مرافعة موضوعية دفاعاً عن صدام حسين

حمدان حمدان/ كاتب وباحث من فلسطين يقيم في سورية

لامني العديد من أنصار الديمقراطية، لقولي في الاتجاه المعاكس، بأن ساحة الفردوس في بغداد، ليست هي الساحة الكافية لتمثال صدام، بل أن ساحة الرجل، هي الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

فقد نظر لهذا الاستهلال وكأنه دعوة جديدة لمبايعة الاستبداد، على أن لي رأي أنا الآخر، قد لا أستطيع تقديمه من خلال برنامج فضائي محصور بفترة زمنية محددة ومتسارعة، وعلى ذلك، فقد وجدت في (القدس العربي) وفي موقع (المحرر) عبر شبكة الانترنيت، رحابة تمكنني من شرح ما اقصد، دون تراجع أو اعتذار.

فتمثال صدام في ساحة الوطن العربي، يعني باديء ذي بدء، بأن العراق، كان له الموقف القومي الذي يراه في فاعلية ممارسة، لا في استثارة خطاب، فالعراق موجود في مستشفيات وأطباء ومدارس موريتانيا، وهو موجود في معالم صحية وتعليمية ومدنية وعسكرية في اليمن والسودان، وهو موجود في تاريخ مليون ونصف مليون عامل زراعي مصري، استقدمهم دون مباهاة، بل من واجب تفاعله القومي، لإتاحة فرص عيش لأخوة له في إقليم آخر، وليضعوا أيديهم على عالم زراعي عراقي، هم الأكثر خبرة في انتشاله وتطويره، والعراق موجود في الأردن، ولا يستطيع أحد أن ينكر تاريخ السخاء النفطي من قطر قادر إلى آخر محتاج، والعراق موجود بفخار في تاريخ فلسطين وحاضرها، فقد ظل الجيش العراقي في الصفوف الأمامية لمعركة فلسطين في كل مرة، دون أن يتخلف مهما كانت الظروف والمخاطر، وفي زمن الاستشهاد الفلسطيني، فقد كان صدام، رغم القلة في الحصار، في بيت كل شهيد، لا يكل ولا يمل، فكان من نصيبه اتهام إضافي، هو أنه يدعم "الإرهاب"، فيما يوافق "الإرهاب"، فيما يوافق العملاء والمأجورون على هذا التوصيف.

السبب الثاني في طلب الساحة العربية لتمثال صدام، هو أن الرجل كان قد قرر نقل العراق من واقع إلى آخر، من واقع المجتمع الخراجي، الريعي والتواكلي، إلى واقع المجتمع الذي يبني نفسه بنفسه، وقد نظر إلى لزوميات هذا الانتقال، فوجده في فائض رأس المال، وقوة اليد العاملة، واكتساب المعرفة والخبرة.. فعرفنا أين تذهب أموال العراق وأين تذهب أموال غيره، ففي مجال رأس المال، كان أمامه مفتاح القدرة النفطية العراقية، فأمم النفط، وبالفعل فقد انتقل الإيراد النفطي العراقي عام 1972 (أي عام بدء التأميم) من 840 مليون دولار سنويا إلى 26 مليار دولار في العام 1982، ويرد كارهو صدام هذا الارتفاع، إلى ارتفاع أسعار النفط عموما مع حرب تشرين/أكتوبر عام 1973 ولكن مهما كان، فإن طفرة ارتفاع أسعار النفط، التي وصلت في ذروة حالاتها، إلى عشرة أضعاف عما كان عليه السعر قبل الطفرة، فإنها غير متكافئة مع ارتفاع المداخيل العراقية من النفط بعد التأميم، حيث تشير النسبة إلى خمس وعشرين ضعفا، اكثر أو اقل حسب "النشرة الاقتصادية للشرق الاوسط" عام 1982.

في قوة العمل، فقد حاول نظام صدام، أن يضع في ساحة مشروعه، كل الإمكانيات المتاحة (وفي المجالات جميعها) كل قادر على العمل في العراق، وفي العام 1975 وما بعده حتى العام 1978، فقد كاد المدخول الفردي العراقي، أن يتجاوز مثيله في السعودية أو الكويت، أما بالنسبة لميادين العمل التي تتطلب قوة عمل إضافية، سواء كانت كمية أو نوعية، فإن نظام صدام، سعى إلى تعويضها، من الوطن العربي أولا، ثم من العالم الأجنبي، إذا كان لا بد من ذلك.

وفي مجال النقل والتقليد، فإن نظام صدام لم يرفض المبدأ، فقد نظر إلى تجربة اليابان النهضوية، فوجد أنها ابتدأت ـ ولعقود طويلة ـ بالتقليد، لكنه كان يحث على خلق قيمة مضافة فوق عملية التقليد والنقل.

ومن هنا، فقد وجد أن القيمة الذاتية الوطنية المضافة، لا يمكن تحقيقها، دون اكتساب خبرات ومعارف، فكان نصيب دور البحث ومراكز المختبرات، زهاء 450 مليون دولار سنويا من ميزانية الدولة، أي بنسبة 2.5 بالمئة من الدخل العراقي السنوي، وبالمقارنة مع النسب المئوية التي تصرف علي مراكز البحوث في المنطقة العربية، فإن في ذلك ما يدعو إلى الكآبة، حيث لا تصل نسبة دعم المراكز البحثية في افضل الدول العربية إلى أكثر من 7 بالألف إلى واحد بالمئة، وبالنسبة لمصر، فإن هذا الدعم يتأتى من معونات خارجية.

السبب الآخر لطلب التمثال الصدامي، هو أن من أسقط التمثال في ساحة الفردوس، هما أمريكا و"اسرائيل"، أضف إليهما لصوص بغداد أو (الزعران) المدفوعين بأجور كويتية (وفرهودية)، وعليه فإن المشهد المسرحي، كان يذهب إلى كسر إرادة الأمة، فالانتقام ليس لصواريخ صدام فوق تل أبيب فحسب، بل لتعويض الانتقام من بابل أيضا، فالرموز التاريخية والإسلامية والقومية لسلاح صدام، كانت تجول بين حمورابي والمدينة المنورة، وما بينهما صواريخ العباس والحسين، وليس قليلا أن حدث الفردوس الهوليوودي، بتمثيل تنفيذي عراقي هابط، كان يريد الإعلان عن كسر إرادة العزم لاسترداد اسطع ما في تاريخ الأمة من أضواء، ويكفي أن نقول، بأن من أسقط تمثال صدام ونظام صدام، هو نفسه من دمر العراق واستباح أرضه وثروته وكرامته، وليس أشد بؤسا، من مجندين عراقيين (حيث العراقية براء منهم) لواشنطن وتل أبيب، يريدون تطبيع أحوالهم، بإشاعة المعاني الطبيعية في الشرعية والرئاسة والوزارة، فيما هم يعلمون حق العلم، بأنهم ليسوا أكثر من توقيع يخطه رأس قلم بريمر، الذي هرب في ليل أسود وطائرة سوداء، فيما أبقى لهم مراسيمه التي لا شرعية لتجاوزها، لا في بهاء استرداد السلطة، ولا في فخار استرداد السيادة، حيث أغلال العراق من أغلال صدام.

إننا لا نريد استرداد التمثال، كمبايعة للاستبداد من جديد، بل نريده كمشهد قومي، يعلن عن إقصاء المشهد الاحتلالي ـ الطائفي الحاقد، في ساحة الفردوس، وما جرى للكنوز النفيسة في متاحف العراق ومكتبات جامعاته التاريخية.

لم يكن العراق هدفا لطلب الديمقراطية أو رفع المظالم عن شعب يجري وأده بالغازات السامة أو القبور الجماعية، فأمريكا لا تهتم لمثل هذه السفاسف الإعلانية، فهي الأعلم ـ بأن نظام صدام، لا يستهدف لعلة في استبدايته، والشاهد أن أمريكا كانت ستدخل العراق حتى لو رحل صدام مع نظامه (تصاريح لباول ورايس ورامسفيلد) وأمريكا لا تستهدف العراق لمجازر نظامه ضد شعبه، فشعب العراق في نظر الطغمة اليمينية ـ المتصهينة في أمريكا، لا يستحق العناء من اجل إنقاذه، علما بأن أمريكا في موقع تستطيع من خلاله، أن تلتقط تاريخ العراق في حروبه وسلامه، وهي إذا تعرف من ضرب الغازات في حلبجة، وما هي أسباب القبور الجماعية في الجنوب؟

فالديمقراطية الوطنية، ليست في مصلحة أمريكا في أي بلد عالم ثالثي، فكيف إذا كان الأمر يتصل بالعراق؟!

وبالعودة إلى جرائم الغازات في حلبجة، فقد كتب تقريران أمريكيان معتمدان، إضافة إلى شهادات أمريكيين كبار، من أمثال جودوانسكي، مستشار الرئيس رونالد ريغان، وستيفن بلير الأستاذ المحاضر في كلية الحرب الأمريكية، ومسؤول الدراسات عن قسم العراق في وكالة الاستخبارات الأمريكية، ثم ميلتون فيورست رئيس التحرير في مجلة (نيويوركر) الشهيرة، ثم روجر تريلينغ رئيس تحرير مجلة (فيلج فويس).. وكلهم أشاروا مع الكاتب العراقي الشهير، الكردي الأستاذ عبد الرحمن قاسملو، بأن غازات حلبجة ليست من مسؤولية العراق بل إيران، ولدينا جميع المراجع، المتعلقة بالأسماء المذكورة أعلاه، وما توصلوا إليه من خلال الزيارات الميدانية للمنطقة.

أما ما يتعلق بالتقريرين الأمريكيين المعتمدين فهما تقريرا قسم الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب الأمريكية الصادر بداية العام 1990 ويقع في تسعين صفحة ويقول كخاتمة حاسمة: (بعد زيارات ميدانية وفحوص اختبارية، للتربة وأعراض الضحايا في حلبجة، فقد تبين بان الغاز السام المستخدم، ينتمي إلى فصيلة السيانيد وهو ما تمتلكه ايران وليس العراق، أما العراق فيمتلك غاز الخردل، وهو ذو عوارض مختلفة عما تم فحصه).

لماذا اختفي هذا التقرير بعد أن تم تداوله بعد حلبجة وما الدافع وراء إخفائه؟! وهو سؤال المحامين العرب للبنتاغون الأمريكي.

أما التقرير الثاني المعتمد، فقد صدر عن وكالة الاستخبارات الأمريكية في تشرين الأول/أكتوبر من عام 1990 ويقول: "هناك ست حالات تم فيها استخدام الغازات من الطرفين المتقاتلين في حرب العراق وايران، خمس من هذه الحالات، جرت في ميادين القتال المباشرة بين الجنود المتجابهين، أما الحالة السادسة فكانت في معارك استرداد حلبجة من الايرانيين، وفي جميع الحالات، فإن الضرب بالغازات، لم يكن يستهدف المدنيين، وأن حربا نظيفة لم تكن في التاريخ".

ويرجع الخبراء الارتفاع النسبي في عديد الضحايا، إلى استخدام مشتقات السيانيد الفتاكة، ومع ذلك فإن منظمة حقوق الإنسان الأمريكية، هي التي نقلت عديد الضحايا من عشار الألوف إلى خمسين ألفا وفي العام 2003 مع بدء العدوان باتت ضحايا حلبجة تعد بمئة ألف ضحية.

ويعود السبب إلى خضوع هذه المنظمة لتأثيرات من يهود عراقيين أمثال موتي زاكن وموريس آبتاي.. ويمينيين أمريكيين معروفين أمثال تشيني وبولتن وبيرل وفيث..

وحلفاء حميمين من أكراد طلباني وبرزاني أمثال نجم الدين كريم، وعمر حلمت وعثمان بابان وكندال نيزان ومحمد خشناو واسعد خيلاني.. ومما يلفت النظر في تقارير منظمة الحقوق الأمريكية عن ضحايا حلبجة، بأنها ذات سمات تلفيقية وملتبسة فضلا عن غائيتها المعدة، فإضافة إلى تذبذب أرقام الضحايا ونقلها من خانة الألوف إلى عشرات الألوف، فإن هذه التقارير ظلت تقول بالأكثرية الكاثرة لوقوع الضحايا في صفوف الأطفال والنساء، أما التقرير الذي يحمل رقم مئة ألف ضحية، فكان تركيزه على الأكثرية الكاثرة للضحايا في صفوف الرجال والفتيان!

إننا نناشد الأساتذة المحامين الذين يريدون الدفاع عن صدام، بأن يطالبوا باستحضار الوثيقة الصادرة، في العام 1990 عن قسم الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب الأمريكية وهي تقع في تسعين صفحة عن حلبجة.. والوثيقة الثانية الصادرة عن وكالة الاستخبارات الأمريكية للموضوع ذاته وفي تشرين الأول/أكتوبر من العام 1990.

وألا ينسى المحامون الكرام، أسماء كبيرة من الأمريكيين الشرفاء، الذين أفادوا بأخلاقية عالية، في توصيف حقائق حلبجة، من أمثال جودوانسكي وستيفن بلير وميلتون فيورست وروجر تريلينغ.. وآخرين ممن بقوا على قيد الحياة حتى اليوم.

أما المقابر الجماعية فيكفي بالقول بأنها ناتج حصاد حروب أربعة، من حرب الفاو إلى عاصفة الصحراء إلى التمرد الجنوبي على يد "الحرس الايراني" و"فيلق بدر"، ثم من عدوان "ثعلب الصحراء" عام 1998 إلى القصف الجوي لمناطق الحظر، حيث بلغت الغارات الجوية زهاء خمس وسبعين ألف غارة (خلال فترة الحظر)، بمعدل ولو قتيل واحد ليس أكثر.

ما كان صدام ليرتاع من الخطوب التي كان يتوقعها مع كل خطوة وقرار، وهو الآن أسير في قفص تحفه الأصفاد من ظهره إلى أخمص قدميه، وقد قادنا المشهد إلى زنوبيا العربية في شوارع روما، إلا أن صدام ما زال يتحرك حركة الأسد، وينظر بعيون النسر، حيث يرتجف السجان من السجين، فقد ألقى ابن العراق الأبي، خلف ظهره متعة العيش ونعمة الولد ورغد البهاء في حياة الرؤساء، ولو أراد لكان له ذلك وفوقه قبل أي حاكم عربي آخر، إذ لم يكن ينقصه كي يتناسخ في صدام السادس عشر، سوى أن يرفع سماعة الهاتف كي يتحدث مع تل أبيب.