغية المفاضلة بينها وبين سياسات استعمارين بريطاني وفرنسي باتا يعتبران من الأوابد، ومع ولايتي أيزنهاور وكينيدي، تمكنت أمريكا من التسرّب إلى ثقة العرب، وما أن رحل عهدا الرئيسين المذكورين، حتى عادت السياسات المسكونة بعقائد الآباء المؤسسين إلى الظهور، فربّ "إسرائيل" الجديدة، الذي هو ربّ أمريكا، عاد يجري على ألسنة الرؤساء وأطقمهم الإدارية، للدلالة على صدق الإيمان ونقاء السريرة، حتى أن الرئيس فرانكلين روزفلت (رئاسته من 1933 – 1945) الذي لم يكن قلبه يهفو لنداءات صهيون، إلا أنه اضطر لمسايرة حزبه الديمقراطي حين قال: (إذا ما أعيد انتخابي فسأطلق هجرة يهودية غير مقيدة إلى فلسطين). لقد مثّل رؤساء أمريكا، حبلَ المسد التوراتي، المجدول بروحية الاستعلاء فوق الشعوب الأخرى، فقد رأينا ما جرى على الطريق الدموي لإبادة السكان الأصليين، كما رأينا مجازر الرقيق الأسود عبر تواريخ وتواريخ، ومع مبدأ مونرو القائل بأمريكية القارة كلها، أقلعت أشرعة السفن المُحمّلة بالمدافع، تجوب بحار أمريكا الوسطى والجنوبية، انتقالاً إلى بحار آسيا وأفريقيا ناهيك عن بحار جزر الكاريبي، وما استولدته ذاكرة الإيمان، بواجب الأخذ بيد شعوب التخلّف!..

ولمن شغّله تاريخ أمريكا، فإنه يمكنه الاستماع للكاتب الأمريكي الشهير، معوم شوموسكي، وهو يقول عن ( أبو الأمة الأمريكية بنيامين فرانكلين): "رغم نجمه الساطع في سماء التنوير والعقلانية، فإن هذا الرجل كان يسوّغ بإيمانية غير منقوصة، لطرد السكان الأصليين دون تبكيت..".

أما توماس جيفرسون، الرئيس الثالث، وواضع وثيقة إعلان الاستقلال، فقد قال باستراتيجية التهام القارة الأمريكية قطعة وراء قطعة.. وللحقيقة فإنه ما كان لهذا الشريط الدموي أن يستمر باستثنائية تاريخية امتدت لقرون، لولا العقائد التي تقف خلفه، فمزيج اشتقاقات اللوثرية البروتستانتية جاء ليتماهن مع جذر الأنغلو – ساكسونية، التي ميّزت نفسها بالأساس، قبل أن يهبط عليها وحي التوراتية من ألمانيا، بمسيحية الاحتجاج ضد الفاتيكان القابع خلف شطآن البحر المتوسط، فما بين بلدان المتوسط على أوروبيّتها، ما يتسع المجال للتمايز بفارق التاريخ والإحساس بالخصوصية والتفوق، فشمال العالم يبقى غير جنوبه، وشرق أوروبا غير غربها، فكيف إذا كانت الولايات المتحدة شمال القارة كلها، وربما شمال العالم باسره؟! إذ ما كان لمسيحي مؤمن، أن يخترع فلسفة صراع الحضارات (صموئيل هنغتون) لولا تطرّف عقائديته المؤمنة بالنبوءات القيامية، فجذر صراع الحضارات موجود في نبوءة نهاية الزمان التوراتية (هرمجدون)، وهي نبوءة تشي (في نهاية الصراع) بإبادة حضارات أهل الشرّ، على يد حضارات أهل الخير، حيث تصل الدماء إلى شكائم الخيل في سهل مجيدو الفلسطيني، الذي هو أرض نهاية البشرية وزمانها.

وبعيداً عن صراع الحضارات والنبوءات الخارجة من سوء النيّة المُبيّت تجاه الآخر الغريب، فإننا نتساءل: هل الصراعات الإنسانية، جاءت مع تاريخ النشوء الإنساني أم بعده، فإذا كان الإنسان الخارج لتوّه من (قرديّته – داروين) أو الخارج من (طحلبيّته حسب نظريات مادية أخرى) فلماذا يسمى الصراع بصراع حضارات؟ ألم يكن الصراع قائماً قبل بزوغ الحضارات والشعوب والأمارات، أليس تاريخ الإنسان هو الصراع بذاته، مع الطبيعة وضد الحيوان والإنسان الآخر بآن واحد؟ فلماذا نطلق على الصراعات بين البشر، صفة الحضارة، ولا نطلق عليها صفة المصالح، سواء أكانت فردية أم جماعية، شعوبية أم عالمية؟!

إن زمان نشوء فلسفة صراع الحضارات الأمريكية، هو زمان انتهاء الحرب الباردة، حيث أمريكا تستعد لاصطناع عدوٍّ جديد هو الإسلام، ويتساءل المرء بحق، هل مصالح أمريكا مع مليار ومئتي مليون مسلم وعربي، أم أنها مع أربعة ملايين "إسرائيلي"، هل هي مع ثلث المعمورة، أم أنها مع بضعة آلاف من الكيلومترات المربعة تعتاش على دافع الضريبة الأمريكي؟ ومع هذه المصالح واضطراد صعودها، كيف يمكن لأمريكا ألا تكون إلى جانب مصالحها مع العرب، وتكون إلى جانب الدولة الطُفيلية "إسرائيل"، فاليهودي حسب تاريخه الغربي (ونموذجه في شكسبير) يأخذ ولا يعطي، فإن أعطى ولم يسترد ما أعطى، فإنه يُفضّل أن يسترده لحماً مقطوعاً من جسم المدين!..

وعندما وقف المواطن العربي على حقائق ما يجري، اكتشف أهمية استثمار الإدارة الأمريكية لأحداث أيلول، فقد تمّ كشف المستور بحجة الحزن على الضحايا (دون أن يكون بينهم يهودي واحد في مستوى اليهود الكبار)، ثم انطلقت عقيدة الصراخ ضد الإرهاب، وما هي إلا أيام، حتى غدا الإرهاب عقيدة ركنية من عقائد المسلمين!..

هكذا مشت الإدارات الأمريكية إلى جانب خلق "إسرائيل" ودعم وجودها، على هدي المذهب المشترك فوق المصالح، ولم يكن ذلك كافياً، لولا انحدار النظام العربي إلى مستوى الارتهان، فمع النظام الرسمي العربي، الذي لا يهمّه غير نفسه وبقائه وتوريث النسْل من ذريّته، بل من ذكوريّته، فإن أمريكا لم تعد تكتفي بالوقوف إلى جانب "إسرائيل"، بل ضد حلفائها التاريخيين من الحكام العرب، ومع ذلك فإن الإصرار على إدامة القِرانِ رغم ازدرائه، ظلّ سيد الموقف الرسمي العربي دون حرج!..

فحاملات الطائرات الذاهبة لتدمير العراق وشعب العراق، تمخر قناة السويس دون تأتأة، وأباتشي أمريكا "الإسرائيلية" تبيد شعب فلسطين، ولا اعتراض يستأهل الذكر، وقواعد أمريكا التسع لتخطيط عملية العدوان على العراق، كان سبعٌ منها في الأراضي العربية المجاورة للعراق، ومناطق التحشُّد الأربع لانطلاق الهجوم على العراق، كان ثلاث منها في دول عربية مجاورة للعراق، حتى بات عديد القوات المتحالفة في الكويت مثلاً، يعادل ربع سكان الدولة التي ملأت الدنيا ضجيجاً وانحراف مواقف ونشاز سياسات ونكايات!..

إن الولايات المتحدة لا تفتقر إلى شيء، بمقدار افتقارها للنـزاهة، وهو مطلب قيمي لا تعول عليه مدرسة البراغماتية (الذرائعية) الأمريكية، التي هي أشهر مدارس (المنطق) في تاريخ الرواد الأوائل الذين استوطنوا الأرض الجديدة، فكل ما هو نافع على الصعيدين الشخصي أو العام، فهو مبرر في عقيدة الحياة الأمريكية، حتى لو كان النفعُ نكالاً على الآخرين، وقد يكون ذلك منبثقاً من منطق توراتي يرى شعبَه فوق الآخرين، كما لا يرى تحقيق مصالح شعبه بغير الحروب، تشنّها مآرب الاستكبار والثروة والنهب..

وعند هذا المقطع، لا بد من استعارة المشهد البليغ، الذي يصوره الروائي الفرنسي الشهير أناتول فرانسيس (وهو صاحب جائزة النوبل عام 1921) في كتابه جزيرة البطريق.

يتحدث أناتول عن رحلة قام بها البروفسور في السوربون الأستاذ أوبنو بيل إلى الولايات المتحدة، وحضر جلسةً للكونغرس الأمريكي عام 1908، وقد نقل البروفسور جلسة الكونغرس على النحو التالي:

رئيس المجلس: لقد انتهت الحرب التي أُشعلت لفتح أسواق زيلاندا، بشكل يرضي الولايات المتحدة، أقترح أن نرسل الحساب إلى مفوض الإدارة المالية (أي وزير المالية). فهل من معارض؟!. صمت كامل.

- إذن فقد فاز الاقتراح.

يسأل البرفوسور الفرنسي مرافقه الأمريكي المترجم:

ولم كل هذه الحروب، وأنتم دولة صناعية وتجارية وشعبكم يعيش في مستوى جيد بالنسبة لباقي الشعوب.

يجيب المرافق: لأننا دولة صناعية وتجارية فإننا نشعل الحروب، فلكي نستطيع تصريف منتجاتنا لا بد من حرب جديدة لفتح الأسواق المغلقة، ففي هذا العام وحده خضنا حرباً من أجل تصدير الفحم، وثانية من اجل النحاس، وثالثة ضد زيلاندا، وقتلنا ثلثي السكان لنجبر الثلث الباقي على استيراد منتجاتنا..

وصمت البروفسور الفرنسي أمام هذا المنطق المُفحم!..

وما هي إلا لحظات، حتى صعد إلى منصة الكونغرس رجل ضخم الجثة، وصرخ بأعلى صوته:

أطالب بإعلان الحرب على حكومة جمهورية إيميرود، لأنها تنازعنا رعاية خنازيرنا بوقاحة..

وسأل البروفسور الفرنسي مرافقه الأمريكي:

من هو صاحب الاقتراح بشن الحرب من أجل الخنازير.

ويجيب المرافق: تاجر خنازير.

وهنا يطرح رئيس المجلس اقتراح الحرب من أجل الخنازير على التصويت.. ويفوز الاقتراح بالأكثرية الساحقة.

ينظر البروفسور الفرنسي إلى مرافقه الأمريكي مندهشاً:

أبهذه السرعة والاستخفاف، تقررّون إشعال حرب في سبيل الخنازير؟!.

يجيب المرافق: إنها حرب لا أهمية لها، لن تكلّف أكثر من ثمانية ملايين دولار.

ويعود البروفسور للسؤال: وماذا عن الضحايا من البشر؟

يجيب المرافق بيُسر: إنهم من ضمن حساب ثمانية ملايين دولار..

في اليوم التالي، كان البروفسور يحجز بطاقة سفر بحريّة إلى بلاده!..

...

ما نرجوه هو أن يستوعب الرئيس بوش، مثلما يستوعب لاهوته.. تاريخ أجداده بمعتقد النـزاهة الذي يجري على لسانه، علّه يعثر على ضالته المنشودة في سؤاله: لماذا يكرهوننا؟!.

***