ثورة تموز المجيدة

الدكتور غالب الفريجات/الأردن

في السابع عشر والثلاثين من تموز المجيد، شهر الثورات العظيم، فجر البعث ثورته في عام 1968، قبل سنة كان العراق في وضع لا يحسد عليه، رغم مكابرة الأميين والمهووسين، فقد كانت نسبة الأمية تزيد عن السبعين بالمئة، وكانت ثروة النفط مرتهنة للشركات الاحتكارية وكان العراق لا يملك أكثر من جامعتين، وكانت الشخصية العراقية شخصية كما يصفها عالم الاجتماع العراقي، علي الوردي بما هي عليه.

فجر البعث ثورة تموز العظيم فقامت بأكبر حملة محو أمية في تاريخ الشعوب استطاع العراق أن يكون نظيفا من الأمية في خلال ثلاث سنوات عمر الحملة، كما تشهد سجلات منظمة التربية والثقافة والعلوم ( اليونسكو)، 1972قام العراق بقيادة الثورة العظيمة بتأميم النفط، حيث كانت خزائن الدولة العراقية لا يتوفر فيها رواتب لموظفي الدولة، ونجح في هذا الإنجاز العظيم، وكانت ضربة موجعة للاحتكارات الإمبريالية الغربية، يومها بدأ التخطيط للتآمر على الثورة وقيادتها.

ملك العراق ثروته ولأول مرة في تاريخه وأخذ يستثمر أموال النفط في التنمية و بشكل خاص التنمية البشرية، فتم فتح آلاف المدارس التي انتشرت في كل أنحاء القطر العراقي، وغطت مساحة القطر خمسة عشر جامعة، وأصبحت الدراسة من الحضانة حتى برنامج الدكتوراة في المدارس والجامعات العراقية مجانا، وهناك الكثير من العراقيين، وخاصة من ذوي الألسن الطويلة في حق الثورة وقيادتها ممن لا يملكون شيئا، وكانوا في عداد الرعاع، على الرغم انهم رعاع رغم ما قدمته الثورة لهم من فرص تعليمية مدرسية وجامعية وفي مختلف المراحل، ولكن فيما يبدو أن تعليم هؤلاء كان وبالا لا نعمة على العراق، لأنهم باعوا أنفسهم بالثمن البخس لأعداء الوطن والمواطنين.

إن التنمية في العراق أخذت جميع أبعادها المادية والبشرية، إذ ظهرت حالة تصنيع مدنية وعسكرية لم تكن مسبوقة في تاريخ العراق، وظهر جيش من أفضل الجيوش في العالم الثالث، كان دوره مميزا في حماية دمشق من السقوط وكان صاحب الصولات الأولى على الجبهة المصرية وكانت نصب شهدائه ماثلة في الأردن، وقامت حركة تصنيع عسكري أفضل بكثير من دول كانت أكبر حجما وأغنى من العراق، وتميزت الثورة في استثماراتها بالإنسان حيث ملك العراق طبقة من العلماء كانت نسبة علماء العراق إلى الشعب العراقي تتفوق على ما تملكه الدول المتقدمة، وكان العراق يملك أفضل مستوى من الخدمات الصحية ومجالات الصرف الصحي، وقد قدمت الثورة للمواطن العراقي حالة اقتصادية افضل بكثير من مثيلاتها في العديد من الأقطار في العالم، لأن العراق ملك ناصية العلم والتقدم والتكنولوجيا، والقدرة العسكرية، فقد بدأت الدوائر الصهيونية وبالتعاون مع الدول الإمبريالية الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تحيك المؤامرات، وقد بدأت مؤامراتها بالتوكيل سواء عن طريق عائلة البرزاني العميلة أو ايران الفارسية أو دويلات النفط ودسائها، ولأن كل هذه المؤامرات قد فشلت على صخرة الصمود العراقي ووعي قيادتها، فقد قامت الدوائر الصهيونية والإمبريالية تشن الحروب مباشرة، بدأت بحرب ما يسمى بـ"تحرير الكويت"، والحصار الجائر بما لا يزيد عن اثنتي عشرة سنة، ثم الغزو الإمبريالي الأمريكي لتدمير العراق وطنا ودولة للخلاص من هذا المارد العربي لصالح الصهيونية والهيمنة على ثرواته وبشكل خاص ثروة النفط.

ظن العملاء وأسيادهم أن ثورة تموز بقيادة البعث سريعة الكسر والعطب، لأنهم يملكون قدرات عالية من التكنولوجيا العسكرية، ولا قدرة للعراق على حربهم النظامية، وقد غفلوا عن فهم روح ثورة البعث وتموز أنها ثورة وثابة، هي ثورة الأمة في روحها وتطلعاتها، وليس بمقدور أي قوة على الأرض أن تزيلها عن الوجود.

ثورة تموز العظيمة ليست كغيرها من الثورات، لأنها قد تنكسر أو تفقد السلطة، ولكنها لا تموت لأن أهدافها ومبادئها، هي أهداف ومبادىء الأمة، فالوحدة والحرية والاشتراكية هي مبادىء الأمة والتي أصبحت مبادىء كل أمة تنزع إلى التحرير، فكيف بأمة نالت وساما إلهيا وضعه الله سبحانه وتعالى على صدرها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.

لأن تموز ثورة عظيمة، فقد قلبت صفحة المواجهة من مواجهة نظامية يملك فيها العدو كل مقومات التفوق إلى مواجهة حرب التحرير الشعبية لا يملك فيها العدو إلا بذور الهزيمة والتي نبتت في كل أرض الثورات العالمية العظيمة، فإذا كانت فيتنام قد مرغت العدو الأمريكي في الوحل، فإن ثورة تموز العظيمة ستدق المسمار الأول في نعش إمبراطورية الشر في واشنطن وتلحق بها المشروع الصهيوني في فلسطين.

لم تكن الثورة غافلة عن القدرات العسكرية الأمريكية وحجم التآمر الإمبريالي الصهيوني الرجعي، ذات الثالوث الذي واجه أمة العرب منذ مطلع القرن الماضي، لهذا فقد هيأت للثورة الشعبية مستلزماتها من تدريب وتسليح وتثقيف إلى جانب قيادة عسكرية وسياسية، لهذا جاءت المقاومة بأسرع مما تصوره كل الأعداء والعملاء وأخذت تضرب مرتزقة دول العدوان في كل أنحاء العراق، وبات العدو الإمبريالي الأمريكي يتحسس رأسه من شدة ما أصابه من فعاليات رجال المقاومة والتحرير، حتى وقع العدو في مأزقه السياسي والعسكري والخلقي، وأصبح أضحوكة العالم حيث أخذ يستنجد بكل دول العالم، وبهيئة الأمم المتحدة، ولكن كل هذه التصرفات الصامتة والعلنية التي بدأ العدو يرسلها قد زادت من لذة شعوب العالم في التفرج على هذا العدو المتغطرس وتقول في سرها أنه يستحق أكثر من ذلك وهو يعلم أن الثورة ماضية في مشروعها التحرري حتى هروب آخر مرتزق من أرض العراق العظيم.

لم تكن قيادة الثورة كما توهم الخائبون طبقة فوقية تمارس دورها في قيادة العراق، بل كانت قيادة شعبية، بسرعة فائقة تحولت القيادة إلى صفوف الشعب وقيادة المقاومة وأخذت تدير عملياتها السياسة والعسكرية باقتدار عال قل نظيرة حتى في الثورات العالمية العظيمة، وأيا كانت محاولات العدو الإمبريالي الأمريكي والصهيوني لمدارات هزيمته، والتي يحاول تقسيطها على أقساط حتى لا يسقط مهزوما بشكل لافت لكل شعوب الأرض، إلا أن بوادر هزيمته أخذت تلوح في الأفق وأن أزلامه وعبيده، الذين استعان بهم أصبحوا أضحوكة في نظر العراقيين والعالم، لأن من لا يستطيع حماية نفسه لا يمكن أن يكون قادرا على قيادة وحماية شعب والحفاظ على مقدرات وطن، إذ أن من يبيع نفسه بثمن بخس لن يكون مصيره إلا الهزيمة المنكرة قبل أن يهرب إلى أوكار العمالة، التي أرادت أن تصنع منه بديلا عن الثورة والقيادة.

ثورة تموز العظيمة وباعثها ومفجر إرادتها في السلم والحرب ترفع رايات النصر وتعد وهي الصادقة في الوعد أنها قادمة لا محالة، ولكن بعد أن دشنت بداية المشروع النهضوي العربي وهزيمة الطابور الإمبريالي الصهيوني الرجعي ليس على ارض العراق فحسب، ولكن على امتداد الوطن العربي والعالم، حيث سيتأكد أنها ثورة قومية ذات بعد عالمي حررت الأمة والعالم من الغطرسة الإمبريالية الأمريكية والصهيونية ومن العهر السياسي العربي والعالمي.

في عيدها السادس والثلاثين يحتفل رجال المقاومة والتحرير ومعهم رجال المبادئ العظيمة على بداية تقهقر أسوأ إمبراطورية عرفها التاريخ، لتذهب إلى الجحيم وليذهب عملاؤها إلى مزبلة التاريخ وحاويات القمامة، وليبقى تموز بعطره الفواح ولهيب شمسه تحرق كل الأصابع الممتدة إلى أرض العراق ويردد على أرض الرافدين "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة".